يمثل الدينار العراقي أحد أبرز الرموز النقدية التي تعكس التحولات السياسية والاقتصادية التي مر بها العراق خلال تاريخه الحديث، فمنذ تأسيسه ارتبط الدينار بقوة بالجنيه الإسترليني، ومرّ بفترات اتسمت بالاستقرار والقوة، قبل أن يدخل مراحل من التراجع الحاد نتيجة الحروب والعقوبات والأزمات الاقتصادية، وبذلك أصبح الدينار مرآة تعكس إلى حد كبير مسار الدولة العراقية وتحولاتها الاقتصادية والسياسية.

نشأة الدينار العراقي وقيمته التأسيسية (1931–1958)

قبل اعتماد الدينار العراقي، كانت الروبية الهندية العملة المتداولة في العراق، نتيجة النفوذ البريطاني في البلاد، وفي عام 1931 أُنشئ مجلس عملة العراق في لندن للإشراف على إصدار العملة الوطنية الجديدة، وبدأ تداول الدينار العراقي رسمياً في آذار/مارس أو نيسان/أبريل 1932، ليحل محل الروبية بمعدل دينار واحد مقابل 11 روبية.

ومنذ إطلاقه ارتبط الدينار العراقي بالجنيه الإسترليني بسعر تعادلي بلغ ديناراً واحداً مقابل جنيه إسترليني واحد، واستمر هذا الارتباط حتى عام 1959، وقد منح هذا النظام الدينار درجة عالية من الاستقرار والثقة، إذ كانت قيمة الدينار تعادل آنذاك نحو 4.86 دولار أمريكي.

وشهدت هذه المرحلة تطورات مؤسسية مهمة في النظام النقدي العراقي، من أبرزها تأسيس المصرف الوطني العراقي عام 1947، الذي تولى مسؤولية إصدار العملة رسمياً ابتداءً من عام 1949، بعد إلغاء مجلس العملة، مع استمرار السياسة النقدية التحفظية، كما شهد عام 1932 إصدار أولى العملات الورقية والمعدنية العراقية.

الدينار في العهد الجمهوري وتحولات القيمة (1959–1979)

مع قيام الجمهورية العراقية عام 1958، دخل الدينار مرحلة جديدة من التطور النقدي. ففي عام 1959 أُنهي ارتباطه بالجنيه الإسترليني، وأعيد ربطه بالدولار الأمريكي بسعر بلغ ديناراً واحداً مقابل 2.80 دولار، مع المحافظة على قيمته الاسمية عند الانتقال إلى النظام الجديد.

وكان المصرف الوطني العراقي قد تحول عام 1956 إلى البنك المركزي العراقي، ومنح صلاحيات أوسع في إدارة السياسة النقدية، وخلال الستينيات والسبعينيات شهد الدينار تغيرات في قيمته؛ إذ تشير بعض المصادر إلى ارتفاع قيمته إلى نحو 3.30 دولار عام 1960، ثم إلى قرابة 3.38 دولار في أوائل السبعينيات، نتيجة عدم انخفاض قيمته بالتزامن مع تخفيضات قيمة الدولار عالمياً عامي 1971 و1973، فضلاً عن تحسن إيرادات النفط.

وفي مرحلة لاحقة خُفضت قيمة الدينار بنحو 5% ليستقر سعره الرسمي عند 3.2169 دولار للدينار الواحد، وظل هذا السعر قائماً حتى عام 1990، الأمر الذي عكس حالة من الاستقرار النسبي للعملة خلال تلك الحقبة، خصوصاً مع ارتفاع الإيرادات النفطية وتأميم المصارف عام 1964.

حقبة الحروب والعقوبات وانعكاساتها على الدينار (1980–2003)

دخل الدينار العراقي خلال ثمانينيات القرن الماضي مرحلة مختلفة نتيجة الحروب والصراعات والعقوبات الاقتصادية. وخلال الحرب العراقية–الإيرانية (1980–1988)، ظل السعر الرسمي للدينار مستقراً نسبياً عند مستويات تراوحت بين 3.2 و3.3 دولار، إلا أن السوق الموازية شهدت تدهوراً متزايداً، ووصل سعر الدولار إلى نحو ستة أضعاف السعر الرسمي في أواخر عام 1989.

ومع غزو الكويت في أغسطس 1990 وفرض العقوبات الدولية على العراق، توقفت طباعة العملة عالية الجودة المعروفة باسم "الدينار السويسري"، الأمر الذي أدى إلى ظهور ازدواجية نقدية تمثلت في تداول الدينار السويسري إلى جانب ما عُرف لاحقاً بـ"دينار صدام" ذي الجودة الأقل. وسرعان ما فقد الدينار الجديد جزءاً كبيراً من قيمته، حتى بلغ سعر الدولار في السوق السوداء نحو 3,000 دينار بحلول أواخر عام 1995.

وفي محاولة لمواجهة التضخم وتلبية الحاجة إلى فئات نقدية أكبر، أصدر البنك المركزي العراقي فئات جديدة من العملة، من بينها فئة 10,000 دينار التي ظهرت لأول مرة عام 2002.

الدينار العراقي الجديد ومسيرة البحث عن الاستقرار

بعد سقوط النظام السابق عام 2003، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الدينار العراقي، تمثلت في إصدار عملة جديدة هدفت إلى توحيد الإصدارات النقدية السابقة وتعزيز مستوى الأمان والثقة بالعملة. وتولت شركة "دي لا رو" طباعة الأوراق النقدية الجديدة.

وجرت عملية استبدال العملة خلال الفترة الممتدة من 15 أكتوبر/تشرين الأول 2003 إلى 15 يناير/كانون الثاني 2004، حيث استُبدل كل دينار من العملة السابقة بدينار جديد، في حين استُبدل كل دينار سويسري قديم بـ150 ديناراً جديداً.

وبعد طرح العملة الجديدة، بلغ سعر الدولار نحو 1,990 ديناراً في نوفمبر 2003، ثم تحسن إلى قرابة 1,690 ديناراً في نهاية كانون الثاني/يناير 2004، ليستقر خلال عام 2004 في نطاق تراوح بين 1,453 و1,500 دينار للدولار.

واصل الدينار تحسنه تدريجياً حتى عام 2007، عندما بلغ سعر الدولار نحو 1,265 ديناراً، ثم استقر خلال الفترة 2008–2014 عند مستويات تراوحت تقريباً بين 1,180 و1,190 ديناراً للدولار، مدعوماً بارتفاع أسعار النفط وتحسن الإيرادات النفطية.

غير أن الفترة 2014–2019 شهدت تقلبات أكبر في السوق الموازية، رغم استمرار السعر الرسمي عند حدود 1,190 ديناراً للدولار، نتيجة التحديات الأمنية وتراجع أسعار النفط، وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية.

وفي 19 ديسمبر/كانون الأول 2020 قرر البنك المركزي العراقي تخفيض قيمة الدينار رسمياً بنحو 22–24%، ليصبح السعر الرسمي في حدود 1,460 ديناراً للدولار، وترافق القرار مع ارتفاع في مستويات الأسعار، واستمر هذا المستوى خلال عامي 2021 و2022، في حين شهدت السوق الموازية ارتفاعاً مؤقتاً في سعر الدولار قبل أن تعود إلى الاستقرار النسبي.

وفي 7 فبراير/شباط 2023 جرى تعديل السعر الرسمي للدينار ليبلغ نحو 1,300 دينار للدولار، في محاولة لمواجهة الضغوط التضخمية والارتفاع الكبير في سعر الدولار في السوق الموازية، الذي تجاوز في بعض الفترات 1,700 دينار للدولار.

وبعد تعديل السعر الرسمي، تراجع سعر الدولار في السوق الموازية تدريجياً، ليصل إلى نحو 1,559 ديناراً بنهاية عام 2023. وحتى 15 آب/أغسطس 2026، بلغ السعر الرسمي المعتمد من البنك المركزي نحو 1,310 دنانير للدولار للجمهور، أي ما يعادل 131 ألف دينار لكل 100 دولار، في حين تراوح سعر الدولار في السوق الموازية ببغداد بين نحو 156,600 دينار لكل 100 دولار للشراء، و156,000 و157,000 دينار للبيع، ويعكس ذلك استمرار الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، في وقت لا تزال فيه خطة حذف ثلاثة أصفار من العملة، التي أُعلن عنها عام 2010، قيد الدراسة ولم تدخل حيز التنفيذ.

الأسباب الرئيسية لتذبذب الدينار العراقي

يرتبط تذبذب سعر صرف الدينار العراقي بمجموعة من العوامل الاقتصادية والمالية، يأتي في مقدمتها تهريب العملة الأجنبية، إذ تُهرّب كميات من الدولار إلى خارج البلاد من خلال شبكات غير رسمية، وأحياناً عبر عمليات تجارية وتحويلات مالية غير مشروعة، الأمر الذي يزيد الطلب على الدولار ويعمق الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية.

كما يمثل الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية أحد أبرز العوامل المؤثرة في استقرار الدينار، إذ يجعل الاقتصاد العراقي شديد التأثر بتقلبات أسعار النفط العالمية، وبالتالي بتغير تدفقات العملة الأجنبية والعرض والطلب على الدولار.

وتسهم كذلك القيود المرتبطة بالتحويلات المالية وإجراءات مكافحة غسل الأموال والعقوبات الدولية في التأثير على تدفق الدولار عبر القنوات الرسمية، الأمر الذي قد يدفع بعض المتعاملين إلى اللجوء إلى السوق الموازية.

إلى جانب ذلك، أسهمت ظاهرة الفساد وهروب رؤوس الأموال والعوامل الأمنية في إضعاف الثقة بالاقتصاد والعملة المحلية، فضلاً عن تأثير التحويلات المالية غير الخاضعة للرقابة في حركة النقد الأجنبي واحتياطيات البلاد.

وفي إطار مواجهة هذه الضغوط، كثف البنك المركزي العراقي عمليات بيع الدولار من خلال القنوات الرسمية بهدف زيادة المعروض من العملة الأجنبية وتقليص الفجوة مع السوق الموازية، كما اتخذت الحكومة إجراءات لتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد والحد من عمليات تهريب العملة، وشملت الإجراءات منع عدد من المصارف المحلية من التعامل بالدولار، ضمن سياسة تهدف إلى الحد من مصادر السوق غير الرسمية وتعزيز الثقة بالنظام المالي.

أسباب التحسن الأخير للدينار

شهد الدينار العراقي خلال فترات محددة تحسناً نسبياً نتيجة مجموعة من الإجراءات النقدية والمالية الهادفة إلى تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، ومن أبرز هذه الإجراءات التوسع في توفير الدولار عبر القنوات الرسمية، إلى جانب الانتقال نحو نظام جديد لتمويل التجارة ما أسهم في تنظيم عمليات التحويل التجاري وتعزيز الرقابة عليها.

كما ساهم التحول الرقمي في القطاع المالي، من خلال زيادة استخدام أجهزة الصراف الآلي والمحافظ الإلكترونية، في توجيه جزء أكبر من عمليات التداول نحو القنوات الرسمية وتقليل الاعتماد على التعاملات النقدية غير المنظمة، وفي هذا السياق، اتخذ البنك المركزي خطوات باتجاه تطوير أدوات الدفع الإلكتروني وتنظيم التعاملات المالية الرقمية.

كذلك أسهم توفير الدولار للمسافرين بالسعر الرسمي، إلى جانب إجراءات إصلاح القطاع المصرفي، في تخفيف جزء من الطلب على الدولار في السوق الموازية وتحسين قدرة المصارف على تنفيذ عمليات التمويل والتجارة الخارجية.

ومن العوامل الداعمة للاستقرار أيضاً ارتفاع احتياطيات النقد الأجنبي، التي بلغت نحو 100.3 مليار دولار بنهاية عام 2024، الأمر الذي وفر قدرة أكبر على تمويل الواردات بالدولار وساعد في دعم استقرار تدفقات العملة الأجنبية عبر القنوات الرسمية، وبذلك تضافرت الإجراءات النقدية والمصرفية مع قوة الاحتياطيات الأجنبية لتوفير قدر أكبر من الاستقرار لسعر صرف الدينار وتقليص الضغوط على العملة المحلية.