يبدو أن حملة نزع سلاح الفصائل العراقية باتت حدثا مفصليا للنظام الإيراني، إذ أن هذا السلاح يمثل أحد أبرز أدوات نفوذ إيران في العراق وأن نهايته تعني انكماش الحضور الإيراني في العراق.
ويوم الاثنين الماضي أجرى قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني زيارة إلى العاصمة بغداد، التقى خلالها قيادات في الفصائل المسلحة والإطار التنسيقي.
وقالت مصادر سياسية إن "قاآني أجرى زيارة إلى بغداد لبحث ملفات مهمة في مقدمتها سلاح الفصائل والأوضاع في ناحية جرف الصخر منزوعة السكان والتي تسيطر عليها فصائل مقربة من طهران منذ العام 2014".
وكشفت المصادر أن قاآني شدد على رفض تسليم سلاح الفصائل العراقية، وشدد أيضا على عدم الصدام بين الفصائل والقوات العراقية، وأكد على ضرورة ممارسة ضغط سياسي على الحكومة من أجل التوصل إلى صيغة تسوية تحول دون تسليم السلاح في الوقت الراهن.
عين قاآني على جرف الصخر
وكشف موقع الحرة نقلا عن مصادر في الإطار التنسيقي عن أن زيارة قائد فيلق القدس الإيراني بحثت أيضا إلى جانب ملف السلاح، التطورات المحتملة في منطقة جرف الصخر شمالي محافظة بابل، والتي تسيطر عليها فصائل موالية لإيران منذ خريف 2014، وبحسب مصادر الحرة فإن قاآني يسعى لترتيب التعامل مع أي متغيرات من المتوقع حدوثها في جرف الصخر بعد ورود معلومات تفيد بشن القوات العراقية عملية عسكرية لبسط السيطرة على الناحية التي تحولت منذ سنوات إلى قاعدة عسكرية كبيرة للفصائل المسلحة تضم مخازن ومصانع للصواريخ والطائرات المسيرة.
ونقلا عن موقع "الحرة" فإن قياديا في الإطار أشار إلى أن قاآني حث قادة الإطار التنسيقي خلال الاجتماعات على الحديث مع رئيس الوزراء علي الزيدي بشأن أهمية عدم كسر الفصائل وإضعافها".
ويتوقع متابعون للملف العراقي والإيراني، أن زيارة قاآني تندرج ضمن سعيها لإيجاد مخرج يضمن عدم التصعيد بين الفصائل مع الولايات المتحدة من جهة، ويضمن الإبقاء على سلاح الفصائل وعدم تسليمه من جهة أخرى.
إيران تواجه الضغط بتغيير الأدوار
وحول قرائته لزيارة قاآني الأخيرة للعراق، قال الباحث المختص بالشأن الإيراني فراس إلياس إن "الزيارة في هذا التوقيت تعد محاولة إيرانية لإدارة مرحلة شديدة الحساسية في العلاقة مع الفصائل المسلحة، خصوصاً مع تصاعد الضغوط الحكومية والأمريكية باتجاه حصر السلاح بيد الدولة".
وأضاف إلياس في حديث لشبكة "الساعة": أن "طهران تدرك أن البيئة الإقليمية الحالية لم تعد تسمح باستمرار النموذج السابق، القائم على وجود فصائل تمتلك هامشاً واسعاً من الاستقلال العسكري، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول عملية حصر السلاح إلى مدخل لتفكيك نفوذها داخل العراق".
وتابع أن "من المرجح أن تكون توجيهات قاآني للفصائل قائمة على معادلة واضحة وهي عدم الدخول في مواجهة مع الحكومة العراقية، وتجنب أي تصعيد عسكري يمكن أن يمنح الولايات المتحدة مبرراً لممارسة المزيد من الضغوط أو تنفيذ ضربات جديدة، مقابل عدم الذهاب في الوقت نفسه نحو تسليم شامل وفوري للسلاح، بمعنى آخر، قد تدفع إيران باتجاه ضبط سلوك الفصائل وإعادة تنظيم حضورها، وليس بالضرورة إنهاء قدراتها دفعة واحدة".
وأكد إلياس أن "إيران غير مستعدة للتخلي عن الفصائل العراقية بالمعنى الاستراتيجي، لأنها لا تنظر إليها بوصفها جماعات مسلحة فحسب، وإنما باعتبارها جزءاً من شبكة نفوذ وأمن إقليمي بُنيت على مدى سنوات"، وأشار إلى أن "طهران قد تكون مستعدة للتخلي عن الشكل القديم لهذه الفصائل، عبر تقليص دورها العسكري المستقل، وتشجيع بعضها على الانتقال بصورة أكبر إلى العمل السياسي والمؤسساتي، إذا كان ذلك ضرورياً للحفاظ على أصل النفوذ الإيراني ومنع تعرضه لضربة أكبر".
أما بشأن ما إذا كان ملف حصر السلاح لا يزال بيد طهران، قال إلياس: إن "إيران ما تزال تمتلك تأثيراً كبيراً في قرارات الفصائل الأكثر ارتباطاً بها، لكنها لم تعد تمتلك القدرة نفسها على التحكم بمسار الملف بالكامل، فهناك اليوم إرادة حكومية عراقية وضغط أمريكي وبيئة إقليمية مختلفة، فضلاً عن تباين واضح بين مواقف الفصائل نفسها تجاه مسألة حصر السلاح".
وختم حديثه بالقول: إن "جوهر الصراع في المرحلة المقبلة لن يكون حول مبدأ حصر السلاح فقط، وإنما حول تعريف هذا الحصر: هل يعني إنهاء القرار العسكري الموازي وتسليم القدرات المسلحة فعلياً إلى الدولة، أم سيقتصر على إعادة هيكلة الفصائل وضبط نشاطها مع الاحتفاظ بجزء من قدراتها ونفوذها؟ وهنا تحديداً ستظهر نتائج زيارة قاآني، وحدود استعداد إيران لتقديم تنازلات في العراق تحت الضغط الأمريكي الحالي".
وتأتي زيارة قاآني عقب تأكيدات من الزيدي على مواصلة حملته لكبح الفصائل ونزع سلاحها وإخضاعها للدولة، كما جاءت عقب ضمان الزيدي الضوء الأخضر من ائتلاف إدارة الدولة الذي يضم القوى السياسية الحاكمة لمواجهة أي جهة تبقي على سلاحها بعد الـ 30 من أيلول المقبل، والتعامل معها معاملة الجهات الإرهابية".
إيران تتمسك بنفوذها الأخير
أستاذ العلوم السياسية عصام الفيلي أكد على أن إيران وعبر زيارة قاآني تبحث عن حلول لمشكلة سلاح الفصائل القريبة منها، دون أن تتخلى عن هذا السلاح، لأنها تدرك أن تسليمه تعني خسارة الساحة العراقية بعد خسارة سوريا وتراجع النفوذ في اليمن ولبنان.
وقال الفيلي في حديث لشبكة "الساعة": إن "قاآني دائما يتوجه إلى العراق في أوقات ذروة الأزمات، ولكن زيارته في هذه المرحلة مختلفة على اعتبار أنها وصلت لشكل من أشكال الاحتدام بين الرؤية الحكومية بشأن السلاح وتمسك الفصائل وإيران بهذا السلاح".
وأضاف أن "إيران قد تضطر إلى معالجة مشكلة الفصائل بطريقة هادئة، ولكن الخشية من أن إصرار الفصائل يدفع لذهاب الحكومة لمواجهة عسكرية"، مبينا أن "أحد الأسباب التي دفعت قاآني لزيارة العراق هي المعلومات بخصوص استعداد القوات العراقية لبسط سيطرتها على المناطق التي تعد معاقل للفصائل وأبرزها جرف الصخر، التي تعد منطقة حيوية لإيران لا لسبب وجود مخازن الأسلحة والصواريخ فقط، ولكن لأنها مراكز تدريب كبيرة لتلك الفصائل".
وأشار إلى أن إيران تريد معالجة المشكلة الخاصة بسلاح الفصائل العراقية لكنها تؤمن بوجوب عدم تسليم هذا السلاح، لأنها تدرك أن قوة طهران ونفوذها في العراق مرهون بهذه الفصائل وسلاحها، مع قناعة طهران بأن العراق هو الساحة الوحيدة المتبقية لنفوذها الخارجي بعد انتهاء الوجود الإيراني في سوريا وتراجعه في لبنان واليمن".
ونوه إلى أن "الزيدي يسير نحو هدفه لحصر السلاح، في ظل الضغط الأمريكي المتصاعد، وهو ما دفع الزيدي إلى البحث عن صيغ قانونية للتحرك والتعامل مع سلاح الفصائل التي ترفض التسليم والانخراط بالدولة عبر تشريع قانون في البرلمان لحصر السلاح بيد الدولة، وهو ما يجري العمل عليه حاليا".
إيران تلوح ضمنا بالتصعيد
وهناك من يرى أن زيارة قاآني إلى العراق جاءت لتؤكد أن إيران ماضية إلى آخر المشوار من أجل الحفاظ على سلاح الفصائل وإن دفعت نحو التلويح بالصدام المسلح مع الدولة العراقية، وهو ما يراه الباحث والمحلل السياسي الناصر دريد.
وقال دريد في حديث لشبكة "الساعة"، إن "العراق يمر بمرحلة مفصلية، وأن سلاح الفصائل يقترب من لحظة حسم، فالنظام العراقي الذي عرف عنه أنه يحابي كل الأطراف ويسير على الخط الوسط بين الغرب وإيران، بات اليوم على مفترق الطرق، أي أنه يجب أن يختار بين هذه الجهة أو تلك".
وأضاف دريد: أن "المعلومات تشير إلى أن قاآني شدد على ضرورة الضغط على الحكومة العراقية لمنعها من الوصول لتحقيق برنامجها ومشروعها الخاص بحصر سلاح الفصائل التابعة لإيران"، مبينا أن "التأكيد الإيراني على منع العراق من نزع سلاحه يمثل تلويحا غير مباشر بالدفع نحو التسمك بالسلاح وإن وصلت الأمور التهديد بالصدام المسلح بين الفصائل والدولة العراقية، لا سيما وأن إيران ترى أن الحكومة العراقية هي الأضعف في مواجهة الفصائل".
وتؤكد المعلومات المسربة من اجتماعات الإطار التنسيقي أن رئيس الوزراء علي الزيدي يصر على مواجهة أي فصيل مسلح لا يتخلى عن سلاحه بعد الفترة التي حددتها الحكومة العراقية.
وقبل زيارة قاآني إلى بغداد، كان من المفترض أن يتوجه وفد من الإطار التنسيقي إلى العاصمة الإيرانية طهران لبحث ملف حصر السلاح، لكن معلومات وُصفت بـالعاجلة وصلت إلى قاآني، غيّرت الخطة ودفعته إلى المجيء بنفسه إلى بغداد بدلا من استقبال الوفد في طهران.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام