07:59:55 2026-01-22 : اخر تحديث
12:15:36 2026-01-21 : نشر في
سعد عواد - شبكة الساعة
لم يعد إعلان أرقام السرطان في العراق خبرًا صادمًا، بل بات إجراءً سنويًا يَمرّ بهدوء، كأنه جزء طبيعي من الحياة. الأرقام تُعلن، تُسجَّل، ثم تُنسى، فيما يواصل المرض تمدده خارج البيانات، ليترك أثره الحقيقي في البيوت لا في الجداول.
في عام 2024، سجّل العراق رسميًا 46,390 إصابة جديدة بالسرطان، وفق بيانات وزارة الصحة، الرقم بحد ذاته صادم، لكنه يصبح أكثر خطورة حين يُقرأ ضمن مساره الزمني، 43,062 إصابة في 2023، و39,068 في 2022، خلال 3 سنوات فقط، أضيف أكثر من 7 آلاف مصاب جديد إلى سجل المرض، في منحنى تصاعدي لا يمكن تفسيره بزيادة الوعي أو تحسن التشخيص وحده، هذا التصاعد المنتظم يطرح سؤالًا أبعد من الطب: هل نحن أمام تحسن في الرصد، أم أمام توسع حقيقي في المرض؟
الوزارة، في أكثر من مناسبة، دافعت عن نفسها بالقول إن "نسب الإصابة في العراق لا تزال ضمن المعدلات العالمية المقبولة"، مستندة إلى أن "المعدل العالمي قد يصل في بعض الدول الصناعية إلى أكثر من 300 أو حتى 400 إصابة لكل 100 ألف نسمة، بينما يقف العراق عند حدود أقل من ذلك"، ورغم أن هذه المقارنة صحيحة حسابيًا، فإنها لا تفسّر وحدها عمق الأزمة التي يعيشها العراقيون.
لفهم ما يحدث فعليًا، لا بد من النزول من الرقم الوطني إلى الجغرافيا، خريطة الإصابات في العراق لا تتوزع بالتساوي، ففي بغداد، ترتفع الأعداد بحكم الكثافة السكانية وفي أربيل يسجل أعلى معدل إصابة نسبةً إلى السكان، وهو ما يفسَّر بتوفر مراكز تشخيص متقدمة تستقبل مرضى من محافظات أخرى لكن الصورة تصبح أكثر دلالة حين نقترب من مناطق النشاط النفطي والصناعي.
في البصرة، سُجلت رسميًا 3,495 إصابة جديدة خلال عام واحد غير أن نوابًا ومسؤولين محليين تحدثوا عن رقم مختلف تمامًا، مشيرين إلى عشرات الآلاف من الحالات المتراكمة، بعضها لم يُدرج ضمن الإحصاءات السنوية لأنه يمثل مرضى قيد العلاج أو حالات غير مسجلة رسميًا.
بدورها، ذهبت مفوضية حقوق الإنسان في البصرة إلى أبعد من ذلك، حين تحدث مدير مكتبها مهدي التميمي عن محافظة تعيش "إبادة بيئية بطيئة"، مؤكداً أن "نسب الخطر الصحي وصلت إلى 100% في بعض المناطق القريبة من الحقول النفطية".
أما في نينوى، فقد بلغ عدد الإصابات 3,234 حالة في عام واحد، أغلبها في مناطق تأثرت بحرائق آبار النفط التي أشعلها تنظيم "داعش" عام 2016، ولا تزال آثارها السامة تظهر على شكل سرطانات وتشوهات خلقية وأمراض تنفسية، وفي كركوك حيث تحاصر الحقول النفطية الأحياء السكنية، تصدر سرطان الرئة قائمة الإصابات في مؤشر يصعب فصله عن تلوث الهواء.
وفي صلاح الدين رغم تسجيلها الرقم الأدنى رسميًا، فإن قضاء بيجي وحده يقدم نموذجًا لمدينة دفعت ثمن مصفاة عملاقة تعمل منذ عقود دون تحديث بيئي، ما يثير شبهة أن انخفاض الأرقام لا يعكس انخفاض المرض، بل ضعف التشخيص.
هنا يظهر التناقض الأول بين الرواية الرسمية والروايات الأخرى، فالأرقام الحكومية تحصي المسجلين، بينما تشير شهادات محلية وحقوقية إلى أن الواقع الصحي أثقل بكثير مما تسمح به الجداول الرسمية.
حين تقول وزارة الصحة إن نسب الإصابة في العراق ضمن المعدلات العالمية، فهي تتحدث عن عدد الإصابات فقط، لا عن مصير المصابين، ففي الدول التي تسجل معدلات إصابة مرتفعة، يقابل ذلك نظام صحي متطور، كشف مبكر، أدوية حديثة، وعلاج طويل الأمد يسمح للمرضى بالعيش سنوات وربما الشفاء، أما في العراق المعادلة مختلفة تمامًا.
لجنة الصحة النيابية أقرت بوجود نقص حاد في مستلزمات العلاج، حيث أكدت عضو اللجنة، ثناء الزجراوي، أن "نسبة النقص في الأدوية والمستلزمات الطبية في مراكز القلب والأورام تصل إلى 80%"، موضحة أن "غياب التمويل وعدم إقرار جداول الموازنة انعكس مباشرة على قدرة هذه المراكز على تقديم العلاج".
هذا الاعتراف الرسمي ينسف المقارنة مع العالم من أساسها، فارتفاع معدلات الإصابة عالميًا لا يعني شيئًا إذا كانت نسب الوفيات منخفضة، بينما تتحول الإصابة في العراق، في كثير من الحالات، إلى حكم مؤجل بالموت.
هنا يكمن الفارق الحقيقي الذي تتجاهله الرواية الرسمية، المشكلة ليست فقط في عدد المصابين بالسرطان، بل في كيف يموت المصابون به.
في هذا السياق، لا يمكن فصل المرض عن مصدره فالعراق ثاني أكبر دولة في العالم حرقًا للغاز المصاحب بعد روسيا، هذا الحرق يطلق مواد مسرطنة، أبرزها البنزين، المصنّف علميًا مادة من الدرجة الأولى في التسبب بالسرطان، وأظهرت تحقيقات دولية أخذت عينات من الهواء ومن سوائل جسمية لأطفال يعيشون قرب الحقول النفطية في الجنوب مستويات تتجاوز الحدود الآمنة.
لكن الخطر لا يقتصر على الهواء، مع النفط تخرج مواد مشعة طبيعية تُعرف بــ "NORM"، يُفترض التعامل معها كنفايات خطرة، ولكن في العراق الوضع مختلف فقد أشارت تقارير محلية إلى رمي معدات ملوثة أو بيعها خردة في الأسواق، خصوصًا في البصرة والزبير، ما يعني انتقال الإشعاع إلى البيوت دون علم أصحابها.
كما أن المياه المصاحبة لاستخراج النفط، المحملة بالمعادن الثقيلة، قد تتسرب إلى التربة والمياه الجوفية، لتدخل السلسلة الغذائية وهكذا يصبح السرطان نتيجة محتملة للهواء والماء والغذاء معًا.
الشركات النفطية العالمية التي تلتزم في بلدانها بمعايير صارمة، تتعامل بمرونة لافتة في العراق الاستثمار البيئي يُؤجَّل والغرامات تُدفع لأنها أقل كلفة من المعالجة، الاعتراف الأخطر جاء من داخل الحكومة نفسها، حين أقر وزير البيئة العراقي الأسبق، جاسم الفلاحي بأن فرق وزارته مُنعت من دخول بعض الحقول النفطية لقياس التلوث هذا المنع لا يمكن تفسيره كخلل إداري عابر، بل كقرار لحجب البيانات وتأجيل المواجهة.
عند جمع هذه الخيوط، تتضح صورة الشراكة غير المعلنة شركات تقلل كلفة الالتزام البيئي، ودولة تغضّ الطرف عن المصدر، ثم تعجز عن علاج النتيجة والمواطن في النهاية هو الحلقة الأضعف، يتنفس التلوث، يشرب مياهاً مشكوكاً فيها، ويواجه مرضًا بنظام صحي عاجز.
السرطان في العراق لم يعد لغزًا طبيًا، بل نتيجة منطقية لمسار سياسي واقتصادي واضح وطالما بقي هذا المسار دون كسر، ستظل الأرقام الرسمية ترتفع، وستظل الأرقام غير الرسمية أعلى منها، وسيبقى النفط يخرج نظيفًا إلى الأسواق العالمية، محمّلًا بثمن لا يظهر في بيانات التصدير، بل في أجساد العراقيين.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على التليكرام2024-07-24 11:29:54
محامية عراقية ضمن حملة ترامب!
2024-07-24 11:25:30
الحكومة العراقية تنفي صلتها بصفحات "التطبيل"
2024-07-24 11:21:23
طائرات مسيرة تجوب سماء العاصمة بغداد وتقصف مخزن أسلحة يتبع فصيلا مسلحا
2024-07-24 11:17:27
اتهامات للسياسيين السنة بالمتاجرة بنازحيهم