يبدو أن حالة الهدوء السياسي التي عاشها العراق عقب التصويت على الحكومة الحالية برئاسة محمد شياع السوداني لن تستمر طويلا، فالبلاد شهدت طيلة السنوات السابقة صراعات سياسية بلغت ذروتها العام الماضي بسبب تصاعد وتيرة الخلافات بين قطبي البيت الشيعي "الإطار التنسقي" من جهة و"التيار الصدري" من جهة أخرى.

وتظهر ملامح المرحلة الجديدة من خلال التحذيرات من تمرير التعديل على قانون الانتخابات وإعادته للشكل السابق قبل الانتخابات الأخير المبكرة في تشرين أول 2021، أي العودة لنظام الدائرة الواحدة "سانت ليغو" بدل الدوائر المتعددة.

والتعديل الجديد من شأنه جعل القوى الصغيرة والناشئة هي الأقل حظا بالنتائج الانتخابية، وفي نفس الوقت ينسجم مع مصالح القوى والأحزاب الكبيرة، بحسب العديد من النواب.

تحالف إدارة الدولة والذي يشكل "الإطار التنسيقي" أبرز قواه استبق الانتخابات المحلية "مجلس المحافظات" المقرر إجراؤها في تشرين أول المقبل بتقديم التعديل على قانون الانتخابات، في خطوة وصفتها جهات مستقلة أو بعيدة عن تحالف إدارة الدولة بأنها محاولة لتعزيز هيمنة الأحزاب الكبيرة على الانتخابات، فضلا عن كونه يستهدف التيار الصدري بالدرجة الأساس.

وأنهى مجلس النواب القراءة الأولى لمقترح قانون التعديل الثالث لقانون انتخابات مجالس المحافظات والأقضية رقم (12) لسنة 2018 والمقدم من لجنتي القانونية والأقاليم والمحافظات غير المنتظمة بإقليم.

وعلى الرغم من إجماع قوى الإطار التنسيقي على تمرير التعديل على القانون، فإن تمريره ليس بالأمر السهل، لا سيما وأنه يخضع حاليا لمباحثات سياسية وهو ما سيجعل البرلمان أمام حالة من الشد والجذب كما يقول النائب عن دولة القانون محمد الزيادي.

وقال الزيادي في تصريح لموقع "المعلومة" وتابعته شبكة "الساعة": إن "مجلس النواب منقسم بين ما ذهب إليه أعضاء الدورة السابقة من تغيير لقانون الانتخابات الخاص بمجالس المحافظات وبين تغيير القانون وإجراء التعديلات عليه فيما يتعلق بالدوائر المتعددة".

وأضاف: أن "البرلمان سيكون أمام حالة من الشد والجذب لحين الوصول إلى صيغة نهائية حيث يتم الاستقرار والاتفاق عليها حول قانون انتخابات مجالس المحافظات، خصوصا أن رئيس الوزراء قد وضع ضمن برنامجه الحكومي إجراء انتخابات مجالس المحافظات خلال شهر تشرين الأول المقبل".

وقانون الانتخابات الحالي الذي تسعى بعض الكتل لتعديله يقضي بتقسيم المحافظات العراقية إلى دوائر انتخابية متعددة، بحيث يكون لكل 100 ألف ناخب في الدائرة ممثل في البرلمان، ويتراوح "حجم" الدائرة نسبة إلى عدد سكانها، لكن الفارق الأهم بينه وبين القوانين السابقة هو أنه يعمل وفق الدوائر المفتوحة بحيث لا تستطيع التحالفات أو الأحزاب تحويل الأصوات من مرشح إلى آخر،

يقول مدير مركز التفكير السياسي، إحسان الشمري، في تصريح خاص لشبكة "الساعة إن "الدفع بهذا المشروع يمثل تراجعاً خطيراً جداً على مستوى الآلية الوحيدة التي يمكن من خلالها توسيع المشاركة في العملية السياسية بالرغم من كل علاتها".

وأضاف أن "حالة الاحتكار واستمرار الطبقة السياسية هي من تدفع إلى محاولة الإسراع بتشريع هذا القانون رغم كل الاعتراضات حتى داخل قبة البرلمان العراقي" مبيناً أن النية مبيتة في قضية تمرير هذه المسودة على الرغم من كل الإشكاليات القانونية والشعبية.

وتابع أن "القانون وإن لم يظهر للعلن إلا أن الغاية منه تحجيم قوى التيار الصدري كقاعدة سياسية شعبية على اعتبار أنه حصد مقاعد كثيرة في الانتخابات السابقة وهو ما يشكل خطرا كبيرا للقوى الشيعية التقليدية"، محذرا من أن سريان هذا القانون سينعكس على عودة المواجهة ما بين التيار الصدري والتيار الشيعي التقليدي "الإطار".

وليس التيار الصدري المستهدف الوحيد من التعديل على قانون الانتخابات، حيث يؤكد الشمري أن الغاية الثانية من القانون هو تحجيم القوى الناشئة على مستوى الشارع العراقي التي أخفقت نوعاً ما في انتخابات عام 2021 بسبب نقص الخبرة وعدم النضوج وقلة إدراك للخصم السياسي وبالتالي قد تكون هناك مواجهة أيضاً بين تلك القوتين.

وبين أن احتكار السلطة من قبل الطبقة السياسية وعدم استشعارهم للغضب الشعبي، قد يودي بهم إلى المجهول كغيرها من التجارب الدكتاتورية، متوقعا أن تكون المقاطعة التي ستشهدها الانتخابات المقبلة ستكون في أعلى مستوياتها.

ورجح مدير مركز الفكر السياسي، أن تكون هناك ردة فعل من قبل التيار الصدري ضد القانون لأنه  سيدرك أن القانون فيه محاولة لأنهاء مستقبله السياسي خصوصاً أنه يشرع بعيداً عنهم.

ولفت إلى أن ردة فعل التيار الصدري ستكون على المستوى السياسي وتعقبها على مستوى الشارع كنزول أتباع التيار وآخرها على المستوى الوطني، ويتمثل بالاصطفافات مع بعض القوى الناشئة، مرجحا أن تكون تحركات التيار ضد القانون وضد ائتلاف إدارة الدولة ككل عقب شهر رمضان ككل.

وأكد إحسان الشمري، أن الطبقة السياسية لم تستوعب الدرس بشكل صحيح من تجربة تشرين عام 2019، وأن القوى التقليدية لا تجيد غير الشعارات أكثر من الإجراءات العملية لتطبيق الشعارات المتبنية من قبلهم، مستغرباً من الطبقة السياسية التي تدعي الشرعية في حين أن أكثر من 80 % من الناخبين لم يشتركوا في الانتخابات اصلاً.

وختم الشمري حديثه بالقول: إن "القانون الجديد سيقلل من نسبة المشاركة في الانتخابات مع يأس الشارع العراقي من استحالة إصلاح النظام عن طريق صندوق الانتخابات".

ويذهب آخرون إلى اعتبار التعديل الثالث على القانون يمثل أهانة للشارع العراقي والرأي العام  كما أنه ضرب للمرجعية الدينية في النجف.

يقول المحلل السياسي مجاشع التميمي لشبكة "الساعة"، إن "التعديل الثالث لقانون الانتخابات خيبة أمل كبيرة"، لكنه عدها بمثابة جس نبض للشارع لأن التعديل لن يمر بسهولة.

وأصاف: أن "التعديل يحمل إهانة للجمهور ويمنع إشراك طيف واسع من الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية والاتحادات والنقابات، والرأي العام، وهو ضرب لكل القوى السياسية ومنها التيار الصدري و الاحزاب المدنية وحتى المرجعية الدينية في النجف".

وأكد ضرورة أن تمر القوانين ذات الصلة بالانتخابات والحريات المدنية والسياسية بمشاركة حقيقية للقوى المدنية في صناعة القرار لان القانون هو الذي سيرسم صورة العراق .

وتابع التميمي: أن "مسودة التعديل تتضمن فقرات قانونية خطيرة من شأنها أن تقوّض الديمقراطية، والمشاركة في الانتخابات، وعدالة التنافس الحقيقي ونزاهة العملية الانتخابية"، مرجحا أن يكون هناك دور للأمم المتحدة والمرجعية الدينية والشارع لمنع تمرير هذا التعديل.

في حين يذهب الباحث في شؤون الانتخابات دريد توفيق أبعد من ذلك، من خلال الدعوة لمعالجة المشاكل في قانون الانتخابات الحالي بدل اعتماد تعديل يعيد قانون الانتخابات القديم.

وقال الباحث دريد توفيق، في تصريح لشبكة "الساعة": إن "قانون الانتخابات الحالي فيه الكثير من العلل والمشاكل مثل مسألة احتساب الأصوات، ففي عام 2021 أدلى 9 ملايين و600 ناخب بأصواتهم بينهم 722 ألف ورقة باطلة لم تحتسب".

وأضاف أن "هذا العدد يساوي 8 % من أجمالي الناخبين بسبب أخطاء فنية قام بها الناخب جهلاً أو عمداً لمعارضته العملية السياسية لهذا هناك تفاوت كبير بين العد والفرز اليدوي والإكتروني فضلاً عن غياب أصوات نحو 2500 صندوق لم تصل نتائجهم كما حدث في أخر انتخابات نتيجة أخطاء فنية".

وأوضح توفيق، أن أخطر شيء هو صناعة قانون الانتخابات لأنه إما يذهب بالبلد إلى الهاوية أو إلى الرقي، مؤكداً أن بعض فقرات القانون الحالي لا تتلاءم مع عمر وتاريخ العراق، وفيها الكثير من الأخطاء".

وبين أنه كان يفترض أن يكون قانون الانتخابات مشرع من قبل الدستور حتى نتجاوز إشكالية تغيير قانون الانتخابات في كل دورة انتخابية.

وفي وقت تترقب الأحزاب السياسية نتيجة المباحثات الخاصة بتعديل قانون الانتخابات، تزداد المخاوف من أن تعيد ردة فعل الشارع العراقي مشهد احتجاجات تشرين، لا سيما وأن التعديل الحالي يأتي في ظل جملة من المشاكل والأزمات أبرزها مشكلة سعر صرف الدولار وتداعياته المستمرة على ارتفاع الأسعار لغاية اليوم.