في مثل هذا اليوم من العام 2017، أعلن رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي عن تحرير الموصل من سيطرة تنظيم "داعش"، ورغم هزيمة التنظيم الذي يوصف بأنه أعتى قوة إرهابية عرفها العالم، إلا أن الكثير من السكان في الموصل يستقبلون هذه الذكرى بالحزن والألم بسبب حجم الكارثة التي حلت بالمدينة من الدمار والخراب ومقتل آلاف المدنيين جراء الحرب.

وأصدر ائتلاف النصر بزعامة العبادي بيانا استذكر فيه النصر الذي تحقق بتحرير الموصل، والذي كان تتويجاً للوحدة الوطنية وهمة الشعب وللإدارة المسؤولة عن الحكم.

وقال الائتلاف في بيان: إنه "إرادة الشعب العراقي انتصرت في مثل هذا اليوم على الظلام الداعشي، وهزم الإرهاب الأسود في مدينة الموصل الحدباء، حين سطّر أبناء العراق، وكل الغيارى من أبناء الوطن، ملحمة بطولية مجللة بالكرامة والكبرياء والسيادة".

وأضاف أن "ذكرى تحرير الموصل ليست فقط محطة وطنية كبرى، بل ملحمة عراقية تاريخية كسب بها العراق التحدي الوجودي للحياة والدولة والمستقبل، وهي مناسبة لتجديد العهد بنبذ الإرهاب والعنف الأعمى، وبنفي الفساد والفوضى اللتان قادتا إلى الهزيمة".

ودعا البيان جميع القوى الوطنية العراقية، بضرورة وحدة الصف قبال التحديات الراهنة، وجعل مصالح الشعب وقوة الدولة هي البوصلة، فلا استقرار ولا أمن ولا تنمية ولا سيادة مع الانقسام، والتنازع، والفساد، والفوضى.

نينوى تنهض من جديد

محافظ نينوى عبد القادر الدخيل أكد أن الموصل اليوم وبعد هذه السنوات العجاف تتطلع للعودة إلى الحياة، بل إنها بدأت بالعودة وبقوة بعد النجاح الذي تحقق على مستوى الإعمار وملف الخدمات.

وقال الدخيل في تصريح لشبكة "الساعة": إن "نينوى عادت لتقف من جديد واليوم تشهد نهضة وثورة عمرانية كبيرة في مختلف المجالات، والكثير من المشاريع الاستراتيجية تم انجازها والبعض الآخر قيد الانجاز"، وأشار إلى أن "معاناة الموصل لم تبدأ منذ احتلالها عام 2014، ولكن كانت في الفترة التي قبلها حيث كانت تخضع لسيطرة داعش وقبلها القاعدة وكان القتل والابتزاز في كل مكان".

وتابع الدخيل: أن "الموصل واجهت بعد التحرير جملة من التحديات أبرزها إعادة ثقة المواطنين بالدولة، والأجهزة الأمنية وهو ما تحقق بشكل كبير وسريع وهو ما يعد نصرا كبيرا بحد ذاته، كما أن التحديات الاخرى تمثلت بالدمار الكبير حيث خرجت جميع منشئات ومؤسسات الدولة عن الخدمة وبلغت نسبة الدمار أكثر من 80% من المدينة، ولكن تم تجاوز تلك المشاكل بشكل تدريجي".

 ولفت إلى أن "نينوى تعمل على ملف التعويضات وإعمار الموصل القديمة من خلال البدء بمشروع الواجهة النهرية، إضافة إلى اقتراب اكمال مطار الموصل وافتتاحه والعمل على إعادة المؤسسات الصحية من أجل الوصول إلى مستشفيات تضم أكثر من 6 آلاف سرير في العام المقبل".

الساعدي للساعة: نفتخر بعودة موصلنا لحضن الوطن

وفي ذكرى تحرير الموصل قال القائد السابق لجهاز مكافحة الإرهاب عبد الوهاب الساعدي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الموصل عزيزة على كل العراقيين ونفخر كعراقيين اجمع بعودتها إلى حضن الوطن بفضل الدماء التي بذلت على أرضها من المدنيين والعسكريين".

وأضاف الساعدي في رسالة موجهة لأهالي الموصل: أن "عليهم الحفاظ على هذا النصر وأن لا يسنوا دماء الشهداء الذين سقطوا من المدنيين والعسكريين وأن تبقى علاقتهم قوية بالأجهزة الأمنية لتجنب تكرار الكارثة التي حصلت".

ويستذكر الكثير من أهالي الموصل بفخر هذه المناسبة بسبب انتهاء سيطرة "داعش" على المدينة والذي استمر 3 سنوات تعرض فيها الأهالي إلى شتى طرق القتل والتسلط إلى جانب الخوف والفقر وتوقف مفاصل الحياة الاقتصادية والخدمية طيلة تلك السنوات.

فاتورة الحرب الثقيلة

لكن بالمقابل تشكل هذه الذكرى للكثير من السكان نكبة حقيقية لما فقدوه من ذويهم وأقاربهم جراء الحرب.

وتشير التقارير إلى أن الموصل خسرت خلال حقبة تنظيم "داعش" والعمليات العسكرية نحو 40 ألف مدني، قضوا جراء القصف الجوي الذي نفذته طائرات التحالف الدولي وقصف القوات العراقية، فضلا عن الذين قضوا بيد التنظيم.

ورصدت شبكة الساعة العديد من شهادات الأهالي الذين فجعوا جراء العمليات العسكرية، محمد عدنان السنجري أحد هؤلاء الأشخاص، إذ فقد محمد 28 شخصا من عائلته بسبب ضربة جوية للتحالف الدولي استهدف منزلهم في منطقة موصل الجديدة بالجانب الأيمن من المدينة.

يقول محمد عدنان: إن "ذكرى تحرير الموصل تحولت إلى ذكرى أليمة يستذكر فيها فقدان أفراد عائلته"، وبين أن "حالته ماهي إلا واحدة من بين آلاف الحالات التي سجلتها الموصل".

وأشار إلى أن "الكثير من العائلات كانت تتجمع في منزل واحد يرونه مناسبا وآمنا، وبين أن القصف الأمريكي خلال المعركة كان الأكثر ضررا على المدنيين فبذريعة وجود 3 مسلحين أو 4 من داعش يتم استهداف محلة كاملة تضم نحو 50 منزلا أو أكثر وفي كل منزل يوجد عشرات الأشخاص المدنيين".

أما زياد طارق من سكنة منطقة الشهوان في الموصل القديمة، فيتحدث عن فقدان 5 أشخاص من عائلته بسبب قصف جوي أيضا.

يقول زياد طارق إن "منزلهم تعرض للتدمير جراء القصف ومن نجا من العائلة يسكنون حاليا في منزل إيجار قرب المنزل القديم المدمر والذي لم ترفع الأنقاض منه لغاية الآن".

وأشار إلى أن "الكثير من الأهالي غير قادرين على العودة إلى المدينة القديمة إما بسبب دمار منازلهم وعدم قدرتهم على إعمارها، وإما بسبب وجود الكثير من المخلفات الحربية والجثث تحت أنقاض المباني المدمرة".

ومن أبرز الملاحظات التي تسجل في الموصل بعد استعادة السيطرة عليها، هو تحولها إلى منطقة نفوذ للفصائل المسلحة، فضلا عن غياب تمثيلها السياسي وهيمنة قوى سياسية شيعية عليها بعد أن كانت تمثل الثقل الأكبر للقوى السنية بعد العاصمة بغداد.

الموصل من هيمنة "داعش" إلى نفوذ الفصائل

ويؤكد مدير مركز رصد للدراسات محمد غصوب أن الموصل وبعد تحريرها من قبضة "داعش" تحولت إلى منطقة نفوذ وهيمنة للفصائل المسلحة والأحزاب التي تدعم تلك الفصائل.

وقال غصوب في تصريح لشبكة "الساعة": إن "الفرق الواضح ما قبل تحرير الموصل وبعدها هو تحسن أداء الأجهزة الأمنية الرسمية من الجيش والشرطة وبعض الحشود، إضافة إلى زوال عمليات القتل والاغتيال والتفجيرات التي كانت تنفذ قبل العام 2014 ويقف ورائها تنظيم داعش وقبله القاعدة".

 وأضاف أن "الفرق الآخر الواضح هو تحسن العلاقة بين المواطنين وأجهزة الأمن، بعد أن كانت قبل العام 2014 معدومة بسبب التعامل الطائفي لبعض القادة العسكريين مع أهالي الموصل".

وأشار إلى أن "نينوى بعد التحرير فقدت بوصلتها السياسية، وخضعت لنفوذ الفصائل المسلحة والقوى السياسية التي تدعم تلك الفصائل، وسط عجز كامل من الحكومة الاتحادية على إنهاء هذا النفوذ، وبين أن الدلائل على هيمنة ونفوذ تلك الفصائل كثيرة ومنها منعها البناء على أراضي المواطنين في محيط الموصل ومنعها تنفيذ مشروع حكومي وهو مشروع توسعة المدينة باتجاه شرقها بسبب رفض أحد الفصائل المسلحة (لواء الشبك)، وكذلك عودة ظاهرة الابتزاز التي تمارسها تلك الفصائل بحق أصحاب رؤوس الأموال والمستثمرين والصناعيين وغيرهم، فضلا عن أنشطة المكاتب الاقتصادية للفصائل".