بعد إعلان حزب العمال الكردستاني إنهاء العمل المسلح والتخلي عن سلاحه ما يزال الغموض يحيط بمستقبل سلاح الحزب وأتباعه في قضاء سنجار شمال غرب العراق.

وبدأ عناصر من حزب العمال الكردستاني يوم الجمعة الماضي تسليم أسلحتهم، في مراسم قرب السليمانية بإقليم كردستان العراق في خطوة رمزية لكنها مهمة في النزاع الممتد منذ عقود بين تركيا والجماعة المحظورة.

وتشير مراسم نزع السلاح إلى انتقال حزب العمال الكردستاني من التمرد المسلح إلى السياسة الديمقراطية، في إطار جهود أوسع لإنهاء أحد أطول الصراعات في المنطقة، الذي خلّف أكثر من 40 ألف قتيل منذ 1984.

بالتزامن مع ذلك، شدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، إن بلاده تهدف لاقتلاع الإرهاب من المنطقة بشكل دائم، على حد تعبيره.

وأضاف أردوغان بحسب بيان الرئاسة التركية: أن "بلاده ستواصل اتخاذ الخطوات اللازمة في هذا الخصوص، وستواصل التأهب ضد من يحاولون تقويض هذا المسار".

وكان الحزب، الذي أسسه عبد الله أوجلان في نهاية سبعينيات القرن المنصرم، أعلن يوم 12 مايو/أيار الماضي حل نفسه وإلقاء السلاح، منهيا بذلك نزاعا تسبب لفترة طويلة في توتر علاقات السلطات التركية مع الأقلية الكردية والدول المجاورة.

وجاء ذلك تلبية لدعوة أطلقها أوجلان يوم 27 فبراير/شباط الماضي من سجنه في جزيرة إيمرالي قبالة إسطنبول، وعقب ذلك وتحديدا في الأول من مارس/آذار الماضي، أعلن الحزب الذي تصنفه أنقرة وحلفاؤها الغربيون منظمة إرهابية وقف إطلاق النار.

ولم يصدر عن حزب العمال الكردستاني الذي يفرض نفوذا واسعا في قضاء سنجار أو الجهات المسلحة التابعة له أي إعلان بشأن إلقاء السلاح أو التفكير في التخلي عنه مستقبلا، فيما يواصل مقاتلو الحزب والمسلحون الموالون له فرض سيطرتهم على أجزاء واسعة من القضاء الذي لم يشهد استقرار أمنيا منذ العام 2014 عندما سيطر عليه تنظيم "داعش" ثم فرض حزب العمال سيطرته عليه في العام 2015، وما تزال تلك السيطرة قائمة لغاية اليوم رغم تواجد القوات العراقية التي توصف سيطرتها على القضاء بالشكلية.

وبسبب نفوذ العمال الكردستاني "بي كا كا" والفصائل الموالية له من الميليشيات الإيزيدية وفي مقدمتها قوات حماية سنجار "اليبشة" لم يشهد القضاء أي عمليات إعمار كما لم يعد النازحون إلى القضاء سواء من المكون الإيزيدي أو العربي بسبب النفوذ المسلح في سنجار.

ويتبع قضاء سنجار إداريا لمحافظة نينوى ويشكل ثاني أبرز المناطق المتنازع عليها بين حكومتي المركز في بغداد وإقليم كردستان بعد محافظة كركوك.

رئيس كتلة الحزب الديمقراطي الكردستاني في مجلس محافظة نينوى أحمد الكيكي أكد أن قضاء سنجار ما يزال يخضع لنفوذ حزب العمال والفصائل المسلحة التابعة له، مشددا على ضرورة عودة القضاء إلى سلطة الدولة بالتزامن مع إعلان الحزب التخلي عن سلاحه.

وقال الكيكي في تصريح لشبكة "الساعة": إن "حزب العمال الكردستاني أعلن عن إنهاء عمله المسلح وتسليم سلاحه في تركيا ومؤخرا في السليمانية أيضا قام بحرق أسلحة في مؤشر على تسليمها والتخلي عنها، ولكن في قضاء سنجار لم نرَ أي شيء ملموس لتخلي الحزب وأتباعه عن السلاح".

وأضاف الكيكي: أن "حزب العمال في سنجار والفصائل المسلحة التي على شاكلته أو التابعة له لم تستجب لأي دعوة بشأن التخلي عن السلاح"، مبينا أن القضاء بحاجة ماسة إلى العودة إلى سلطة الدولة العراقية وألا يبقى بيد الجماعات والفصائل الخارجة عن القانون ولا سيما حزب العمال الذي يعد منظمة محظورة في العراق فضلا عن ذلك أنها منظمة أجنبية وليست عراقية.

ولفت الكيكي إلى أن إعادة الاستقرار في سنجار مرهون بتنفيذ اتفاق سنجار الذي تم توقيعه بين حكومتي بغداد وأربيل ولكنه لم يطبق رغم مرور 5 سنوات على توقيعه، مشيرا إلى أن البدء بإعمار القضاء وتعويض المتضررين وإعادة النازحين لن يتم إلا بعد إنهاء المظاهر المسلحة من القضاء وفرض سلطة الدولة هناك.

وإلى جانب نفوذ حزب العمال الكردستاني المباشر وقيامه بتجنيد مئات المقاتلين من سكان سنجار الإيزديين والعرب، فإن الحزب يفرض نفوذا غير مباشر في سنجار عبر قوات حماية سنجار (اليبشة) التي تتبع فكريا وعقائديا لـ (بي كا كا) ولكنها إداريا تتبع للحشد الشعبي إذ تعمل كـ لواء ضمن هيئة الحشد الشعبي ويتلقى مقاتلوها العراقيون رواتبهم وأسلحتهم وآلياتهم من الدولة العراقية.

وفي وقت سابق، أكد عضو مجلس النواب عن قضاء سنجار محما خليل ضرورة إنهاء ارتباط الجهات العراقية بحزب العمال الكردستاني وفي مقدمة تلك الجهات قوات حماية سنجار "اليبشة" وإخضاعها لسلطة الدولة العراقية وإخراج جميع المقاتلين الأجانب من القضاء.

وقال خليل في تصريح لشبكة "الساعة": إن "قرار الحزب التخلي عن العمل المسلح يشكل بادرة أمل وخطوة إيجابية لتحقيق الاستقرار في عموم المنطقة سواء في تركيا وسوريا والعراق وكذلك الحال في قضاء سنجار"، مشيرا إلى أن "قوات اليبشة كانت إلى الأمس القريب موالية لحزب العمال وبعد قرار الحزب الأخير يفترض على حكومة بغداد فرض سيطرتها على تلك الوحدات وإنهاء ارتباطها بحزب العمال".

وأوضح أن "عدم استغلال حزب العمال لوحدات حماية سنجار في المستقبل مرهون بإجراءات الحكومة الاتحادية والتي من خلالها يجب إخراج المسلحين الأجانب في الحزب من القضاء وكذلك إيجاد التكييف القانوني للمقاتلين العراقيين ودمجهم رسميا في أجهزة الدولة العراقية وضمان عدم ملاحقتهم قانونيا وذلك لضمان فك ارتباطهم بالكامل بالحزب والتحاقهم بالدولة العراقية ومؤسساتها العسكرية".

وأضاف خليل: أن "التغييرات التي طرأت على الشرق الأوسط دفعت حزب العمال لتغيير نهجه واللجوء إلى العمل السياسي، ولذلك يجب على الجهات العراقية التعامل مع هذه المتغيرات وإنهاء الوجود المسلح لحزب العمال في سنجار وضمان التحاق المقاتلين العراقيين في وحدات حماية سنجار ضمن قوات الحشد الشعبي مع منح حق العمل السياسي لجميع الجهات في سنجار كون ذلك لا يؤثر على سيادة الدولة العراقية كما لا يتعارض مع الدستور العراقي".

ويرى الباحث في الشأن السياسي العراقي غانم العابد أنه من المبكر الحديث عن تفكيك سلاح حزب العمال وتسليمه بشكل كامل ولا سيما في قضاء سنجار، فيما توقع أن يرفض أغلب مقاتلي الحزب في القضاء الاستجابة لدعوة إلقاء السلاح.

وقال العابد في تصريح لشبكة "الساعة": إن "موضوع إنهاء العمل المسلح لحزب العمال ما يزال في بدايته، ورغم قيام مقاتلي الحزب بحرق عدد من أسلحته كبادرة رمزية لكنها تمثل خطوة من الحزب لطرق باب تركيا للتقدم بخطوات نحو الحزب".

ولفت العابد إلى أن "ما يؤكد أنه من المبكر الحديث عن إنهاء هذا الملف هو قيام الطائرات التركية قبل يومين بقصف مواقع لحزب العمال شمالي محافظة دهوك".

وتوقع أن "غالبية مقاتلي الحزب لن يلتزموا بدعوة زعيمهم عبد الله أوجلان بإلقاء السلاح ولا سيما في سنجار"، مبينا أن "قوات (بي كا كا) و (اليبشة) أقامت مناطق نفوذ لها في سنجار الحدودية، وتمكنوا من الحصول على ملايين الدولارات عبر أنشطتهم غير المشروعة كتهريب المقاتلين والسلاح والمخدرات عبر الحدود العراقية – السورية".

ونوه إلى أن "هؤلاء المقاتلين الذين سيرفضون التخلي عن سلاحهم سيحاولون تشكيل قيادات بديلة وتشكيل فصائل جديدة تعمل في سنجار أو العمل على الاندماج مع الفصائل المسلحة العراقية المتنفذة في القضاء".

وتابع العابد: أن "المنطقة بصورة عامة محتقنه والمشاكل الداخلية في سوريا ما تزال كبيرة كما أن العراق يشهد حالة من الاحتقان السياسي إلى جانب الحرب الإيرانية – الإسرائيلية والتصعيد الإيراني – الأمريكي، تمثل كلها عوامل تعيق تنفيذ مبادرة حل حزب العمال والتخلي عن سلاحه في الفترة القريبة المقبلة".