يتكرر الحديث عن ورقة "الاتفاق السياسي" مع تشكيل كل الحكومات العراقية بعد عام 2003، والتي تتضمن الوعود الممنوحة من الكتل الشيعية إلى الكتل السنية والكتل الكردية، بغية تشكيل الكتلة الأكبر في البرلمان العراقي.
الغريب في الأمر أنه بعد تشكيل الحكومة سرعان ما تبدأ تلك الكتل بالقفز على الاتفاقات السياسية، وعدم الالتزام بالتفاهمات التي قطعتها للمتحالفين معها، وبالتالي تبدأ خلافات سياسية كبيرة بعد ذلك.
الأمر بدأ واضحاً في حكومة السوداني التي شكلها الإطار التنسيقي (يضم قوى سياسية مقربة من إيران) بعد انسحاب الكتلة الصدرية من البرلمان وتقديم استقالاتهم لرئاسة البرلمان.
الإطار التنسيقي وخلال اجتماعه مع الحلفاء السياسيين (السنة والكرد) تعهد بتنفيذ المطالب المتفق عليها بعد تشكيل الحكومة، وأبرزها قانون العفو العام، وإعادة النازحين بما فيهم نازحو جرف الصخر، أما الكتل الكردية فطالبوا بقانون النفط والغاز والمادة 140، وبعد التعهد انبثق تحالف "إدارة الدولة".
وبعد مرور 6 أشهر على تشكيل حكومة السوداني وهو السقف الزمني المحدد، لم يتم أي من تلك المطالب ولا ترى بقية التعهدات والتفاهمات النور بعد، الأمر الذي أزعج السنة والكرد وتسبب بخلافات داخل تحالف "إدارة الدولة"، بحسب المراقبين.
وقال الباحث في الشأن السياسي حيدر الجوراني، في مقابلة خاصة مع "شبكة الساعة"، إنه "من الصعب التكهن في الحديث عن بنود الاتفاق السياسي الذي تشكلت بموجبه الحكومة لكونه لم يعلن من حيث تفاصيله وسقف مطالبه بالتحديد وآليات تنفيذها، فضلا عن المدد الزمنية لترجمتها ضمن برنامج حكومي توافقي على أرض الواقع، وهذا ما أثبتته الخلافات الأخيرة بين الكتل التي شكلت تحالف إدارة الدولة".
وأضاف أن "الاتفاق السياسي الذي تم الإعلان عنه وتم تداول بعض بنوده كان نتيجة عن بدايات التشظي السياسي في التحالف عقب التصويت على قانون الانتخابات الأخير وهو مؤشر واضح على هشاشة صياغة ورقة الاتفاق بالأصل".
قانون العفو العام
الجوراني أكد، أن "الحديث في الأروقة السياسية السنية جار عن تشريع قانون العفو العام والمغيبين وعودة النازحين، وهي من حيث الظاهر لا تعدو سوى مطالب توظف لغرض إقناع أكبر قدر من الجمهور لأغراض انتخابية أو المشاركة في المحاصصة لتقاسم السلطة، ففي بعض صياغات البنود وحسب ما متداول وليس كاتفاق معلن بتفاصيله، تبدو أنها سطحية".
وبين أن "تشريع قانون العفو العام يقف أمامه غموض وتساؤلات، وهي من الذين يمكن أن يشملهم ذلك العفو؟ كما لم تفصح الكتل عما إذا كان سيتضمن إعادة التحقيق أم إعادة المحاكمات وهنا اختلاف جذري إزاء قضايا تم البت بها تحت التعذيب والعنف أو لمجرد وشاية المخبر السري، فإعادة المحاكمات لا تعني بالضرورة إعادة التحقيق في القضايا".
وأردف: "مفردة مغيبين تم انتقادها دوليا من قبل لجنة الأمم المتحدة للإخفاء القسري المعنية بالعراق في تقريرها في نيسان الماضي ووصفت المفردة بأنها سطحية، وأنها حلت بديلا عن مفهوم الإخفاء القسري".
وتابع: "تقرير اللجنة أفاد بأن إقرار قانون الإخفاء القسري أحد القوانين التي يجب على العراق إقرارها كدولة طرف في المعاهدة الدولية ضد الإخفاء القسري، وأن أحد مبررات التأخير ألقت به السلطات التنفيذية على عاتق السلطة التشريعية، وهذا مؤشر واضح على أن اتفاق تحالف إدارة الدولة لا يفي بجوهر المطالب".
عودة النازحين
كشف الكاتب والأكاديمي، أن "مؤشر هشاشة الاتفاق يكمن في ضبابية تنفيذ عودة النازحين لمناطقهم الأصلية، وتحديدا جرف الصخر ومناطق أخرى، وهذا ما يتعلق في التنبؤ بنوايا حكومة السوداني لتنفيذ بنود الاتفاق".
وأوضح أن "الكتل السنية تدرك أن الحكومة ربما تحتاج إلى رصانة ووضوح في بنود الاتفاق السياسي الذي أجمعت عليه الكتل والقوى التي شكلت تحالف إدارة الدولة لكي تتمكن من تنفيذه دون أي عائق سياسي أو إخضاع الاتفاق من طرف أو آخر للمساومة أو الابتزاز السياسي".
وذكر الجوراني، أن "الفواعل الشيعية في الإطار التنسيقي تحديدا تمكنت من الظفر بتشريع قانون الانتخابات وهذا بالنسبة لها المنقذ من بعد خسارة كادت تؤثر على وجودها السياسي لولا انسحاب التيار الصدري من تشكيل الحكومة عقب الانتخابات الأخيرة، وهو ما انعكس على تمظهرات الحرج السياسي الذي وقعت فيه رئاسة البرلمان وتحالف السيادة من خلفها".
إقرار الموازنة
يرى الجوراني، أن "إقرار الموازنة يبقى هو المؤشر على بعض التشظيات السياسية داخل الإطار التنسيقي والذي ربما تحاول حكومة السوداني في الضغط على إقرارها بما ينسجم مع رؤية السوداني قدر الإمكان لأنها فيما لو أقرت ستمثل بر الأمان لكابينته الوزارية على أقل تقدير".
ولفت إلى أن "الفواعل السياسية السنية تبقى هي أضعف الدوائر السياسية لشدة التشظيات الداخلية التي تعصف بها من جهة، ولأن تحديد اللاعبين السياسيين على الساحة السياسية السنية تحكمه عدة عوامل منها طبيعة العرف السياسي السائد للنظام ووجود كتل سنية ربما قد تمثل بدائل لشراكات سياسية محتملة ولعب الدور للتمثيل سني وهذا ما يزيد تعقيد المشهد السياسي السني والذي أيضا يؤثر بدوره على سير تنفيذ المنهاج الحكومي.
تحديات حكومة السوداني
الجوراني بين لشبكة "الساعة"، أن "حكومة السوداني ورغم أن تشكيلها مضى عليه 6 أشهر، وأيضا توفر مناخ إقليمي ودولي ملائم لها إلا أنها ما زالت أمام تحديات قد تؤثر على مدى تقييمها خاصة".
وتابع أن "تحديات ديالى الأمنية التي فاجأت الحكومة كعارض أمني لاتزال غير واضحة النتائج ولم تحدد الجناة في عدة أحداث دموية حصلت قبل شهرين من الآن".
وأضاف أن "ملف كشف الفساد وإنهاء الإفلات من العقاب لكبار حيتان الفساد هو ما يشغل الرأي العام وهو اختبار كبير أمام الحكومة الحالية، ويبقى تقييم الحكومة معلقا بحرارة الصيف الوشيكة في ظل أزمة المناخ والطاقة وكذلك عودة التيار الصدري المرتقبة سياسيا أو ربما احتجاجيا على الساحة العراقية.
وفي وقت سابق، قال رئيس تحالف "السيادة"، خميس الخنجر، إنه "جرى توقيع ورقة الاتفاق السياسي من قبل جميع القادة السياسيين بالائتلاف، ونعتقد أن هذه الورقة تمضي بالاتجاه الصحيح، وأن بنود الاتفاق السياسي ليست شروطاً، بل رؤية، وهي ملزمة لجميع الأطراف".
وأوضح أن "رئيس الوزراء محمد شياع السوداني قادر على حفظ التوازن بين الالتزام بورقة الاتفاق السياسي وتنفيذ البرنامج الحكومي المعلن، وأنه يقوم بخطوات جيدة ومقنعة لجميع الأطراف، وقد تم تنفيذ بعض البنود"، مضيفا أن "إقرار الموازنة سيسهل تنفيذ بقية البنود الأخرى".
وبعدها، أكدت جهات برلمانية أن بنود قانون العفو العام التي تسعى القوى السنية لإقراره يشمل إنقاذ المظلومين والأبرياء الذين طالتهم أحكام قضائية، فيما يستثني المدانين بالإرهاب والجرائم الأخرى.
واقترن تشكيل الحكومة العراقية الحالية بجملة من الاتفاقات السياسية والتي كانت بمثابة تطمينات للقوى الكردية والسنية قدمها الإطار التنسيقي من أجل التصويت على مرشحه لرئاسة الوزراء محمد شياع السوداني.
ومن جملة النقاط التي تم الاتفاق عليها ملف العفو العام الذي قدمته القوى العربية السنية والتي تعتبر ملف المعتقلين في السجون الحكومية من أبناء السنة من أولوياتها بحسب تصريحات قادتها.
لكن ثمة من يشكك بإمكانية التزام الإطار التنسيقي بتنفيذ الاتفاق، خاصة مع مرور أكثر من 6 أشهر على تشكيل الحكومة، دون أن تخطو خطوة واحدة باتجاه تنفيذ قانون العفو العام.
ويهدف قانون العفو إلى إطلاق سراح آلاف النزلاء من السجون العراقية بعد اعتقالهم وفق قانون المادة الرابعة للإرهاب واستخدام ذرائع كيدية وتهم شخصية وبلاغات من المخبر السري في اعتقالهم.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام