لم تكن فكرة الربط الكهربائي وليدة الأيام الماضية، فبعد فشل الحكومات المتعاقبة بعد 2003 في معالجة أزمة الكهرباء في العراق؛ لجأت حكومة العبادي (رئيس الوزراء العراقي 2014 - 2018) إلى فكرة الربط الخليجي مع دول عدة لمعالجة معضلة انقطاع التيار الكهربائي المستمر في معظم محافظات البلاد، خصوصًا بعد موجة الاحتجاجات التي شهدتها البلاد بسب تراجع تزويد ساعات التجهيز.
وفي العام 2014، طرحت وزارة الكهرباء العراقية، فكرة ربط البلاد بدول مجلس التعاون الخليجي خلال اجتماع الأمانة العامة لدول الربط الكهربائي الثماني، إلا أن الفكرة لم يكتب لها النجاح بسبب الضغوط الخارجية فضلاً عن المناخ السياسي بين العراق وتلك الدول في تلك الفترة.
ورغم الإعلان في مناسبات عدة عن التوصل إلى الاتفاقات وتفاهمات للمضي بالربط الخليجي إلا أنها بقيت وعودًا ضمن البرامج الحكومية لأحزاب السلطة من دون تنفيذ، وبقي العراق متعمدًا على إيران بصورة كاملة بالرغم تنصلها عن التزاماتها في أكثر من مرة عبر تقليل حصة العراق من الغاز؛ إلا أنها نجحت في إبعاد العراق عن محيطه العربي خصوصًا في موضوع الربط الكهربائي.
وذكر وزير الكهرباء (في حكومة حيدر العبادي)، قاسم الفهدواي، أن العراق تلقى عرضاً بالمساعدة عبر مكالمة هاتفية من وزير الطاقة السعودي في حينه، قائلاً إن "الأخير تعهد بتوفير الغاز حسب احتياج العراق، على أن يصل خلال 24 ساعة من الكويت، وخلال 6 أيام تصل الشحنات من السعودية، بالإضافة إلى إرسال فريق من شركة "آرامكو" للعمل في العراق، واستخراج الغاز وبيعه بـ 7.5 سنت".
وأضاف أن "الدور الإيراني أفشل العرض، رغم موافقة رئيس الوزراء حينها على العرض، وتحديد موعد السفر للملكة لتوقيع الاتفاقيات، لكن تم إلغاء السفر ورفض العرض قبل توقيعه بيوم، بسبب الضغوطات الإيرانية التي مورست لإخضاع العراق وإبقائه تحت سيطرتها".
وكان آخر وأفضل العروض ما كشفت عنه وزارة الكهرباء العراقية، في العام 2018، إذ تقدمت السعودية بعرض بناء محطة طاقة شمسية تهدف لبيع الكهرباء للعراق بسعر يقل كثيرًا عن السعر الذي تشتري به بغداد الكهرباء من إيران.
وقالت الوزارة حينها إن "العرض الذي لم توافق عليه بغداد تتضمن بناء محطة في السعودية خلال عام من توقيع الاتفاق تنتج 3000 ميغاواط لتزويد العراق فيها، وبموجب الصفقة سيشتري العراق الكهرباء بسعر 21 دولارا لكل ميغاواط/ساعة، أي بربع ما يدفعه العراق مقابل إمدادات الكهرباء من إيران"، إلا أن الحكومة العراقية في وقتها لم توافق على العرض.
وقبل يومين، وقعت هيئة الربط الكهربائي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ووزارة الكهرباء العراقية على هامش قمة جدة للأمن والتنمية التي تستضيفها السعودية، عقد الربط بين شبكة الربط الخليجي وشبكة كهرباء جنوب العراق، بحضور وزير الطاقة السعودي، عبد العزيز بن سلمان بن عبد العزيز، ووزير النفط العراقي، إحسان عبد الجبار.
ويأتي توقيع العقد، ترجمةً لتوجيهات قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية انطلاقًا من حرصهم على تنمية العراق وازدهاره؛ إذ يشمل العقد قيام هيئة الربط الكهربائي الخليجي بإنشاء خطوط ربط كهربائي من المحطة التابعة للهيئة بالكويت إلى محطة الفاو الواقعة جنوب العراق.
وتقوم المحطة بإمداد العراق بنحو 500 ميكاواط من الطاقة من دول مجلس التعاون عن طريق شبكة الربط الكهربائي الخليجي، بما فيها خطوط الربط الكهربائي الجديدة التي سيتم إنشاؤها والتي سيستغرق العمل فيها قرابة 24 شهرًا، بقدرة نقل إجمالية تصل إلى ألف و800 ميكاواط، وذلك تنفيذاً لمذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين في بداية عام 2022.
ويرى عبد العزيز بن سلمان بن عبد العزيز، وزير الطاقة السعودي، أن استكمال المشروع يأتي في إطار رؤية السعودية 2030 وبرامجها التنفيذية، التي تُركز على استثمار الموقع الاستراتيجي للمملكة، وطبيعة شبكتها الكهربائية، التي تعد الأكبر في منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي، لجعل المملكة مركزاً إقليمياً لربط شبكات الطاقة الكهربائية.
وتعد مذكرة التفاهم الموقعة مع جمهورية العراق، ومشروع الربط الكهربائي نتيجة لدراسة شاملة ومفصلة، قام بها الفريق الفني المشترك بين الجانبين، وتوصّلت الدراسة إلى أن مشروع الربط الكهربائي السعودي العراقي سيسهم في دعم موثوقية الشبكات الكهربائية في البلدين، وتحقيق وفورات اقتصادية، وتعزيز تحقيق مزيج الطاقة الأمثل من الطاقة لإنتاج الكهرباء، ودعم استيعاب الشبكات الكهربائية لدخول الطاقة المتجددة، وتحقيق الاستثمارات المثلى في مشروعات توليد الكهرباء.
يذكر أن توقيع المحضر جاء إنفاذا لما نصت عليه مذكرة التفاهم بشأن الربط الكهربائي؛ حيث جرى استكمال الإجراءات اللازمة المتصلة بإبرام اتفاقيات الربط الكهربائي بين الشركة السعودية للكهرباء ووزارة الكهرباء العراقية ممثلة بالشركة العامة لنقل الطاقة الكهربائية/ المنطقة الوسطى في العراق، ويتضمن المحضر الموقع مبادئ اتفاق الربط الكهربائي بين الجانبين، الذي سيربط بين عرعر واليوسفية قرب بغداد بسعة 1000 ميكاواط وجهد 400 كيلو فولت بطول يصل إلى حوالي 435 كم.
وينتج العراق 19 - 21 ألف ميغاوات من الطاقة الكهربائية، بينما الاحتياج الفعلي يتجاوز 30 ألف ميغاوات، وفقا لمسؤولين في قطاع الكهرباء.
وتغذي إيران العراق بالغاز من خلال خطين للأنابيب يستخدمان لمحطات توليد الطاقة في البصرة، السماوة والناصرية وديالى.
وبينما يدفع العراق مبالغ كبيرة في استيراد الغاز الطبيعي من إيران، فإنه يحرق 10 أضعاف الكميات التي يستوردها منها، وذلك بحسب معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، ويهدر يصل إلى مليارين و500 مليون دولار سنوياً.
ويعاني العراق أزمة نقص الكهرباء منذ عقود جراء الحروب المتعاقبة وعدم استقرار الأوضاع الأمنية في البلاد، فضلا عن استشراء الفساد.
ويزداد نقم السكان على الحكومة خلال فصل الصيف جراء الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة ووصولها في بعض المناطق إلى 50 مئوية.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام