حين يموت رجل بهذا الحجم لا تسقط معه فقط شخصية، بل تنهار معه منظومة كاملة بناها بصمت وبطء ودهاء على مدى أربعة عقود.
فمن هو الرجل الذي حكم إيران أطول من أي حاكم في تاريخها الحديث، وبنى أكثر شبكات النفوذ الإقليمي تعقيداً في الشرق الأوسط، ومات وهو لا يزال يمسك بكل الخيوط؟
النشأة.. طفل مشهد الذي صنعه الفقر والاضطهاد
ولد علي بن جواد خامنئي في الثامن من سبتمبر 1939 في مشهد، شمال شرق إيران، في أسرة فقيرة متدينة كان فيها الثاني بين 8 أبناء، لم يكن الفقر وحده ما شكّل وجدانه، بل الاضطهاد أيضاً؛ فقد أُعدم زوج عمته محمد خياباني على يد نظام الشاه، وكانت ميولات عائلته القومية المعارضة قد انتهت بهذا الإعدام الذي لم يُنسَ.
التحق في سن الرابعة بالكتّاب مع شقيقه الأكبر، ثم أتمّ دراسته في مدرسة "دار التعليم الديني" وبعدها في مدرسة "نواب" لتلقي دروس اللغة العربية والفلسفة والمنطق، وفي عام 1959 انتقل إلى قم وتتلمذ هناك على يد كبار العلماء، أبرزهم الخميني والطبطبائي وبعد 5 سنوات عاد إلى مشهد معلماً للعلوم الشرعية.
لكن ما ميّز خامنئي عن أقرانه من رجال الدين أنه لم يكتفِ بكتب الفقه فقد درس مجمل المدارس الفلسفية، اجتماعية كانت أم فكرية أم سياسية، إيرانية كانت أم أجنبية، دون استثناء، وهو ما جعل منه رجل دين ورجل سياسة في نفس الوقت.
الرجل خلف العمامة.. تشريح شخصية
هنا يقف المرء أمام أحد أكثر الشخصيات تناقضاً في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، رجل يعشق الشعر الفارسي والأدب، ويُجيد العزف، لكنه أمر بسجن أدباء وفنانين، يحمل أفكاراً إصلاحية من مدرسة علي شريعتي الذي دعا إلى تحرر الإنسان، لكنه بنى نظاماً يُقيّد الحريات، كان معارضاً يرفض استبداد الشاه ثم أصبح رأس نظام يهتف فيه المحتجون بشعارات "الموت للطاغية" و"الموت لخامنئي" في الشوارع.
يرسم باحثون خارج إيران صورة لخامنئي تظهره رجلاً صاحب فكر صارم متحفظاً يخشى الخيانة وهو قلق أججته محاولة اغتياله عام 1981 التي أدت إلى إصابته بشلل في ذراعه اليمنى، هذا الخوف من الخيانة لم يكن وهماً شخصياً، بل تحوّل إلى مبدأ حكم: الولاء أولاً، والكفاءة ثانياً.
تكمن أهمية تسليط الضوء على شخصية خامنئي في كونها استطاعت الحفاظ على وحدة الكيان السياسي وخلّفت شخصية ذات رمزية قوية سياسياً ودينياً في وقت كان يظن فيه الجميع أن صفحة الثورة الإسلامية ستُطوى بوفاة رمزها الخميني.
أما على الصعيد الأيديولوجي، فإن تأثر خامنئي بمجتبى نواب صفوي زعيم حركة فدائيان إسلام الذي التقاه في مشهد عام 1952 كان من أولى التقاطعات التي أدخلته تيار الإسلام السياسي بعيداً عن المدرسة الدينية التقليدية.
خامنئي السياسي.. من الاعتقال إلى الحكم
ترعرع خامنئي في بيئة معارضة لنظام الشاه وروّج بين طلابه لفكرة إسقاط هذا النظام واعتقله النظام 6 مرات لنشاطه السياسي، ومنع من السفر عشر سنوات، ونُفي إلى مدينة إيرانشهر، تعرض لتعذيب شديد عام 1963 حين كان في الرابعة والعشرين من عمره.
التقى بالخميني عام 1957، وتعرّف على رفيق دربه علي أكبر رفسنجاني في كربلاء وفي عام 1977 اختير عضواً في لجنة من 11 شخصاً شكّلها الخميني لإصلاح الحوزة العلمية في قم وتحضير أرضيتها سياسياً للانقلاب على الشاه، وهو ما أفضى إلى تأسيس جمعية العلماء المجاهدين.
وفي يونيو 1981، نجا خامنئي من محاولة اغتيال نفذها أعضاء منظمة مجاهدي خلق حين زرعوا قنبلة في جهاز تسجيل وُضع أمامه وهو يخطب في جامع أبي ذر بطهران، نجا من الموت لكن يده اليمنى فقدت حركتها إلى الأبد، الجرح الجسدي شُفي أما الجرح النفسي المتمثل في هاجس الاغتيال فقد رافقه حتى آخر لحظاته.
كان من مؤسسي الحرس الثوري ولجان الثورة والتعبئة الشعبية "الباسيج"، وانتخب في مجلس الشورى في أول انتخابات بعد الثورة عام 1980، ثم رئيساً للجمهورية من أكتوبر 1981 حتى أغسطس 1989.
الصعود إلى هرم السلطة.. صدفة أم قدر؟
بعد وفاة الخميني في الثالث من يونيو 1989، دارت نقاشات حادة داخل مجلس الخبراء حول خليفته بما أن خامنئي لم يكن مرجعاً في ذلك الوقت، في حين كان شرط المرجعية من شروط القيادة في الدستور الإيراني رفض بعضهم في الاجتماع أهليته بسبب عدم انطباق الشروط عليه واعترف خامنئي بذلك.
لكن رفسنجاني أشار إلى وصايا الخميني لصالحه فانتُخب مرشداً أعلى وكان كثيرون يظنون أنه سيكون مرشداً هشاً سهل الانقياد، وصف كريم سجادبور من مؤسسة "كارنيجي للسلام الدولي" ما جرى بأن "صدفة تاريخية حوّلت رئيساً ضعيفاً إلى زعيم أعلى، ضعيف في البداية ثم إلى واحد من أقوى 5 شخصيات إيرانية في المئة عام الأخيرة".
أحكم خامنئي قبضته بثبات وأناة، مستفيداً من الحرس الثوري الذي وجد فيه المظلة السياسية، فيما وجد هو في الحرس أداةً للسيطرة، وكان الولاء للمرشد الشرط الأساسي لوصول أي شخص إلى منصب حكومي.
تحت قيادته تأسس ما عُرف بمحور المقاومة وظهر "الهلال الشيعي"، وسعى لتعزيز قوة إيران عبر تطوير الصواريخ الباليستية والبرنامج النووي.
اغتياله.. نهاية حقبة
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقتله يوم السبت 28 فبراير 2026، في أعقاب ضربات عسكرية أمريكية و"إسرائيلية" مشتركة على طهران وقم وأصفهان وتبريز ومدن إيرانية أخرى ضمن عملية أطلق عليها "زئير الأسد"، وقال ترامب إن "خامنئي لم يستطع الإفلات من أجهزة الاستخبارات وأنظمة التتبع".
في المقابل، نفى مسؤولون إيرانيون اغتياله وأكدوا سلامته وسلامة الرئيس مسعود بزشكيان، في تضارب روايات لا يزال الضباب يلفّها حتى اللحظة.
رجل لم يُفهم بعد
سواء صحت أنباء اغتياله أم بقيت في إطار التكهنات، سيظل علي خامنئي واحدًا من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ الشرق الأوسط الحديث فقد خرج من بيئة متواضعة وظروف سياسية مضطربة ليصبح مركز ثقل في نظام إقليمي امتد نفوذه من بيروت إلى صنعاء، عبر شبكة تحالفات وأدوات تأثير تجاوزت حدود الدولة الإيرانية.
على مدى أكثر من 4 عقود في موقع القيادة، رسّخ خامنئي نموذجًا سياسيًا وأمنيًا قائماً على مزيج من الأيديولوجيا والواقعية الجيوسياسية، وأسهم في بناء ما يُعرف بمحور المقاومة، الذي تحول من شعار سياسي إلى إطار نفوذ إقليمي مؤثر في معادلات المنطقة.
لكن إرثه السياسي لا يتوقف عند ما أنشأه من شبكات وتحالفات، بل يرتبط بالسؤال الأكثر تعقيدًا: هل تحولت هذه المنظومة إلى بنية مؤسساتية قادرة على الاستمرار بعده، أم أنها بقيت مرتبطة بشخصية واحدة كانت تمسك بخيوطها الأساسية؟
الإجابة، على الأرجح، لن تُحسم عبر التصريحات الرسمية أو الخطابات السياسية، بل ستتضح ملامحها في تطورات المرحلة المقبلة، حيث ستختبر الأحداث قدرة هذه المنظومة على البقاء في غياب الرجل الذي شكّل مركزها لعقود.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام