إلى أزمة جديدة تتجه العلاقة بين الحكومة العراقية وإقليم كردستان بعد قرار بغداد وقف تمويل رواتب موظفي الإقليم، والذي يأتي بعد أسبوع واحد من تفجر الخلاف بين المركز والإقليم على خلفية العقود التي أبرمتها حكومة أربيل مع شركات أمريكية لاستثمار وإنتاج الغاز دون موافقة بغداد.
وأبلغت وزيرة المالية طيف سامي حكومة الإقليم بتعذّر استمرار الوزارة في تمويل الرواتب، مرجعة ذلك إلى تجاوز كردستان الحصة المقررة لها ضمن قانون الموازنة الاتحادية والبالغة 12.67%.
وفي بيان لاحق للوزارة صدر أمس الخميس، أكدت وزيرة المالية أن حكومة الإقليم لم تلتزم بتسليم الإيرادات النفطية وغير النفطية للحكومة الاتحادية، وأن امتناع الإقليم عن تسليم الإيرادات أدى إلى تجاوز حصته المحددة في الموازنة، مشيرة إلى أن حكومة الإقليم لم تلتزم بتوطين الرواتب، ورأت أن عدم التزامها بتسليم النفط لشركة سومو تسبب في خسارة الخزينة العامة تريليونات الدنانير.
وكما هو معتاد مع اندلاع فتيل الأزمة بين بغداد وأربيل، يرى كل طرف قانونية ودستورية موقفه تجاه الآخر، وهذه المرة ترى بغداد أن أربيل تسلمت كامل حصتها من الموازنة على اعتبار أن الأخيرة لم تسلم ما يفترض تسليمه من إيرادات للمركز، ما ترتب عليه احتساب تلك الإيرادات غير المسلمة كجزء من الموازنة التي اقتطعتها بغداد من حصة أربيل.
في حين يرى إقليم كردستان أن موقف بغداد لا يتجاوز كونه موقفا سياسيا لمعاقبة الإقليم وشعبه في ملف الرواتب، وأن قرار القطع جاء نتيجة ضغوط سياسية داخلية وكذلك خارجية من الجانب الإيراني بسبب عقود الإقليم مع الولايات المتحدة لاستثمار الغاز والتي من شأنها إنهاء اعتماد العراق على الغاز الإيراني مستقبلا.
وكان رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني وقع في واشنطن الأسبوع الماضي عقوداً نفطية جديدة مع شركات نفط أميركية، لكن الحكومة العراقية عبَّرت عن رفضها مثل هذا الإجراء المخالف للدستور.
وأعلنت وزارة النفط في بغداد بطلان هذه العقود استناداً إلى الدستور العراقي وقرارات المحكمة الاتحادية، مؤكدةً أن استثمار الثروات النفطية يجب أن يمر عبر الحكومة الاتحادية.
ولم تكتف بغداد بالتصريحات الرافضة، بل رفعت وزارة النفط الاتحادية دعوى قضائية أمام المحكمة التجارية في الكرخ ضد حكومة الإقليم لإبرامها هذه العقود.
الديمقراطي يهدد بخطوات تصعيدية
وتصاعدت ردود الفعل الغاضبة من جانب الإقليم، إذ ندد الحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم بزعامة مسعود البارزاني بالقرار، ولوح بإجراءات تصعيدية إذا لم تسلم بغداد رواتب موظفي الإقليم قبل عيد الأضحى.
وقال الحزب الديمقراطي في بيان ورد لشبكة "الساعة": إن "بغداد لا تزال مستمرة في انتهاك الحقوق الدستورية لإقليم كردستان، وآخر تلك الانتهاكات يتمثل في كتاب وزارة المالية الذي يتعارض مع الدستور وأسس الاتفاق السياسي لتشكيل الحكومة، ويُعد استغلالاً سياسياً لقوت المواطنين"، مؤكداً أن "هذا الموضوع سيكون محوراً رئيسياً في اجتماع لجنتنا المركزية، المقرر عقده في الثاني من يونيو/حزيران 2025، لمناقشته واتخاذ الموقف المناسب حياله".
وهدد الحزب بأنه في حال عدم إرسال مستحقات وحقوق شعب الإقليم قبل عيد الأضحى، فإنه سيتخذ موقفاً حازماً حيال ذلك.
تلويح بالانسحاب ومقاطعة بغداد
من جانبه لوح نائب رئيس مجلس النواب العراقي شاخوان عبد الله، وهو قيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني بمقاطعة بغداد والانسحاب من العملية السياسية لإفقادها الشرعية الدولية.
وقال عبد الله في بيان: "طالبنا مراراً باتخاذ قرار بالانسحاب أو مقاطعة بغداد"، مشيراً إلى أن "الوقت قد حان لذلك".
وأضاف أنه "وبعد نقاش طويل مع رؤساء الكتل الكردستانية في مجلس النواب العراقي بشأن عدم إرسال رواتب موظفي إقليم كردستان من قبل الحكومة الاتحادية، اتُّخذت عدة قرارات بالإجماع، ووُجّهت رسالة إلى رئيس الوزراء محمد شياع السوداني حول الخروقات بحق موظفي الإقليم التي تندرج ضمن سياسة تجويع المواطنين".
وتابع: "طالبنا الحكومة الاتحادية بوقف هذه الخروقات، وإرسال الرواتب إلى الإقليم، والعمل على حل المشكلات بشكل جذري، بعيداً عن استخدام الرواتب ورقةَ ضغطٍ سياسيةً ضد موظفي الإقليم"، ومضى قائلاً: "دعونا رئيس الجمهورية والوزراء الكرد إلى اتخاذ موقف واضح تجاه هذه القضية"، مشيراً إلى أنه "سبق أن طالبنا باتخاذ قرار بالانسحاب أو المقاطعة، لكن أُعطيت فرصة للحوار على أمل حل المشكلات".
وختم شاخوان عبد الله بالقول: "عندما يُتخذ قرار بالمقاطعة أو الانسحاب أو أي قرار آخر، سأنفذه خلال ساعة، وأعتقد أن الوقت قد حان".
ضغوطات خارجية
ويؤكد الباحث في الشأن السياسي الكردي والمقرب من الحزب الديمقراطي الكردستاني صبحي المندلاوي أن قرار المالية الاتحادية قطع رواتب موظفي كردستان قرار سياسي نتج عن ضغوطات داخلية وخارجية لمعاقبة أربيل بسبب توقيع عقود الغاز مع الجانب الأمريكي.
وقال المندلاوي في حديث لشبكة "الساعة": إن "التعاقدات التي أبرمتها حكومة الإقليم مع الشركات الأمريكية ليست جديدة والمحاكم العراقية سبق أن أقرت بها"، مبينا أنه "ليس من حق بغداد الاعتراض عليها لا سيما وأن الدستور بمواده 111 و 112 قد منح الأقاليم حق إبرام تلك التعاقدات"، فيما أشار إلى أن "الغرض من تلك العقود ليس تصدير الغاز للخارج وإنما لاستثمار وتوفير الغاز لحل مشكلة الكهرباء في كردستان وعموم العراق".
وأضاف المندلاوي: أن "الاعتراضات على العقود وما رافقها من خطوات تصعيدية ضد أربيل تعد مواقف سياسية موجهة ضد الإقليم"، مشددا على أن "تلك المواقف التصعيدية جاءت نتيجة سببين اثنين، الأول يرجع إلى الضغوط الخارجية الإيرانية على العراق لإبقاء اعتماده على الغاز الإيراني ومنع أي خطوات من شأنها استثمار الغاز العراقي واعتماده كبديل عن الغاز الإيراني، أما السبب الثاني فيرجع إلى أن بغداد ما تزال تؤمن بالنزعة الفردية وتعزيز المركزية في الحكم وعدم الاعتماد على الدستور في إشراك الآخرين في اتخاذ القرارات".
ونوه إلى أن "حكومة بغداد لا تحترم الاتفاقات والقرارات والتواقيع بشأن رواتب موظفي الإقليم، إذ إن المحكمة الاتحادية قد اتخذت قرارا بتأمين رواتب موظفي كردستان ولكن بغداد رغم هذا القرار قامت بقطعها في منتصف العام"، مؤكدا أن "تبريرات وزارة المالية غير صحيحة بشأن إرسال الاستحقاقات المالية كافة للإقليم".
أربيل تتحمل مسؤولية قطع الرواتب
بالمقابل، يرى الخبير المالي والاقتصادي هيثم الخزعلي أن من حق وزارة المالية قطع الرواتب عن كردستان طالما أن الأخيرة لم تلتزم بتسليم ما عليها من التزامات مالية للمركز.
وقال الخزعلي في حديث لشبكة "الساعة": إن "وزارة المالية بررت موقفها بإيقاف صرف الرواتب لموظفي الإقليم على باعتبار أن كردستان استوفى جميع حصته من الموازنة والبالغ نحو 14 تريليون دينار، من ضمنها الإيرادات المالية التي كان يفترض لأربيل أن تسلمها لبغداد.
وأوضح أن "المالية أرسلت للإقليم جزءاً من حصتها في الموازنة، وقامت بإجراء مقاصة مالية لباقي حصتها من الإيرادات المالية التي لم تسلم خلافا لقانون الموازنة"، مشيرا إلى أن "الاتفاق بين بغداد وأربيل الذي بموجبه أقرت الموازنة يتضمن تسليم الإقليم لـ 50% من الإيرادات المالية، وهو ما لم يحصل لغاية الآن".
وتابع أن "الإقليم قام بتسليم 5% فقط من الإيرادات المالية لحكومة المركز، ما دفع الأخيرة مضطرة إلى قطع الرواتب مستندة إلى المقاصة المالية، والتي بموجبها تحمل الإقليم مسؤولية دفع باقي الرواتب من خلال الإيرادات التي حصل عليها ولم يسلمها للمركز".
موظفو كردستان ضحايا الخلاف
من جانبه، يؤكد الخبير النفطي والمالي نبيل المرسومي ضرورة اتخاذ بغداد خطوات أخرى للتعامل مع الإقليم لاستحصال الايرادات المالية بدلا عن قطع رواتب الموظفين.
وقال المرسومي في حديث لشبكة "الساعة": إن "بغداد لم يتوفر لها أي خيار بمعاقبة الإقليم سوى قطع الرواتب، الأمر الذي يترتب عليه إلحاق الضرر بموظفي الإقليم الذين أصبحوا ضحايا الخلاف السياسي والاقتصادي بين الجانبين".
وأضاف المرسومي: أن " الإقليم استلم هذا العام 3.8 تريليونات دينار من أصل حصته في الموازنة التي تبلغ 13.5 ترليون دينار"، متسائلا عن "الأساس الذي اعتمدت عليه المالية العراقية في إعلان تسليم كامل حصته في الموازنة وما زلنا في شهر آيار؟".
دخول أمريكي على خط الأزمة
وفي تطور لاحق، دعت وزارة الخارجية الأميركية، الطرفين إلى الالتزام بالمدفوعات المالية المقررة وفق الدستور العراقي، محذّرة من أن استمرار الأزمة يهدد الاستقرار ويعيق الاستثمار الأجنبي، كما يعقّد فرص إعادة تصدير النفط العراقي عبر خط جيهان التركي المغلق منذ أكثر من عام.
وبينما تنظر المحاكم العراقية في الدعوى القضائية التي رفعتها وزارة النفط الاتحادية ضد حكومة إقليم كردستان إثر إبرام أربيل عقوداً مع شركتين نفطيتين أميركيتين من دون موافقتها، أضافت واشنطن عبئاً جديداً على العلاقة المتوترة بين حكومتي بغداد وأربيل.
وقالت الناطقة باسم وزارة الخارجية الأميركية، تامي بروس، إن الولايات المتحدة تدعم العقود التي تم أبرمتها شركة طاقة أميركية مع إقليم كردستان.
وأكدت المسؤولة الأميركية أن "بلادها تشجع بغداد وأربيل على العمل معاً لتوسيع إنتاج الغاز المحلي في أقرب وقت ممكن"، مبينة أن "هذا النوع من الشراكات الاقتصادية سيفيد كلاً من الشعبين الأميركي والعراقي، وسيساعد العراق في التقدم نحو تحقيق الاستقلال في مجال الطاقة".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام