في تصعيد مفاجئ يعكس انتقال إيران من التهديد إلى التنفيذ، صوّت البرلمان الإيراني، اليوم الأحد، على قرار يتيح للحكومة إغلاق مضيق هرمز، في أول رد رسمي على الضربات الأمريكية التي استهدفت 3 منشآت نووية إيرانية.

ويعيد هذا القرار المخاوف إلى الواجهة بشأن أمن الملاحة العالمية، وأسعار النفط، ومستقبل الاقتصاد العراقي الذي يعتمد بنسبة تفوق 95% على صادرات تمر عبر هذا المضيق الحيوي.

فهل بدأ الرد الإيراني؟ وهل سيكون العراق أول من يدفع الثمن؟ التقرير التالي يرصد خفايا القرار وتأثيراته المحتملة.

وفجر اليوم الأحد، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توجيه ضربة تاريخية وناجحة استهدفت 3 منشآت نووية إيرانية، فيما أكد عقب الضربة أن وقت السلام قد حان.

وهددت إيران مرارا بخطوات تصعيدية في حال تعرضت لهجوم عسكري أمريكي، وأكدت أن خياراتها للرد ستكون مفتوحة وفي مقدمتها استهداف القواعد العسكرية والمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، فيما أشارت إلى أن إغلاق مضيق هرمز سيكون من بين خياراتها للرد.

وأكد مسؤولون إيرانيون امتلاك إيران خيارات متعددة للرد على أي هجوم أمريكي، من ضمنها منع الملاحة في مضيق هرمز، وشددوا على أن طهران تتصرّف بناءً على تطورات المشهد، وستستخدم أدوات الضغط حين تقتضي الحاجة.

ماهو مضيق هرمز؟

ومضيق هرمز هو ممر مائي ضيق يربط الخليج العربي بخليج عمان وبحر العرب وفي أضيق نقاطه يبلغ عرض المضيق حوالي 21 ميلاً، ويضم مسارين ملاحيين بعرض ميلين لكل اتجاه.

يُشرف المضيق على نقل حوالي 26% من تجارة النفط العالمية، ما يجعله أحد أهم الممرات البحرية من الناحية الاستراتيجية في العالم، وتشير الوكالة الدولية للطاقة إلى أن أي اضطراب في تدفق النفط عبر المضيق ستكون له عواقب كبيرة على أسواق النفط العالمية.

تضرر العراق بغلق المضيق

ويبدو أن العراق سيكون في مقدمة المتضررين من غلق إيران لمضيق هرمز، لا سيما وأن الجزء الأكبر من صادراته النفطية تمر عبر هذا المضيق، في حين تمول الصادرات النفطية أكثر من 95% من الموازنة العراقية.

وفي شهر نيسان الماضي صدر العراق أكثر من 100 مليون برميل، من بينها أكثر من 99 مليون برميل عبر الخليج العربي ومضيق هرمز، اما نفط كركوك الى الأردن ومن حقل القيارة فيبلغ حوالي مليون برميل خلال نيسان فقط، وهذا يعني أن العراق سيفقد ايراداته النفطية بشكل شبه كامل.

وحذّر وزيرُ الخارجية العراقي فؤاد حسين من فقدان الأسواق العالمية، 5 ملايين برميل من النفط يومياً بإغلاق مضيق هرمز من قبل الجانب الإيراني بسبب التصعيد العسكري.

إيران المتضرر الأكبر

لكن إيران ستكون المتضرر الأكبر من إغلاق المضيق، على اعتبار أن أغلب صادراتها النفطية والتجارية تمر عبر هرمز، وهو ما يجعل من موضوع إغلاق المضيق تلويحا وتهديدا إعلاميا فقط من أجل منع اشتراك الولايات المتحدة في الحرب.

ويؤكد مدير المركز العراقي للدراسات غازي فيصل أن الجانب الإيراني سيكون المتضرر الأكبر في حال تم إغلاق مضيق هرمز.

وقال فيصل في حديث لشبكة "الساعة": إن "تلويح الجانب الإيراني بغلق المضيق طرح أوقات سابقة لاسيما في وقت الأزمات ومنها خلال الحرب العراقية – الإيرانية".

وأضاف فيصل: أن "العديد من الدول ستكون متضررة جراء إغلاقه ولكن إيران ستكون الأكثر ضررا، فحليفتها الصين تستورد يوميا عبر هرمز 5.2 مليون برميل من النفط وأغلب الصادرات والواردات الإيرانية تمر عبر هذا المضيق"، فيما استبعد لجوء إيران إلى غلق المضيق.

استبعاد لخطوة منع الملاحة في هرمز

ويتفق مع ذلك الخبير الاقتصادي والسياسي غالب الدعمي، الذي رجح عدم ذهاب طهران باتجاه غلق المضيق بسبب ما ستواجهه من ضغوط دولية من جهة وبسبب ما ستتعرض له من خسائر كبيرة من جهة أخرى.

وقال الدعمي في حديث لشبكة "الساعة": إن "غلق المضيق سيشكل كارثة اقتصادية للعديد من الدول، ويهدد حركة التجارة العالمية، لاسيما في دول آسيا وشرقها كالصين واليابان وكوريا والهند، في حين سيكون تأثيرها على الدول الأوروبية ليس بالكبير".

وأضاف: أن "دول الخليج ستكون متأثرة بشكل كبير جراء هذا الغلق وفي مقدمة البلدان المتأثرة ستكون العراق والبحرين، إلى جانب إيران"، وبين أن دول الخليج العربي تمتلك البدائل للصادرات على اعتبار أن لها موانئ على البحر الأحمر كالسعودية وبحر العرب كالإمارات وعمان".

ولفت الدعمي إلى أن "وقف الملاحة في هرمز سيعرض إيران إلى مشاكل كبيرة لأن أغلب تجارتها تمر عبر الخليج العربي"، مبينا أن "الضغوط الدولية التي ستواجه إيران وكذلك خسائرها جراء غلق المضيق يجعل من موضوع إغلاقه أمرا مستبعدا".

إغلاق مؤقت في أشد المواقف

وفي حال نفذت طهران وعيدها بشأن إغلاق المضيق فإن فترة الغلق لن تكون طويلة كما يتوقع الخبير والباحث في الشأن الاستراتيجي فراس إلياس.

وقال إلياس في تدوينة عبر منصة "فيسبوك" وتابعتها شبكة "الساعة": إن إيران لا تستطيع غلق مضيق هرمز لفترة طويلة، ولذلك للأسباب التالية:

1 - يمثل مضيق هرمز أحد أهم ممرات الطاقة العالمية، حيث يمر ما يقرب من ثلثي إمدادات الطاقة عبر هذا المضيق، ما يجعل عملية غلقه ذات تأثير كبير على الأمن الطاقوي العالمي.

2 - تعتبر القوات البحرية التابعة للحرس الثوري هي المسؤولة بشكل مباشر عن مضيق هرمز، وتمتلك خمس قواعد بحرية تنتشر على طول مياه الخليج باتجاه بحر العرب وبحر عمان.

3 - منذ عام 2007 قامت إيران بإجراء تعديل على استراتيجيتها البحرية لكي تتوائم مع العقيدة القتاليّة للحرس الثوري، بحيث وضعت خمس مصدات قتالية فيما لو قررت غلق مضيق هرمز بأي لحظة، أو تعرضت لهجوم بري من جهة مياه الخليج.

4 - تتوزع مصدات الدفاع القتالي للحرس الثوري على الالغام البحرية والزوارق المفخخة والطائرات المسيرة الإنتحارية وصواريخ الدفاع الساحلي كروز.

5 - أغلب هذه القدرات هي استنزافية وليست لغرض المواجهة، كما ان الفرقاطات البحرية والغواصات التي تمتلكها إيران غير قادرة على المناورة والمواجهة بسبب الفارق الكبير بينها وبين البحرية الأمريكية، ما جعل إيران تنقل أغلبها لمياه بحر قزوين.

6 - طورت إيران فرقة خاصة للعمليات الخاصة البحرية وهي فرقة (أبا عبد الله الحسين للعمليات الخاصة)، وهي تختص بتنفيذ مهمات الإنزال والمطاردة والسيطرة على السفن التابعة للأعداء، ونجحت هذه الفرقة بالاستيلاء سفينة سيتا أمبيرو البريطانية في عام ٢٠١٩، كما تختص هذه الفرقة بمهام التفخيخ وتفجير السفن المعادية.

7 - رغم القدرات البحرية التي تمتلكها إيران فإنها عمليا لا تستطيع غلق مضيق هرمز لأكثر من أسبوع في أفضل الأحوال، خصوصاً إذا ما تم تدمير القواعد البحرية وقطع طرق الإمداد البحري.

8 - بموجب اتفاقية أعالي البحار الصادرة عن الأمم المتحدة في عام 1982 والتي تنص على حرية وسلامة وأمن الملاحة في مضيق هرمز، فإن غلق هذا المضيق سيجعل العالم يتحد ضد إيران، وذلك نظراً للأضرار الكبيرة التي قد تصيب الاقتصادات العالمية من جراء غلق المضيق.

خيارات بديلة

فيما أكد وزير النفط العراقي حيان عبد الغني أن الحركة النفطية بالتصدير مستقرة حتى الآن، لكن في حال إغلاق مضيق هرمز فهناك بدائل للتصدير تعمل عليها وزارة النفط.

وعلى الرغم من ضعف خيار لجوء إيران لغلق مضيق هرمز، أطلق مختصون دعوات للسلطات العراقية لاتخاذ إجراءات احترازية للتعامل مع أي طارئ في حال إغلاق المضيق.

واقترح الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي "تعويم" النفط العراقي في البحر تحسباً لإغلاق مضيق هرمز.

وقال المرسومي في تدوينة عبر منصة "فيسبوك" وطالعتها شبكة "الساعة" إنه "يفترض أن يتحسب العراق لاحتمالات غلق منافذ تصدير النفط من خلال البحر نتيجة لإغلاق مضيق هرمز حتى ولو كان هذا الاحتمال ضعيفاً".

واقترح المرسومي أن "يفعل (العراق) كما تفعل السعودية التي تحتفظ بمخزون نفطي عائم مقداره 155 مليون برميل، وكما تفعل إيران التي تحتفظ حالياً بمخزون عائم في الناقلات قرب سنغافورة وماليزيا مقداره 120 مليون برميل، وبما يعادل صادرات إيران لمدة شهرين".

الانتحار الاقتصادي الإيراني

وتزامناً مع طرح طهران خيار إغلاق المضيق، ارتفعت أسعار خام برنت، خلال الأيام الماضية، لتقترب من 79 دولارا للبرميل قبل أن تتراجع إلى 77.5 دولارا، ويشير المحللون إلى أن أي إغلاق مؤقت للمضيق قد يؤدي إلى صعود الأسعار بين 8.25 و31.25 دولارا للبرميل، وفي حال استمر الإغلاق لفترات أطول قد يتجاوز سعر الخام 100 دولار وصولاً إلى نطاق 150 دولارًا للبرميل.

وإلى جانب حتمية المواجهة مع القوات الأمريكية في الخليج، ستدفع إيران ثمن الإغلاق على المستوى الاقتصادي أيضاً، مع اعتماد حوالي 65% من إيراداتها الحكومية وما يقارب 8% من ناتجها المحلي على تدفق النفط عبر المضيق.

ويصف خبراء الخيار الإيراني بإغلاق المضيق بـالانتحار الاقتصادي، إلا أنه قد يكون أمامها خيار استخدام خط أنابيب قورة-جاسك للتعويض بشكل جزئي إذ يقدر بأنه قادر على نقل حول مليون برميل يومياً، ما يعادل نصف ما تضخه إيران إلى السوق في الوقت الحالي بسبب العقوبات.

كيف ستغلق إيران مضيق هرمز؟

وفي حال قررت إيران إغلاق المضيق فإنها ستتوجه غالباً، حسب صحيفة نيويورك تايمز، إلى تلغيم المضيق أو زرع ألغام بحرية، حسبما نقلته عن مسؤولين أمريكيين.

وحسب التقديرات، تملك إيران حوالي 6000 لغم بحري وبإمكانها نشر المئات منها بوتيرة يومية، ما من شأنه ليس فقط شل الملاحة فورياً إلا أنه سيصعب المهمة على القوات الأمريكية لتأمين المضيق، وإلى جانب الألغام، تملك إيران أنظمة صواريخ مضادة للسفن مثل خليج "فارس"، وغواصات صغيرة، وزوارق سريعة مسلحة، وطائرات مسيرة مثل شاهد الانتحارية.