أكد المستشار المالي لرئيس مجلس الوزراء، مظهر محمد صالح، اليوم السبت، أن العراق بحاجة إلى تغيير بنية اقتصاده والانتقال من الاعتماد على النفط والوظيفة الحكومية إلى اقتصاد منتج يوفر فرص العمل ويعزز دور القطاع الخاص.

وقال صالح للوكالة الرسمية وتابعته "الساعة"، إن "الحكومة جاءت إلى المسؤولية في ظرف عراقي بالغ التعقيد؛ اقتصاد شديد الاعتماد على النفط، ودولة مثقلة بإرث إداري ومالي طويل، وفساد متجذر، وتحديات أمنية وسيادية، وضغط اجتماعي متزايد يبحث عن فرص العمل والخدمات والحياة الكريمة".

وأضاف أن "حكومة الزيدي لم تتعامل مع هذه الملفات باعتبارها أزمات منفصلة، بل حاولت النظر إليها باعتبارها أجزاء من مشكلة واحدة، تتمثل ببناء الدولة واستعادة قدرتها على إدارة مواردها ومصالحها".

وأوضح أن "مكافحة الفساد تصدرت أولويات الحكومة"، مشيراً إلى أن "الأهمية لا تكمن فقط في فتح ملفات أو اتخاذ إجراءات، وإنما في نقل مكافحة الفساد من الخطاب السياسي المعتاد إلى مسار أكثر مؤسسية يقوم على الرقابة واسترداد المال العام ومساءلة المتورطين".

وبيّن أن "تحويل مكافحة الفساد إلى معركة معلنة ومستمرة يمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، بعد أن أصبح الفساد خلال سنوات طويلة واحداً من أكبر العوائق أمام بناء الدولة".

وفي الجانب الاقتصادي، قال صالح إن "حكومة الزيدي لم تكتفِ بإدارة الاقتصاد القائم، بل طرحت فكرة إصلاح بنيته"، لافتاً إلى أن "الحديث عن موازنة البرامج وإصلاح القطاع المصرفي وتطوير النظامين الضريبي والجمركي ودعم القطاع الخاص وإنشاء أدوات جديدة لتمويل التنمية والاستثمار، يعكس محاولة للانتقال من اقتصاد يعتمد على توزيع الريع إلى اقتصاد يستطيع إنتاج القيمة".

وأكد أن "العراق لا تنقصه الموارد، وإنما ينقصه تحويل الموارد إلى إنتاج وفرص عمل وثروة مستدامة"، مشيراً إلى "أهمية الاستثمار في الطاقة والبنية التحتية وفتح المجال أمام شراكات استثمارية أوسع".

وأضاف: "تنويع الاقتصاد ليس شعاراً مالياً فحسب، بل هو الطريق إلى بناء سوق عمل حقيقية وإعادة تشكيل الطبقة الوسطى العراقية على أساس العمل والإنتاج والكفاءة".

وفي ما يتعلق بالقطاع الخاص، شدد صالح على أن "العراق لن يستطيع بناء مستقبله اعتماداً على الوظيفة الحكومية وحدها"، مبيناً أن "المطلوب هو اقتصاد يخلق فرصاً خارج الدولة، ويمنح الطبيب والمهندس والتاجر والمزارع والصناعي ورائد الأعمال مساحة حقيقية للنمو".

وأشار إلى أن "نجاح الحكومة لن يقاس فقط بحجم الاستثمارات التي تستقطبها، وإنما بعدد الوظائف المنتجة التي تخلقها، وبقدرتها على تحويل الاستثمار إلى نشاط اقتصادي يشعر به المواطن".

وعلى صعيد الدولة والسيادة، أكد صالح أن "التأكيد على حصر السلاح بيد الدولة واستعادة القرار الوطني يمثل رسالة سياسية واضحة بأن بناء الاقتصاد لا يمكن أن ينفصل عن بناء الدولة"، مشدداً على أن "لا اقتصاد قوياً من دون دولة قوية، ولا استثمار مستقراً من دون بيئة أمنية وسيادية واضحة، ولا طبقة وسطى مستقرة من دون مؤسسات تعمل وفق القانون".

وفي ملف الطاقة، أوضح أن "الحكومة تنظر إلى الكهرباء والطاقة باعتبارهما أكثر من مجرد ملف خدمي، فهما أساس الصناعة والاستثمار والإنتاج، وأي نجاح حقيقي في هذا القطاع يمكن أن ينعكس على الاقتصاد بأكمله".

وبين أن "تحركات الحكومة في مجالي الطاقة والاستثمار تأتي ضمن توجه أوسع يهدف إلى تحويل العراق من اقتصاد يستهلك موارده إلى اقتصاد يستطيع أن يستثمرها".

وقال صالح إن "أكثر ما يلفت في تجربة الزيدي خلال هذه الفترة القصيرة هو أن الحكومة لم تختبئ خلف صعوبة الظروف، بل وضعت يدها على الملفات الصعبة، ومنها الفساد والريع النفطي والمالية العامة والطاقة والاستثمار والقطاع الخاص والسيادة".

وأكد أن "الحكومات لا تُختبر فقط بما تغلقه من ملفات، وإنما أيضاً بما تجرؤ على فتحه"، موضحاً أن "الأشهر الأولى لا تكفي للحكم على نتائج إصلاحات تحتاج بطبيعتها إلى سنوات، لكنها قد تكشف اتجاه الحكومة وإرادتها السياسية".

وأضاف أن "الزيدي لا يطرح، في خطابه الاقتصادي، مجرد زيادة الإنفاق، وإنما يتحدث عن إصلاح بنية الاقتصاد، ولا يتحدث عن مكافحة الفساد باعتبارها حملة إعلامية، وإنما باعتبارها قضية دولة".

وأشار إلى أن "الحكومة لا تتعامل مع القطاع الخاص كضيف على الاقتصاد العراقي، وإنما كطرف أساسي في إنتاج الثروة، كما أنها لا تنظر إلى الطاقة باعتبارها خدمة فقط، بل قاعدة للتنمية، ولا تفصل بين السيادة والاستقرار وبين القدرة على جذب الاستثمار وبناء الاقتصاد".

وختم صالح بالقول إن "أهمية المئة يوم الأولى لا تكمن في أنها حققت كل شيء، وإنما في أنها أظهرت أن هناك حكومة تريد أن تبدأ من الملفات التي طال تأجيلها"، مبيناً أن "شجاعة فتح الملفات الصعبة قد تكون أول إنجاز حقيقي قبل أن تظهر نتائجها على الأرض".