أسبوع على موت رئيس ديوان الوقف السني الأسبق سعد كمبش الغامض، ورغم بيانات السلطات العراقية التي تفيد بموته نتيجة "جلطة"، إلا أن الكثيرين يشككون بقضية الوفاة، ويذهبون نحو القتل، بعد فشل عملية تهريبه.

كان كمبش يتواجد في سجن كرادة مريم داخل المنطقة الخضراء، معقل الحكومة والبرلمان والبعثات الدبلوماسية، وهي المنطقة الأشد تحصينا أمنيا، إلا أنه هرب فجأة مساء الأربعاء المنصرم، ليتم القبض عليه في اليوم التالي بمحافظة نينوى، ثم يفارق الحياة بعد أقل من نصف ساعة من الاعتقال بظروف غامضة.

فيما يخص لحظة الهروب، فإن بيانا للمتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة، أفاد بأن كمبش المدان بالسجن لأربع سنوات على خلفية تهم فساد، قد هرب من السجن بتدبير من شقيقته النائبة أسماء كمبش، في وقت أظهرت كاميرات المراقبة أن الأخيرة زارته للسجن قبل هروبه بنحو ساعة تقريبا.

السلطات العراقية، قالت إن كمبش أصيب بالإعياء خلال مطاردته وتدهورت حالته الصحية، وفي أثناء ذلك نُقل المحكوم إلى مستشفى الموصل العام، وصل متوفّى وتم تأكيد الوفاة سريريا.

السلطات أضافت: "تمت إحالة الجثة إلى الطب العدلي وتشكيل لجنة من 3 أطباء اختصاص لغرض التشريح ومعرفة أسباب الوفاة، علماً بأنه لا توجد آثار على جسد المتوفى". 

 

على طريقة الچلبي؟

ما قالته السلطات العراقية، كان مغايرا نوعا ما للصور التي انتشرت لاعتقال كمبش، إذ أظهرت كدمات على جسده، في وقت دار حديث حول تعرضه للتعذيب وإمكانية قتله عمدا، بحسب تقرير لصحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية.

مع كل التفاصيل التي ذكرها بيان وزارة الصحة، فإن كسرا في أحد أضلاع كمبش ذكره التقرير العدلي وتجاهله بيان وزارة الصحة، أثار مزيدا من علامات الاستفهام حول موت كمبش.

المحلل السياسي غالب الدعمي. قال في حديث لشبكة "الساعة"، إن الشيء المهم هو أن هروبه الغامض ووصوله إلى الموصل بغرابة، وإلقاء القبض عليه وهو بكامل صحته ثم موته المفاجئ، كلها تنبئنا بظروف غامضة. 

وأضاف حول إمكانية موته بطريقة مشابهة لموت السياسي أحمد الچلبي الغامضة الذي لم يعرف بعد سبب موته بالحقن أو بالسم، بأنه إن كان موت كمبش بذات الطريقة، فهذه تدخل ضمن تصفيات الفساد.

الدعمي أشار، إلى أن المستفيدين من موت كمبش، هم الشخصيات المرتبطة به سياسيا وفسادا إذا كان فاسدا، كما تقول التقارير وكما صدرت أحكام قضائية بحقه.

 

إساءة للحكومة وتبعات سيئة

كان أبرز تعليق عن شخصية سياسية سُنية حول وفاة كمبش، ما قاله رئيس مجلس النواب الأسبق سليم الجبوري الذي نعى كمبش وطالب السلطات بـ "الكشف عن ظروف موته بكل شفافية وحيادية أمام الرأي العام العراقي". 

الكاتب والصحفي مجاشع التميمي، قال في حديث مع شبكة "الساعة": "لا أعرف ما إذا كانت وفاته طبيعية أم لا؛ لكن لا أتوقع أن يكون هروبه بطريقة اعتيادية، خاصة وأننا نعلم أن ظاهرة تهريب السجناء ليست بغريبة على العراق، كوننا شهدنا في الأعوام الماضية حالات عديدة لتهريب السجناء".

وأردف: "ما يثير الاستغراب أن كمبش صدر بحقه حكم قضائي بالسجن الشديد لمدة 4 سنوات، لكنه بقي في سجن مركز شرطة كرادة مريم،

إضافة إلى أن المتهمين بالفساد والإرهاب تكون الإجراءات الأمنية عليهم مشدّدة، فكيف لكمبش أن يهرب وهو مسجّل كشخصية بارزة ووضع في مركز شرطة في قلب الخضراء؟".

وبحسب التميمي، فإن "عملية تهريب كمبش هي إساءة كبيرة للحكومة العراقية ونقطة سوداء ستكون لها تبعات سيئة مستقبلا، إضافة إلى أنها تعطي صورة ذهنية سوداوية تجاه النظام السياسي العراقي من قبل المواطنيين".

وكانت وزارة الصحة، أصدرت فجر الجمعة، بيانا مفصلا حول ظروف موت كمبش، التي كشفها تقرير الطب الشرعي، وذكر البيان أن "تقرير الطب العدلي الأوّلي يشير عادة إلى الفحص الظاهري للمشاهدات الأولية ومن ثمّ يتبعه تشريح لجوف وأعضاء الجسم وحسب السياقات الفنية المعمول بها".

 

تصفية الشركاء؟

البيان أضاف، أن "التشريح السريري أظهر وجود احتشاء (جلطة) قديم في عضلة القلب مع تصلّب في شرايين القلب، وتم أخذ قطعة نسيجية من القلب وإرسالها للفحص النسيجي للتحري عن وجود أي ذبحة صدرية أو جلطة قلبية جديدة. التشريح أظهر وجود توذّم (تجمع للسوائل) في الرئتين، وتم إجراء التشريح العدلي للرأس ولم يُظهر أي آثار لنزفٍ في الدماغ أو كسر في الجمجمة".

وأردف البيان، أنه "فيما يخص المشاهدات السطحية؛ السحجات السطحية الظاهرة ناتجة عن نقل الجثة وإجراءات الكادر الطبي والتمريضي في ردهة الطوارئ، حيث إنه يتم إجراء الإنعاش القلبي - الرئوي وإجراء التنفس الصناعي والضغط على منطقة الصدر لأي حالة وصول لشخص متوفى حديثاً إلى المستشفى وضمن الفترة الزمنية المحددة حسب الدلائل الإرشادية المعتمدة في مثل هذه الحالات".

وخلص التقرير الطبي العدلي الأوّلي، إلى "وجود احتشاء (جلطة) قلبية ووجود تصلّب في شرايين القلب مع توذّم في الرئتين، وتم أخذ نماذج من أحشاء الجسم وأُرسلت للتحليل النسيجي، وتم أخذ نماذج أخرى من الجسم لإجراء فحص السموم في المختبرات المختصة في دائرة الطب العدلي في بغداد وحسب السياقات والضوابط المعمول بها".

في النهاية، شكّك قاضي النزاهة الأسبق رحيم العگيلي في ظروف موت كمبش، فقال في تدوينة له، إن "كمبش لم يُقتل لأنه سرق، بل لأنه أصبح عبئا على السرّاق. إن الفساد يبدأ فرديا وخائفا يترقب، ثم يتطور فيساند الفاسدون بعضهم بعضا، ويستر بعضهم بعضا، ويحرص الفاسدون الكبار على منع ملاحقة الفاسدين الخصوم؛ لأنها تفتح الطريق لملاحقتهم لاحقا".

"حين يتغول الفساد وتتضخم أمواله ونفوذه، تبدأ مرحلة الاغتيالات وتصفية الشركاء والشهود والرقابيين، إذا ما شكّلوا خطرا على سرّية عمليات الفساد"، أضاف العگيلي كما ورد في تدوينته مختتما.