في الطريق الذي يبدأ من ميناء العقبة على البحر الأحمر في أقصى الجنوب الأردني، مخترقًا الصحراء لمئات الكيلومترات، وصولاً إلى الحدود مع العراق شرقاً، يكمن جزء هام من حكاية العلاقات التجارية بين البلدين، التي بدأت واقعاً، كأحد تداعيات الحرب العراقية الإيرانية التي اندلعت عام 1980.
فهذا الطريق المعروف أردنياً باسم "الطريق الصحراوي" شيده رئيس النظام العراقي السابق صدام حسين، لكي يستفيد من الميناء الأردني على البحر الأحمر، ولم يخضع هذا الطريق طوال عقود لأي عمليات صيانة حقيقية، ليمسي طريقاً مليئاً بالمطبات والحفر، التي لطالما أثرت على حركة التجارة مع العراق.
لم يكن الإغلاق الأخير للحدود بين العراق والأردن (طربيل/ الكرامة) بسبب جائحة "كورونا" هو أول إغلاق من نوعه، فلقد تأثرت تلك الحدود بالعديد من العوامل السياسية والأمنية، وكان أشهرها الإغلاق الذي استمر بضعة سنوات، بصورة جزئية أو كلية، بسبب سيطرة عناصر تنظيم داعش على المناطق الحدودية العراقية المحاذية للأردن.
وأعلن الأردن، الخميس الماضي (1 نيسان/ أبريل 2021) عن عودة حركة الشاحنات مع العراق إلى صورتها الطبيعية، بعد أن فرضت تداعيات الجائحة أسلوب تبادل للبضائع يتم بين شاحنات البلدين على الحدود.
وبالرغم من الحركة التي تعثرت للبضائع بين العراق والأردن بسبب الجائحة، إلا أن الزيارات المتبادلة بين المسؤولين في البلدين لم تعقها تلك الجائحة، وطوال عام 2020 الماضي، لم تتوقف الزيارات، ولم يتوقف أيضاً توقيع الاتفاقات في المجالات التجارية والصناعية والصحية والطاقة والزراعة، هذه الاتفاقات التي تنمو في عددها عام بعد عام، لكن عوائق سياسية وأمنية وحتى تاريخية في بعض الأحيان، تقف كحجر عثرة أمام تطبيقها بفعالية ونجاعة على أرض الواقع.
اتفاقات وتوتر
خلال السنوات الماضية، تبادلت الأطراف التجارية والسياسية في بغداد وعمّان، تصريحات إعلامية عكست حالة من التوتر، هذا التوتر الذي كان مصاحباً لتوقيع اتفاقات في مختلف القطاعات، وكلما زاد التوتر كان الجانبان يحاولان تهدئته بالمزيد من الاتفاقات ولجان تسريع تطبيقها.
واتسمت هذه الاتفاقات بأنها استراتيجية وكبيرة، تشمل تشييد أنبوب نفط من جنوب العراق إلى جنوب الأردن بطول 1700 كيلومتر، ومنطقة صناعية على الحدود بين البلدين، إضافة إلى إعفاءات جمركية قدمتها الحكومة العراقية لـ 300 سلعة أردنية.
إلا أن هذه المشاريع والاتفاقات، لقيت رفضاً من أطراف سياسية عراقية مقربة من إيران، ووصفتها بأنها "مجاملات سياسية، لم تقدم للعراق واقتصاده أي قيمة حقيقية"، ونقلت وسائل إعلام عراقية (أيار/ مايو 2019) عن صباح البزوني، رئيس "مجلس البصرة" جنوب العراق، انتقاده للاتفاقات مع الأردن.
وقال البزوني إن الاعتماد على المنفذ الحدودي مع الأردن عطل منافذ محافظة البصرة (مع إيران وموانئ الخليج)، مشيراً إلى أن خسارة العراق جراء هذه الاتفاقية يصل إلى 220 مليون دولار سنوياً.
وأضاف: "البضائع التي تصل من منفذ طريبيل (الحدودي مع الأردن) ذات منشأ صيني في معظمها، ووضع عليها علامة المنشأ الأردني"، بحسب تصريحاته آنذاك، التي رفضها المسؤولين الأردنيين.
ووفق مصادر رسمية في الأردن فإنه رغم قرار الإعفاء ومنح السلع الواردة للعراق عن طريق ميناء العقبة خصماً تشجيعياً بقيمة 75%، إلا أن حجم الواردات العراقية عن طريق ميناء العقبة لم يشهد زيادة حقيقية.
الأردنيون يتطلعون إلى أبعد من تصدير البضائع
يقول عبد الحكيم ظاظا، عضو غرفة صناعة الأردن، ومسؤول ملف التصدير إلى العراق فيها، إن بلاده "تطلع إلى المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار في جمهورية العراق الشقيق"، في إشارة إلى محاولة الأردن للفوز بحصة من مشاريع إعادة الإعمار المليارية، وإلى تمكن شركات المقاولات والهندسة الأردنية من القيام بهذا الدور.
وأكد ظاظا في تصريحات خاصة لموقع "الساعة"، على أن "الصناعة الأردنية تتميز بتنوع منتجاتها وجودتها التي تواكب التقنيات الحديثة (..) وتلبية الطلب على مختلف السلع الاستهلاكية والإنشائية المطلوبة لمشاريع البناء واعادة الاعمار في العراق".
وأعرب عن أمله في أن "تشهد العلاقات الثنائية نقلة نوعية خلال العام الحالي، عقب الاتفاقيات الأخيرة التي وقعت بين الحكومتين".
وطالب ظاظا بـ "إزالة بعض العوائق التي تعرقل التبادل التجاري (..) من خلال تعزيز التكامل المشترك (..) لا بد من العمل على تنفيذ كافة الاتفاقيات والتوافقات التي تمت على صعيد ازالة العراقيل التجارية وخاصة خلال الزيارات الأخيرة على مستوى دولة رئيس الوزراء (بشر الخصاونة)، ووفد رجال الأعمال، واستثناء منتجات البلدين من أي نظام تسجيل للواردات".
وأشار إلى ضرورة تسريع استكمال الخطوات التنفيذية لإنشاء المدينة الاقتصادية المشتركة و"تعزيز التعاون والتكامل الصناعي في القطاعات الصناعية، من خلال التدريب والاستثمار وتوريد المواد الخام والسلع نصف المصنعة".
يشار إلى أن حجم الصادرات الأردنية إلى العراق، سجل خلال عام 2020 الماضي أكثر من 626 مليون دولار، مشكلاً بذلك ارتفاعاً بنسة 4.5%، مقارنة مع العام الذي سبقه، وذلك بالرغم من التحديات التي فرضتها الجائحة.
فيما بلغ حجم واردات الأردن من العراق، خلال نفس العام حوالي 61.6 مليون دولار، مسجلة بذلك انخفاضاً بما نسبته 2.2% مقارنة بواردات العام الذي سبقه.
وتحدث مسؤول ملف التصدير إلى العراق عبدالحكيم ظاظا، عن أبرز معوقات التبادل التجاري مع العراق، مشيراً إلى "عدم تطبيق العديد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تمت بين الجانبين، وخاصة من قبل الجانب العراقي، من أبرزها، عدم تنفيذ قرار المنافذ الحدودية العراقية، و قرار إعفاء السلع الأردنية".
كما أشار ظاظا إلى اشكالية "تفاوت المبالغ المستوفاة على البضائع المستوردة للعراق من منفذ جمركي إلى آخر، وقيام الجانب العراقي بتنفيذ قرارات منع اسيراد العديد من المنتجات وبفرض رسوم حمائية على مستورداته من منفذ طريبيل بالاضافة إلى الرسوم الجمركية"، وفق ما كشفه.
كما وصف ظاظا إجراءات التصدير إلى العراق بأنها "معقدة"، موضحاً أن الجانب العراقي يشترط حصول الصادرات الأردنية على شهادات مطابقة من الشركات العالمية المتخصصة بالتفتيش على البضائع، بالإضافة إلى إشتراط الجانب العراقي تصديق الفاتورة وشهادة المنشا وشهادة المطابقة للمواصفات العراقية من السفارة العراقية في عمان بالإضافة إلى ختم الخارجية الأردنية"، يشار إلى أن رجال أعمال عراقيين اتهموا نظراء أردنيين لهم، بتصدير بضائع ذات منشأ صيني إلى العراق على أساس أنها منتج أردني، لكي يستفيدوا من الإعفاء الخاص.
وطالب ظاظا بتفعيل تطبيق قرار إعفاء السلع الأردنية على المنافذ الحدودية العراقية، وتوحيد التعرفة الجمركية على كافة المنافذ، واعتماد مبدأ الاعتراف المتبادل بشهادات المطابقة.
وأخيراً، فإن كل الاتفاقات الموقعة بين البلدين تضل حبراً على ورق، وكل الزيارات المتبادلة تبقى علاقات عامة، وكل التصريحات الإيجابية تدور في هامش المجاملات، ما لم يكن هناك إرادة سياسية حقيقية بتجاوز كل المعوقات، التي تضمن للعراق امتداداً مريحاً في عمقه العربي.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام