كثّفت روسيا منذ مطلع الصيف هجماتها على العاصمة الأوكرانية كييف باستخدام مسيّرات جديدة مزودة بمحركات نفاثة، تتميز بسرعة أعلى وقدرة أكبر على التحليق وحمل كميات أكبر من المتفجرات مقارنة بالطرازات التقليدية، ما أربك منظومة الدفاع الجوي الأوكرانية وعطّل الحياة في العاصمة بشكل متكرر.
وتصل سرعة هذه المسيّرات إلى 600 كيلومتر في الساعة، فيما يمكنها التحليق على ارتفاع يصل إلى خمسة كيلومترات وحمل نحو 90 كيلوغراماً من المتفجرات. وتقدر نسبة إسقاطها بنحو 60%، مقارنة بأكثر من 90% للمسيّرات التقليدية.
وندد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الأحد، بما وصفه بـ"الرعب الذي يجري في السماء خلال الأيام الأخيرة"، معتبراً أن الهجمات تمثل "تكتيكاً جديداً" للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
ومنذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، طورت كييف منظومة منخفضة التكلفة وفعالة نسبياً للتصدي للمسيّرات، ما جعلها نموذجاً في هذا المجال، خصوصاً بعدما تمكنت من إسقاط الغالبية العظمى من المسيّرات بعيدة المدى من طراز "شاهد" الإيرانية الصنع، ولا سيما باستخدام مسيّرات اعتراضية.
إلا أن هذه المنظومة تواجه اختباراً صعباً مع اعتماد روسيا أعداداً متزايدة من المسيّرات النفاثة الجديدة منذ الصيف، والتي يقول خبراء إنها مزودة بمحركات نفاثة صينية الصنع.
وتستطيع هذه المسيّرات التحليق على ارتفاع يصل إلى خمسة كيلومترات وبسرعة تتراوح بين 400 و600 كيلومتر في الساعة، مقارنة بنحو 180 كيلومتراً في الساعة للطرازات السابقة.
كما يمكن لأحدث طرازاتها حمل ما يصل إلى 90 كيلوغراماً من المتفجرات، أي نحو ضعف حمولة الطرازات السابقة، فضلاً عن حجمها الأكبر، إذ يبلغ طولها ستة أمتار وامتداد جناحيها 5.5 أمتار.
وتجعل هذه المواصفات المسيّرات الجديدة أقرب في قدراتها إلى صواريخ كروز، وتضعها خارج مدى مسيّرات الاعتراض الأوكرانية المستخدمة حالياً.
وقال الخبير العسكري الأوكراني سيرغي زغوريتس لوكالة فرانس برس إن هذه الطائرات "تبدد كل التقدم الذي أحرزناه في مكافحة" المسيّرات التقليدية.
وبحسب تقديرات أوكرانية، أطلقت روسيا نحو 2800 من هذه المسيّرات خلال أغسطس، مقابل 1500 في يوليو، وبضع مئات في يونيو، فيما لا تتجاوز نسبة إسقاطها نحو 60%.
شلل في كييف بسبب الغارات النهارية والليلية
تتعرض كييف والمنطقة المحيطة بها لهجمات مدمرة، وأحياناً دامية، بصورة خاصة منذ 27 أغسطس، بعدما شهدت العاصمة خلال الصيف تصعيداً في الهجمات بالصواريخ الباليستية، بالتزامن مع استمرار الحرب الروسية لأكثر من أربعة أعوام.
والجمعة الماضية، أصابت إحدى هذه المسيّرات مقر أجهزة الأمن في وسط كييف التاريخي، في ضربة ذات دلالة رمزية كبيرة نُفذت خلال ساعات النهار.
وبخلاف المسيّرات التقليدية التي كانت تهاجم العاصمة بالعشرات ضمن موجات مركزة زمنياً، باتت المسيّرات النفاثة تقترب في مجموعات صغيرة، ليلاً ونهاراً.
وأدى ذلك إلى ارتفاع كبير في عدد الإنذارات الجوية، التي تصل أحياناً إلى نحو 12 إنذاراً في اليوم، ويتوالى بعضها تباعاً دون فترات هدوء طويلة.
وتسبب هذا الوضع في تعطيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية، إلى درجة دفعت السلطات إلى تخفيف بعض إجراءات السلامة بصورة نادرة، بهدف إبقاء العاصمة قادرة على العمل.
وتغلق مؤسسات ومتاجر كثيرة أبوابها خلال الإنذارات الجوية، فيما تعاني المدينة، التي يقطنها نحو ثلاثة ملايين نسمة، نقصاً حاداً في الملاجئ المخصصة للحماية من القصف.
كما تُقيّد حركة قطارات المترو، ما يؤدي إلى اختناقات مرورية وفوضى في التنقل، بينما أعلنت مدارس عدة الانتقال إلى التعليم عن بُعد.
كييف تحتاج إلى أشهر لتطوير وسائل اعتراض جديدة
وتعرضت السلطات لانتقادات بسبب عدم استباق هذا التهديد، فيما يقول محللون إن روسيا بدأت إنتاج هذه المسيّرات قبل نحو 18 شهراً، وباتت قادرة حالياً على تصنيع ما يصل إلى ثلاثة آلاف منها شهرياً.
وقال المدوّن الأوكراني المقرب من دوائر الدفاع الجوي نيكولايفسكي فانيوك، الذي يتابعه أكثر من 2.6 مليون شخص على منصة تلغرام، إن الروس "يمتلكون نافذة فرصة بفضل هذه المسيّرات النفاثة".
وبحسب تقديراته، أصبحت هذه الطائرات مسؤولة عن "90% من جميع إصابات المسيّرات لأهدافها".
وفي مواجهة هذا التهديد، عقد زيلينسكي، الخميس الماضي، اجتماعاً مع قياداته العسكرية لتسريع إنتاج مسيّرات اعتراضية أسرع وأكثر قدرة على التعامل مع الطائرات النفاثة.
وقال إن شركات أوكرانية لصناعة الأسلحة طورت بالفعل نماذج أولية، وعليها الآن "الارتقاء بهذا السلاح الجديد إلى مستوى الفاعلية المطلوب".
وقال مسؤول في شركة أوكرانية كبيرة متخصصة في تصنيع مسيّرات اعتراض الطائرات التقليدية، طالباً عدم الكشف عن هويته، لوكالة فرانس برس: "نعمل بصورة مكثفة على إيجاد حل"، من دون تحديد جدول زمني للوصول إلى نتيجة فعالة.
ويرى زغوريتس، مدير مركز "ديفنس إكسبرس" للتحليل، أن مسيّرات الاعتراض، التي لم تثبت فاعليتها بعد، ليست سوى أحد الخيارات المطروحة لمواجهة التهديد الجديد.
وأوضح أن الاستجابة الفعالة تتطلب الجمع بين عدة وسائل، تشمل الطائرات الحربية ومنظومات الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية، إلى جانب استهداف مواقع إطلاق المسيّرات ومراكز إنتاجها داخل روسيا.
وقال إن "الروس حققوا تقدماً في هذه الدورة التكنولوجية"، مشيراً إلى أن تطوير تدابير مضادة فعالة في هذا النوع من المواجهات يحتاج عادة إلى "ما يصل إلى ستة أشهر".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام