تعكس مؤشرات الاقتصاد العراقي خلال الفترة 2023–أيار/مايو 2026 مجموعة من التحولات المهمة في الوضع النقدي والمالي والاقتصادي، ولا سيما فيما يتعلق بالاحتياطيات الأجنبية، والتضخم، وسعر الصرف، والسيولة النقدية، والودائع والائتمان، إلى جانب المالية العامة والدين العام والتجارة الخارجية، وتظهر البيانات استمرار أهمية السياسة النقدية في دعم الاستقرار النقدي، مقابل وجود ضغوط مرتبطة بتراجع بعض المؤشرات المالية والنقدية خلال الفترة الأخيرة.

الاحتياطيات الأجنبية والذهب

شهدت الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي العراقي تراجعاً خلال الفترة الممتدة من 2023 ولغاية أيار/مايو 2026، فقد انخفضت من 111.736 مليار دولار في كانون الأول/ديسمبر 2023 إلى 100.267 مليار دولار في كانون الأول/ديسمبر 2024، ثم إلى 97.432 مليار دولار في نهاية 2025. 

وخلال الأشهر الأولى من عام 2026 ارتفعت الاحتياطيات مؤقتاً إلى 102.131 مليار دولار في شباط/فبراير، قبل أن تتراجع إلى 93.673 مليار دولار في أيار/مايو 2026، ما يبين انخفاضاً ملحوظاً في حجم الاحتياطيات مقارنة بنهاية 2023، بما يؤكد أهمية إدارة الموجودات الأجنبية والحفاظ على مستويات كافية منها لدعم استقرار سعر الصرف وتمويل التجارة الخارجية.

كما ارتفعت قيمة احتياطيات الذهب بصورة واضحة، إذ زادت من 12.293 تريليون دينار في 2023 إلى 17.834 تريليون دينار في 2024، ثم إلى 31.488 تريليون دينار في 2025، قبل أن تبلغ 33.295 تريليون دينار في أيار/مايو 2026. ويشير ذلك إلى تنامي أهمية الذهب ضمن مكونات الأصول الاحتياطية للبنك المركزي.

التضخم واستقرار سعر الصرف

اتسم معدل التضخم خلال السنوات الثلاثة الأخيرة بانخفاض واضح مقارنة بمستويات السنوات السابقة، إذ تراجع من 4.0% عام 2023 إلى 2.6% عام 2024، ثم إلى 0.3% عام 2025. وفي عام 2026 ارتفع تدريجياً من صفر بالمئة في كانون الثاني/يناير إلى 4.3% في نيسان/أبريل، قبل أن يتراجع إلى 3.0% في أيار/مايو، كما سجل التضخم الأساسي مساراً مشابهاً؛ إذ انخفض من 4.5% عام 2023 إلى 0.2% عام 2025، ثم ارتفع إلى 2.5% في مايو 2026.

أما سعر الصرف الرسمي، فقد اتسم باستقرار كبير خلال الفترة الأخيرة؛ إذ بلغ 1,300 دينار للدولار خلال عامي 2024 و2025 واستمر عند المستوى نفسه حتى أيار/مايو 2026، مقابل 1,316 ديناراً في كانون الأول/ديسمبر 2023. ما يوضح استمرار البنك المركزي في استخدام السياسة النقدية وإدارة سوق الصرف للحفاظ على استقرار قيمة الدينار.

العملة المصدرة والسيولة النقدية

أظهرت العملة المصدرة تحركاً تصاعدياً خلال الأشهر الأولى من 2026، بعد أن بلغت 101.481 تريليون دينار في كانون الأول/ديسمبر 2023 وانخفضت إلى 100.543 تريليون دينار في 2024 و99.799 تريليون دينار في نهاية 2025. ثم ارتفعت إلى 113.560 تريليون دينار في أيار/مايو 2026، بزيادة واضحة خلال خمسة أشهر.

وتزامن ذلك مع ارتفاع صافي العملة خارج المصارف من 92.560 تريليون دينار في نهاية 2025 إلى 106.812 تريليون دينار في أيار/مايو 2026، في حين بلغت العملة الموجودة لدى المصارف 6.748 تريليون دينار في الشهر نفسه، ويشير ارتفاع العملة خارج الجهاز المصرفي إلى استمرار الوزن الكبير للنقد المتداول خارج المصارف في هيكل السيولة النقدية، وهو ما يمثل تحدياً أمام توسيع نطاق الوساطة المصرفية والدفع الإلكتروني.

عرض النقد والودائع

شهدت مؤشرات العرض النقدي انخفاضاً خلال 2024 و2025 مقارنة بمستويات 2023، قبل أن تسجل ارتفاعاً خلال الأشهر الأولى من 2026. فقد انخفض الأساس النقدي M0 من 165.156 تريليون دينار في 2023 إلى 132.080 تريليون دينار في 2025، ثم ارتفع إلى 138.005 تريليون دينار في أيار/مايو 2026.

كما تراجع عرض النقد الضيق M1 من 160.318 تريليون دينار عام 2023 إلى 147.930 تريليون دينار عام 2025، قبل أن يرتفع إلى 161.615 تريليون دينار في أيار/مايو 2026، وسجل عرض النقد الواسع M2 الاتجاه نفسه؛ حيث انخفض من 180.976 تريليون دينار إلى 167.282 تريليون دينار بين 2023 و2025، ثم ارتفع إلى 179.459 تريليون دينار في أيار/مايو 2026.

بينما تراجع إجمالي الودائع المصرفية من 133.499 تريليون دينار في 2023 إلى 111.065 تريليون دينار في 2025، ثم واصل انخفاضه ليصل إلى 104.296 تريليون دينار في مايو 2026، وشمل هذا التراجع ودائع الحكومة المركزية والمؤسسات العامة والقطاع الخاص، الأمر الذي يشير إلى انخفاض حجم الأموال المحتفظ بها داخل الجهاز المصرفي مقارنة بمستويات عام 2023.

الائتمان المصرفي

ارتفع إجمالي الائتمان النقدي من 69.253 تريليون دينار عام 2023 إلى 75.584 تريليون دينار في 2025، ثم استقر نسبياً عند 73.173 تريليون دينار في أيار/مايو 2026، ويظهر توزيع الائتمان استمرار حصول القطاع الخاص على الحصة الأكبر؛ إذ بلغ الائتمان المقدم له 47.329 تريليون دينار في أيار/مايو 2026، مقابل 23.420 تريليون دينار للحكومة المركزية و2.424 تريليون دينار للمؤسسات العامة.

المالية العامة والنفقات الحكومية

استمر ارتفاع حجم الإنفاق العام مقارنة بالإيرادات الفعلية، فقد بلغت الإيرادات العامة 135.681 تريليون دينار عام 2023 وارتفعت إلى 140.774 تريليون دينار عام 2024، قبل أن تنخفض إلى 124.185 تريليون دينار في 2025، بينما بلغت النفقات العامة 142.436 تريليون دينار في 2023، وارتفعت إلى 150.527 تريليون دينار في 2024، ثم تراجعت إلى 141.228 تريليون دينار في 2025.

وعلى صعيد البينات الشهرية لعام 2026 فوصلت النفقات العامة المتراكمة إلى 46.697 تريليون دينار في أيار/مايو، منها 45.070 تريليون دينار نفقات جارية و1.627 تريليون دينار نفقات استثمارية، وبذلك يتضح استحواذ النفقات الجارية على الجزء الأكبر من الإنفاق الحكومي، بينما تظل النفقات الاستثمارية محدودة نسبياً.

الدين العام

ارتفع الدين العام الداخلي بصورة مستمرة، من 70.558 تريليون دينار في 2023 إلى 83.050 تريليون دينار في 2024، ثم إلى 90.515 تريليون دينار في نهاية 2025، قبل أن يبلغ 103.179 تريليون دينار في أيار/مايو 2026. ويشكل هذا الارتفاع أحد المؤشرات المهمة على تنامي الالتزامات الداخلية للحكومة.

كما ارتفعت مطالبات وزارة المالية لصالح البنك المركزي من 43.899 تريليون دينار عام 2023 إلى 63.199 تريليون دينار في أيار/مايو 2026. في حين بلغ رصيد القروض 20.270 تريليون دينار والسندات 10.868 تريليون دينار في أيار/مايو 2026. 

التجارة الخارجية وميزان المدفوعات

حقق العراق فائضاً تجارياً خلال السنوات الثلاث، إلا أن حجم الفائض تراجع بشكل واضح، فقد بلغ صافي الميزان التجاري 43.197 مليار دولار عام 2023، ثم انخفض إلى 26.691 مليار دولار عام 2024، وواصل تراجعه إلى 20.923 مليار دولار عام 2025، ويعود ذلك بصورة أساسية إلى ارتفاع الواردات، التي زادت من 55.953 مليار دولار عام 2023 إلى 74.299 مليار دولار عام 2024، قبل أن تنخفض قليلاً إلى 71.553 مليار دولار في 2025.

وبلغت الصادرات السلعية 92.476 مليار دولار في 2025، مقابل واردات بلغت 71.553 مليار دولار. أما الدين الخارجي فقد اتجه إلى الانخفاض تدريجياً من 56.207 مليار دولار عام 2023 إلى 54.101 مليار دولار عام 2025، ثم بلغ 53.463 مليار دولار في آذار/مارس 2026.

الاستثمار الأجنبي والسياسة النقدية

ارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر من 5.650 مليار دولار عام 2023 إلى 8.088 مليار دولار عام 2024، ثم إلى 8.602 مليار دولار عام 2025، بينما بلغ 1.668 مليار دولار في آذار/مارس 2026. 

وفي مجال السياسة النقدية، خُفض سعر السياسة من 7.5% في 2023 إلى 5.5% في 2024 واستمر عند هذا المستوى خلال 2025 وبداية 2026، قبل رفعه إلى 6.25% في آذار/مارس 2026 واستمراره عند هذا المستوى حتى أيار/مايو؛ حيث يأتي هذا التحول في سياق إدارة السيولة والسيطرة على الضغوط التضخمية والحفاظ على الاستقرار النقدي.

ملاحظة: سعر السياسة النقدية هو سعر الفائدة الذي يحدده البنك المركزي لتوجيه تكلفة الاقتراض والسيولة في الاقتصاد.

الصورة العامة للاقتصاد العراقي

تكشف المؤشرات مجتمعة عن مزيج من الاستقرار النقدي والضغوط المالية في الاقتصاد العراقي، فمن جهة، حافظ سعر الصرف الرسمي على استقراره عند 1,300 دينار للدولار، وظل التضخم ضمن مستويات منخفضة نسبياً، كما ارتفعت قيمة احتياطيات الذهب. 

ومن جهة أخرى، تراجعت الاحتياطيات الأجنبية، وانخفضت الودائع المصرفية، وارتفعت العملة المتداولة خارج المصارف، في وقت شهد فيه الدين العام الداخلي ارتفاعاً ملحوظاً، بينما تكشف عن استمرار اعتماد المالية العامة على الإنفاق الجاري، إلى جانب تراجع الفائض التجاري خلال الفترة 2023–2025. 

وعطفًا على كل تلك المؤشرات، يتمثل التحدي الاقتصادي الأساسي في الحفاظ على الاستقرار النقدي وسعر الصرف، مع تعزيز الإيرادات غير النفطية، وتنشيط القطاع الخاص، وتوسيع الائتمان المنتج، وزيادة الادخار المصرفي، ورفع كفاءة الإنفاق الاستثماري، بما يقلل من هشاشة الاقتصاد أمام تقلبات أسعار النفط والضغوط المالية الخارجية.