كشف معهد "واشنطن ريبورت" الأمريكي لدراسات الشرق الأوسط، التحديات الكبيرة التي ستواجه الحكومة العراقية المقبلة، مشيرًا إلى أنّ الفساد المتجذّر، والقطاع العام المتضخم، والاعتماد شبه الكامل على أسعار النفط، تشكّل ثلاثية ضاغطة تقيد أي إصلاح محتمل

وذكر المعهد في تقرير ترجمته شبكة "الساعة"، أن "الحكومة المقبلة ستواجه ثلاثية ضاغطة: فساد متجذّر يوفر للأحزاب موارد ضخمة ويصعّب المساس بشبكات المحاصصة، قطاع عام متخم يلتهم الجزء الأكبر من الموازنة ويقيّد أي محاولة لإعادة الهيكلة، واعتماد شبه كامل على أسعار النفط في سوق عالمية لا يمكن التنبؤ بها".

 وأوضح "هذه الأضلاع الثلاثة، ستكون قدرة الحكومة الجديدة على التحرّك مرتبطة بمدى استعداد القوى السياسية للموافقة على قرارات مؤلمة شعبيًّا، مثل ضبط التعيينات وكبح الهدر، مقابل فتح مسار مختلف لبناء دولة خدمات ومؤسسات، لا دولة رواتب فقط".

وأضاف أن "صورة الحكومة العراقية المقبلة داخل معادلة معقّدة، ثلاثيّها الأساسي هو فساد متجذّر تحوّل إلى نمط حكم، وقطاع عام متخم بنحو 700 ألف وظيفة جديدة في سنوات قليلة، واقتصاد مرتهن لسعر نفط يجب أن يقترب من 90 دولارًا للبرميل كي تبقى الموازنة واقفة من دون عجز يتضخّم عامًا بعد آخر".

وأردف أن "هذه العناصر، كما يذهب التقرير، تجعل فرص أي حكومة جديدة في كسر الحلقة محدودة جدًّا، ما دامت خرجت من رحم الأحزاب نفسها التي صنعت هذا الواقع وتعتاش عليه".

ويرى المعهد أنّ "الفساد في العراق لم يعد حالة عابرة او انحرافًا فرديًّا، بل نمطًا راسخًا يسيّر عمل البيروقراطية الحكومية من أعلى الهرم إلى أسفله".

وأشار إلى أنّ "الأحزاب المهيمنة تتعامل مع الوزارات والهيئات بوصفها ممتلكات خاصة وليست مؤسسات خدمة عامة، تُستخدم إمّا لاختلاس الأموال مباشرة، او لتوزيع الوظائف والعقود على شبكات المؤيّدين والتابعين".

وبين أن "نتائج الانتخابات وتشكيلة الحكومة المقبلة لن تُحدِث تغييرًا حقيقيًّا في ملف الفساد، لأنّ القوى التي تتقاسم السلطة اليوم هي نفسها التي صاغت قواعد اللعبة بعد 2003، وتملك مصلحة في استمرارها كما هي، مع بعض التعديلات الشكلية عند الحاجة".

وتابع أنّ "بنية المحاصصة تجعل أي وزير او مسؤول أعلى مقيّدًا بشبكة حزبية أوسع منه، تحدّد خطوط ما يمكن وما لا يمكن المساس به داخل وزارته".

 وتوقف التقرير عند "موجة التوظيف الواسعة في القطاع الحكومي خلال السنوات الأخيرة، والتي يُقدَّر أنّها أضافت قرابة 700 ألف موظّف جديد إلى الجهاز الحكومي في فترة تولّي السوداني".

وزاد أن "هذه الزيادة رفعت إجمالي العاملين في القطاع العام إلى ما يناهز 4 ملايين موظّف، فضلًا عن مئات الآلاف العاملين في الشركات العامة المموّلة من الموازنة".

ويرى المعهد أنّ "هذا التوسّع، الذي استُخدم أداة لامتصاص الغضب الشعبي وتخفيف البطالة، تحوّل اليوم إلى عبء مالي ثقيل على أي حكومة مقبلة، لأنّ التراجع عنه عبر تقليص أعداد الموظفين يعني صدامًا مباشرًا مع قاعدة اجتماعية واسعة تعتمد بالكامل على رواتب الدولة".

وتشير القراءة الاقتصادية المرافقة للتقرير إلى أنّ "سياسة دولة الوظيفة جعلت باب الرواتب والأجور واحدًا من أكثر أبواب الإنفاق تضخّمًا، ليقترب في بعض التقديرات من نحو 40 % من إجمالي الإنفاق الحكومي، في حين تبقى موازنات الاستثمار والخدمات والبنى التحتية محدودة قياسًا بحجم الاحتياجات المتراكمة في العاصمة والمحافظات".

ويخلص التقرير إلى أنّ "الدولة، بهذه التركيبة، باتت تعمل بمنطق "دفع الرواتب أولًا، ثم التفكير بكل شيء آخر لاحقًا، مع ما يعنيه ذلك من اختناق مالي متكرّر عند أي هزّة في أسعار النفط".

في الخلفية، يقف ملف النفط كعامل حاسم في المعادلة، فالتقرير يشير إلى أنّ "سعر التعادل الذي تحتاجه الموازنة العراقية لتغطية التزاماتها من دون اللجوء إلى الاقتراض يقترب اليوم من 90 دولارًا للبرميل، بسبب تضخّم كتلة الرواتب والدعم وتزايد الإنفاق الجاري، إلى جانب محدودية الإيرادات غير النفطية، ومع الاتجاه العالمي لتقلّب الأسعار واحتمالات الهبوط".

وحذّر التقرير من أنّ "أي فترة مطوّلة من انخفاض الأسعار ستدفع الموازنة مباشرة نحو عجز أعمق، في ظل غياب إصلاحات جذرية تخفّف الاعتماد على النفط كمصدر شبه وحيد لتمويل الدولة".

وتسائل: "هل القوى التي استفادت لسنوات من هذا النموذج المالي – السياسي قادرة فعلًا على تفكيكه، ام أنّ الحكومات المقبلة ستكتفي بإدارة الأزمة وتأجيل الانفجار، بانتظار دورة نفطية جديدة، أو احتجاجات جديدة، تعيد طرح الأسئلة نفسها من نقطة الصفر؟".