انتهت زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الخليج العربي والتي أثمرت في العلن عن صفقات عسكرية واقتصادية هي الأكبر في التاريخ، ولكنها في الواقع أسست لواقع جديد في الشرق الأوسط تكون فيه دول الخليج المحور والمرتكز الأساسي.
وشملت الزيارة المملكة العربية السعودية ودولة قطر والإمارات العربية المتحدة، وهي أول زيارة خارجية يجريها الرئيس الأمريكي منذ تسلمه إدارة البيت الأبيض قبل أشهر.
وتأتي الزيارة في وقت تواجه إيران ومحورها عزلة دولية غير مسبوقة، لتؤكد أيضا أن طهران أبرز الخاسرين في المرحلة المقبلة في حال لم ترضخ للشروط والإجراءات الأمريكية.
زيارة ترامب إلى السعودية
وخلال زيارة الرئيس الأمريكي للسعودية، وقع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأميركي على وثيقة الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية بين البلدين.
وقال البيت الأبيض إن "الرئيس ترامب يضمن التزاما تاريخيا باستثمار السعودية 600 مليار دولار في الولايات المتحدة".
وأضاف أن "الولايات المتحدة والسعودية وقعتا أكبر اتفاقية مبيعات دفاعية في التاريخ بنحو 142 مليار دولار".
وذكر البيت الأبيض أن "الاتفاقية تتضمن تزويد السعودية بمعدات وخدمات حربية متطورة بأكثر من 12 شركة دفاعية أميركية".
وفي خطاب ألقاه في الرياض، لم يهاجم ترامب الديمقراطيين فحسب، بل هاجم أيضاً الجناح التقليدي لحزبه الجمهوري الذي دافع عن التدخل العسكري الأميركي في أفغانستان والعراق.
وأشاد ترامب بأفق العاصمة السعودية، قائلاً: "لم يصنع ما يسمى بـ(بناة الأمم) أو (المحافظين الجدد) أو (المنظمات الليبرالية غير الربحية) روائع الرياض وأبو ظبي، مثل أولئك الذين أنفقوا تريليونات الدولارات من دون أن يطوروا كابول وبغداد".
وأضاف: "بل إن شعوب المنطقة نفسها هي التي أسهمت في ولادة شرق أوسط حديث، في النهاية دمر ما يسمى بـ(بناة الأمم) دولاً أكثر بكثير مما بنوها".
ترامب وسوريا
ولبى ترامب طلباً رئيساً للأمير محمد بن سلمان بإعلانه رفع العقوبات عن سوريا، بعد الإطاحة بحكم بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر الماضي.
والتقى ترامب في الرياض بالرئيس السوري أحمد الشرع، الذي كان قائداً لهيئة تحرير الشام ومدرجاً في القائمة الأميركية للمطلوبين، وقال عنه لصحافيين إنه "شاب جذاب، رجل قوي، وماض قوي جداً، مقاتل".
وشارك في اللقاء بين ترامب والشرع ولي العهد السعودي، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان عبر الإنترنت، وهو الذي يعد من أبرز الداعمين للشرع.
زيارة ترامب إلى قطر
وفي الدوحة، وقعت الولايات المتحدة وقطر اتفاقات في مجال الدفاع، كما أبرمت قطر اتفاقا لشراء طائرات من شركة "بوينغ" الأميركية لصالح الخطوط الجوية القطرية، وقال ترامب إن قيمة الصفقة 200 مليار دولار وتشمل 160 طائرة.
وشملت مباحثات ترامب في الدوحة الحرب الأوكرانية وملف إيران، وقال أثناء لقاء مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني "أعتقد أنه ستكون هناك أخبار جيدة تعليقا على الأزمة الأوكرانية".
وأضاف: "تناقشنا أيضا في ملف إيران ولدي شعور بأن المفاوضات ستنجح، في النهاية ستنجح الأمور بطريقة أو بأخرى".
وخلال زيارته القوات الأمريكية في قاعدة "العديد" الجوية في قطر، والتي تستضيف أكبر منشأة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، قال ترامب "أعتقد أننا نقترب جدا من إبرام اتفاق مع إيران".
وأضاف أن "أمريكا جادة للغاية في المفاوضات مع إيران بشأن سلام طويل الأمد"، مؤكداً أن "طهران وافقت نوعا ما على بنود اتفاق".
وكان لافتا تجاهل ترامب لملف وقف إطلاق النار في غزة، إذ لم يتطرق إليه إلا خلال القمة الخليجية الأمريكية بقوله إنه يجب الإفراج عن كل الرهائن في غزة والعمل من أجل إحلال السلام بدعم من قادة هذه القمة.
زيارة ترامب إلى الإمارات
أما في الإمارات، فقد أعلن الرئيس الأميركي عن اتفاقات تزيد قيمتها الإجمالية على 200 مليار دولار بين الولايات المتحدة والإمارات، منها التزام حجمه 14.5 مليار دولار بين بوينغ وجنرال إلكتريك للطيران والاتحاد للطيران.
وقالت وزارة التجارة الأميركية إنه "جرى الكشف عن مجمع الذكاء الاصطناعي الإماراتي- الأميركي في أبو ظبي بقدرة 5 غيغاوات، يأتي ذلك في إطار سعي الإمارات إلى تعزيز بناء مراكز البيانات الحيوية لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي".
فيما أعلن رئيس الإمارات محمد بن زايد أن "بلاده تخطط لاستثمارات مع الولايات المتحدة بقيمة 1.4 تريليون دولار خلال السنوات الـ10 المقبلة".
أبعاد الزيارة
وعد أندرياس كريج، أستاذ الدراسات الأمنية في جامعة "كينغز كوليج- لندن"، أن أهداف ترامب الأساسية من زيارة الخليج العربي تتمثل في 3 أبعاد:
أولا: تأمين التزامات ملموسة من الخليج في شكل استثمار صناعي عسكري وتعاون في مجال الطاقة.
ثانيا: تعزيز الشراكات الدبلوماسية المتحالفة مع تيار "ماغا"، والتي تساعد الولايات المتحدة على تقليص دورها الخارجي دون تراجعه.
ثالثا: إعادة تموضع دول الخليج كوسيط لواشنطن في الخطوط الأمامية في الأزمات الإقليمية، من غزة إلى طهران، دون المبالغة بالانتشار العسكري الأميركي.
ويؤكد الخبير كريج أن هذه تعد طرقا دبلوماسية تستعين بأطراف خارجية، لكنها لا تزال بقيادة الولايات المتحدة.
وأشار المحلل أندرياس كريج، أن استبعاد إسرائيل ليس صدفة، إنها رسالة استراتيجية، تميل سياسة ترامب الخارجية بعيدا عن الاصطفاف التلقائي مع التفضيلات الإسرائيلية، ولا سيما أن تل أبيب تجر واشنطن بشكل متزايد إلى تصعيد إقليمي.
وأكد كريج أن ترامب ينظر إلى الخليج كقوة استقرار، بينما ينظر إلى إسرائيل -خاصة في عهد نتنياهو- على أنها مصدر للتقلبات، ويقول "في هذا السياق، لم تعد إسرائيل الشريك الذي لا غنى عنه كما كانت في السابق، وبعبارة أخرى، برز الخليج كمشارك إيجابي للقوة الأميركية في المنطقة، في حين أصبحت إسرائيل مستغلة سلبية للقوة الأمريكية".
تحول أمريكي جديد يعتمد الاقتصاد والقوة
من جانبه يرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العربية الأمريكية أمجد أبو العز، أن الجولة الخليجية للرئيس ترامب عكست تحولا واضحا في النهج الأمريكي تجاه المنطقة، يجمع بين الاقتصاد والقوة العسكرية، في مقاربة جديدة تهدف إلى إعادة صياغة التحالفات الإقليمية دون اللجوء إلى الحروب.
وأضاف أبو العز أن "ترامب جاء للمنطقة بخطة واضحة تقوم على فتح أسواق جديدة واقتناص الفرص وبناء شراكات استراتيجية ذات طابع اقتصادي، مع عدم استبعاد أدوات الضغط العسكرية، ودول الخليج بوصفها قلعة رأس المال في الشرق الأوسط كانت هدفا طبيعيا لهذا التوجه".
وأردف أن "ترامب طرح دبلوماسية اقتصادية تقوم على الصفقات، مدعومة بحضور عسكري صارم، وهو ما يشكل نهجا جديدا مغايرا للسياسات الأمريكية السابقة في المنطقة، ويعيد ضبط الإيقاع الإقليمي على إيقاع المصالح الاقتصادية بدلا من الانزلاق نحو الصراعات المفتوحة".
تأسيس جديد في العلاقات الدولية
من جانبه وصف عضو مجلس الشورى السعودي السابق وأستاذ العلوم السياسية، الدكتور إبراهيم النحاس، زيارة ترامب بأنها لحظة تأسيس جديدة في العلاقات الدولية.
وبرأي النحاس، فإن "استهلال ترامب لجولته في الشرق الأوسط من السعودية يعيد إنتاج هذه اللحظة في شكل جديد، مفاده أن المملكة لم تعد مجرد حليف، بل شريك مركزي في صياغة ملامح النظام الإقليمي والدولي".
ويلفت النحاس إلى أن "كل هذه التحركات عززت مكانة السعودية كدولة لا يمكن تجاوزها، ليس فقط في الإقليم، بل على صعيد السياسة الدولية برمتها".
شرق أوسط جديد محوره السعودية
ويؤكد الباحث والمحلل السياسي العراقي نزار حيدر أن زيارة ترامب إلى الخليج من شأنها تأسيس خارطة جديدة للشرق الأوسط، تكون للسعودية فيها دور المركز والمحور.
وقال حيدر إن "الزيارة أسست لشرق أوسط جديد يعتمد مخرجات العامين 2023 و2024، ويقوم على أساسين مهمين، الأول هو حصر السلاح بيد الدولة ليس في العراق فقط، بل بكل المنطقة، وذلك ما تعهد به ترامب الذي قال يجب وضع حد لفوضى السلاح في الشرق الأوسط".
وأضاف حيدر: أن "الأساس الثاني وهو تأسيس شراكات تجارية واقتصادية عالمية تكرس لمفهوم عالم أحادية القطب، والذي يظهر من خلال الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية التي أبرمت في الخليج خلال جولة ترامب، وهو ما سيؤدي إلى انحسار النفوذ الاقتصادي والمالي والصيني في المنطقة على المنظور البعيد".
ولفت حيدر إلى أن "النقطة المهمة التي تحققت من زيارة ترامب إلى المنطقة هي أن الولايات المتحدة أعادت محورية الشرق الأوسط للمملكة العربية السعودية، وأعطت لدول الخليج العربي ولا سيما السعودية المركزية في قيادة الشرق الأوسط الجديد".
جولة ترامب الخليجية والعراق
وبالرغم من أن زيارة ترامب إلى الخليج لم تتطرق بشكل مباشر إلى الأوضاع في العراق إلا في معرض انتقاد الجمهوريين، إلا أن تأثيرها غير المباشر سيكون واضحا على العراق بحسب مراقبين.
ويؤكد مراقبون أن الزيارة أكدت الموقع البارز لدول الخليج العربي ولا سيما السعودية في المنطقة ومحوريتها في النظام المقبل والشرق الأوسط الجديد، وهو ما يعني بالتأكيد تراجع الدور الإيراني وبالتالي ضعف نفوذه في ما تبقى من الدول العربية والتي تنحصر اليوم في اليمن والعراق.
تفاعل عراقي مع زيارة ترامب
وتفاعل مدونون عراقيون مع تفاصيل زيارة ترامب إلى السعودية وقطر والإمارات ونتائج تلك الزيارة سلبا وإيجابا، إذ يرى المدونون المقربون من الخط الإيراني أن الزيارة جاءت بمثابة حلب دول الخليج اقتصاديا.
فيما يرى مدونون عراقيون بالمقابل أن الزيارة تؤكد نجاح منظومة الحكم في دول الخليج العربي وضمان مستقبلها الأمني والعسكري والسياسي والاقتصادي لعشرات السنين على عكس ما يوجد في العراق حيث يرهن قادته السياسيون مستقبل البلاد وحاضرها بإيران ومشاريعها التدميرية والتوسعية في المنطقة.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام