تضاربت الأنباء والتصريحات حول عدد الاتفاقيات والتفاهمات الأمنية بين العراق وتركيا، بعد القصف الذي طال المدنيين في مصيف قرية "برخ" في محافظة دهوك شمالي العراق، والذي أسفر عن مقتل 9 أشخاص وجرح آخرين، إذ يرى البعض أن قصف القوات التركية لمواقع تنظيم "بي كا كا" يتم بموجب الاتفاقية الأمنية بين البلدين، فيما يرى آخرون أن استهداف عناصر التنظيم في الأراضي العراقية انتهاكًا لسيادة البلاد.

رغم أن تركيا تقصف تنظيم "بي كا كا" في العراق منذ ثمانينات القرن الماضي بموجب الاتفاقات والتفاهمات الموقعة بين البلدين، إلا أن وزارة الخارجية نفت وجود أية اتفاقية أمنية وعسكرية تسمح للقوات التركية بالتوغل في الأراضي العراقية، بحسب بيان المتحدث باسم الخارجية العراقية، أحمد الصحاف، على إثر القصف الأخير.

‏وفي حين أكد الباحث والأكاديمي العراقي، فراس إلياس، وجود عدة مذكرات تفاهم موقعة بين العراق وتركيا، تعطي الحق للجانب التركي بتنفيذ عمليات محدودة داخل الحدود العراقية.

 ويجيب إلياس، خلال مقابلة مع شبكة "الساعة"، عن "إمكانية انسحاب العراق من مذكرات التفاهم الأمني الموقعة مع الجانب التركي والخاصة بملاحقة عناصر "بي كا كا"، وعن مستقبل وجود القوات التركية بعد الهجمات الأخيرة؟

وذكر أن "عام 1982 عقد تنظيم حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه الحكومة التركية إرهابياً، مؤتمراً في لبنان، وقرر خلاله التمركز في شمال العراق، مستغلًا الفراغ الذي كان يعاني منه العراق بسبب الحرب مع إيران، وبدأ التموضع في معسكر لولان على الحدود العراقية التركية الإيرانية".

وتابع أن "هذه التطورات أثارت قلق تركيا، ودفعتها إلى توقيع مذكرة تفاهم مع الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين عام 1983، بهدف تحقيق الأمن على الحدود بين البلدين، وهي مذكرة سمحت لها بالدخول 10 كلم ضمن الأراضي العراقية".

وأضح أن "عام 2007 وأثناء زيارة رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي إلى تركيا، وبعد توقيع اتفاقية التعاون الاستراتيجي بين البلدين، تم توقيع مذكرة تفاهم أمني بين الطرفين، وسمحت لتركيا الدخول بعمق 35 كلم ضمن الأراضي العراقية لملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني".

وبين أن "المصادر التركية تحدثت عن إن رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي أعطى ضوءًا أخضر للجانب التركي لتنفيذ عمليات قصف وتحليق للطائرات المسيرة بعمق 50 كلم لملاحقة وتدمير أوكار حزب العمال الكردستاني، خلال زيارته إلى تركيا".

واستبعد إلياس "وضع حد لهذه المعضلة، إلا بإعادة الجيش العراقي إلى هذه المناطق، وإجبار تركيا والحشود العسكرية والبيشمركة على التسليم بسلطة الدولة الاتحادية، وأن يتم اعتماد القوة الساحقة لإنهاء تواجد حزب العمال الكردستاني بأي طريقة كانت".

حول القصف الأخير، أكد الباحث والأكاديمي، إن "قطع العلاقات مع تركيا أو الاتجاه نحو تصعيد سياسي وعسكري أمر مستبعد".

وزاد أن "العلاقات العراقية التركية غير مركزية كون أن تركيا لها علاقات مع حكومتي المركز والإقليم، فضلاً عن صعوبة التوفيق بين الطرفين لاختلاف المصالح بين بغداد وأربيل".

وأشار إلى أن "إخراج قوات بي كا كا من البلاد أمر خارج صلاحيات بغداد، وأن إيران والفصائل المسلحة هي من تتحكم به، فضلاً عن ضعف الإمكانية العسكرية لدى العراق وقلة تواجده في مناطق سنجار ومقترباته شمالاً وغرباً باتجاه سوريا وهي مناطق نفوذ بي كا كا".

وذكر أن "الجانب التركي عرض على الحكومة العراقية خلال انطلاق عمليات مخلب النسر الغطاء الجوي مقابل تحرك الجيش العراقي على الأرض من أجل إخراج قوات بي كا كا من الأراضي العراقية إلا أن الفصائل المسلحة وقيادات تحالف الفتح رفضته آنذاك".

ولفت إلى أن "مجلس الأمن سينعقد يوم الثلاثاء لمناقشة الأزمة وسيصدر قرار دولي بضبط العلاقات وبذل الأطراف الجهود لحلحلة الأزمة من دون أي قرار إدانة لما يترتب عليه من تبعات".

ورجح أن "السيناريو القادم والأقرب أن العراق سيتجه إلى توقيع مذكرة تفاهم جديدة أو بلورة مذكرات التفاهم السابقة لتحديد مسارات العلاقات بين البلدين وتحديد حقوق والتزامات كل طرف لعدم تكرار حوادث مشابهة كما يحفظ وجود تركيا داخل الشأن العراقي".

واختتم الباحث والأكاديمي قوله، إن "هناك صعوبة بإعطاء ضمانات للجانب التركي في حال انسحابها لعدم وجود قوة تملأ الفراغ مع استمرار تواجد فصائل مسلحة مدعومة من إيران".

ولم تكن العمليات العسكرية التركية لملاحقة مسلحي تنظيم "بي كا كا" شمالي العراق وليدة اللحظة، فتلك العمليات بدأت في ثمانينات القرن الماضي، وارتكزت حينها على اتفاقات مع الحكومات العراقية بعد وقبل 2003.

وأطلقت وزارة الدفاع التركية خلال العامين الماضيين أكثر من عملية عسكرية لملاحقي عناصر "بي كا كا"، داخل الأراضي العراقية.

ويؤكد كبار المسؤولين الأتراك أن عملياتهم العسكرية شمالي العراق تأتي بتنسيق مسبق مع حكومتي بغداد وأربيل.

وتعجز السلطات العراقية عن فرض سلطتها على المواقع التي يتواجد فيها تنظيم "بي كا كا"، فضلا عن قيام التنظيم بشن هجمات على قوات الجيش والبيشمركة أسفرت عن مقتل عدد من العسكريين.

كما تورط تنظيم "بي كا كا" بخطف عشرات من أبناء قضاء سنجار منهم نساء، فضلا عن إدارته سجونا سرية في جبل سنجار، فيما يتسبب بقاؤه في القضاء بمنع عودة آلاف العائلات النازحة لمناطقهم، بحسب أهالي قضاء سنجار.