الفاو، أم قصر، خور عبدالله، جزيرة بوبيان، أسماء لمعت في أكثر ملفات العلاقات الكويتية العراقية تعقيداً، فأول اسمين يمثلان منفذ العراق الوحيد على مياه الخليج، أما ثاني اسمين فيمثلان أكبر ورقة ضغط على بغداد، يمكن أن تمتلكها دولة الكويت في علاقتها مع العراق.

وضع رئيس الحكومة العراقية، أخيراً حجر الأساس لمشروع ميناء الفاو الكبير يوم الأحد (11 نيسان/ أبريل 2021)، ويتمركز الميناء في أقصى الجنوب العراقي، ويطل على مياه الخليج، وقال الكاظمي إن "المشروع سيجعل العراق جسراً اقتصادياً يرتبط بمختلف بلدان المنطقة".

ولطالما أرتبط اسم مشروع "ميناء الفاو الكبير" في العراق، باسم مشروع "ميناء مبارك الكبير" في الكويت، هذا الميناء الذي بدأت الكويت في تشييده عام 2010 على جزيرة بوبيان في أقصى شمال البلاد؛ حيث سيتقابل الميناءين الكويتي والعراقي على "خور عبدالله"، الذي يمر من الكويت وينتهي في ميناء أم قصر العراقي، هذه الجغرافيا التي أثارت توتراً بين البلدين طوال العقود الماضية.

وتكمن أهمية مشروع ميناء الفاو، بأنه سيعمل على تحريك عجلة الملاحة البحرية، وستكون المدينة الصناعية في منطقة الفاو الأولى في الشرق الأوسط، ومن المتوقع أن يكون للمشروع مردودات مالية كبيرة للعراق من خلال نقل وإيصال البضائع والنفط بشكل أسرع من أي وقت مضى، كما ستبلغ طاقته الاستيعابية القصوى 99 مليون طن سنويًا، ويهدف فضلاً عن تنشيط قطاع النقل في العراق إلى تنويع طرق الاستيراد والتصدير. وتوقع اقتصاديون أن يحقق الميناء للعراق منافع تقدر بنحو 15 مليار دينار شهريًا عند اكتمال المشروع وعمله بطاقته القصوى.

حرب موانئ صامتة

يقول خبراء عراقيون، إن الخطر الأول والأكبر على مشروع ميناء الفاو الكبير، يأتي من "ميناء مبارك الكبير" في الكويت، الذي انتهى تشييده عام 2016، ويقع قبالة السواحل العراقية على جزيرة بوبيان الكويتية.

ويقع الميناء الكويتي، على بعد كيلومترات قليلة من مشروع الفاو الكبير، وتعد أحرج منطقة ملاحية في العالم، كونها تفرض واقعًا جغرافيًا سياسيًا على بغداد، من حيث إنها تغلق الرئة البحرية الوحيدة للعراق، الذي لا يملك منفذًا بحريًا غيرها، وتحرم العراق من ارتباطاته البحرية مع البلدان الأخرى، فضلاً عن أن المشروع ينوي مد خطوط سكك حديدية باتجاه ميناء أم قصر العراقي ما سيؤدي إلى تبعات على تجارة العراق البرية، بحسب الخبراء.

وأقرت دراسة جدوى المشروع، أن ميناء مبارك سيعتمد على التجارة الكويتية العراقية بشكل كبير؛ إذ سيعتمد على الحركة التجارية العراقية، من باب الاعتماد على الاستهلاك، الذي تتركز أعلى نسبة له في العراق بنسبة 68%، ومن المتوقع أن 80% من السوق العراقية ستتحرك عبر ميناء مبارك الكبير في بوبيان لأن الموانئ العراقية لا تحمل سعة كبيرة للحاويات كما سيحمله ميناء مبارك.

وكما تشير أحد التقارير فإن مشروع ميناء مبارك الكبير، مدعوم من قبل الولايات المتحدة، سيسهم في احتواء نفوذ إيران المتزايد على الكويت وإخماد مخاوف الكويت مما تعتبره تهديد الجار المستمر لاستقلالها.

فضلًا عن خطة لتحويل الكويت إلى مركز إقليمي، تطمح فيها الكويت أن تصبح منطقة أساسية للتجارة الحرة تربط آسيا بأوروبا من خلال بناء مدينة تبلغ قيمتها 90 مليار دولار وبناء سكك حديدية وشبكة مترو تخدم الميناء.

علاقات عميقة ستدفع المشروعين نحو النجاح

يقول المؤسس والرئيس التنفيذي لمركز "ريكونسنس" للبحوث والدراسات في دولة الكويت، عبد العزيز العنجري، إن "تواشج المصالح المشتركة بين الكويت والعراق، والتعاون أقوى تأثيراً وأعظم نفعاً من أدوات الصراع والتنافس".

وأعرب العنجري عن قناعته، في حوار مع موقع "الساعة"، تعليقاً على البدء في مشروع ميناء الفاو الكبير، عن أن "الكويت والعراق بلدان تقربهما مشتركات عديدة تستعصي على كل طارئ مرحليّ قد يباعد بينهما".

وطالب الرئيس التنفيذي لمركز "ريكونسنس" للبحوث، بأن نعمل على "نقل جهودنا من دراسات (إدارة الصراع) إلى دراسات (إدارة السلم)، ودعم أدوات البناء رغم وجود مصاعب، حتى نؤسس لخطاب يعكس تفاؤلاً واقعياً يبني على ما هو متحقق ويقترح ما يمكنه أن ينتقل بها إلى مستوى طموح القيادتين والشعبين الشقيقين"، على حد تعبيره.

وإلى أن ينتهي العراق من تشييد ميناء الكبير في الفاو، وأن تبدأ الكويت عمليات التشغيل الكبرى لميناء مبارك الكبير، تبقى حرب الموانئ، ملفاً من ملفات معقدة كثيرة تجاوزها قادة البلدين، أو هم في طريقهم لتجاوزها.