يعتمد العراق في تمويل الموازنة وتغطية الرواتب والخدمات العامة على سلسلة تبدأ من إنتاج النفط في الحقول وتنتهي بتحويل عائدات تصديره إلى الدولار المودع في الحسابات الحكومية، ثم تحويله إلى الدينار لتمويل الإنفاق العام. إلا أن التوترات الإقليمية الأخيرة تسببت في تعطيل حركة ناقلات النفط العراقية عبر مضيق هرمز، الذي يمثل المنفذ الأهم لصادرات النفط العراقية إلى الأسواق العالمية، ما أدى إلى إرباك هذه السلسلة والحد من قدرة الدولة على تحويل عائدات النفط إلى موارد مالية متاحة للإنفاق.

وأظهرت دراسة بيانية أعدها قسم صحافة البيانات في شبكة الساعة أن الخطر الأساسي لا يقتصر على تراجع الصادرات لفترة محدودة، بل يتمثل في محدودية قدرة العراق على إيجاد مسارات بديلة تضمن استمرار وصول نفطه إلى الأسواق العالمية. كما كشفت التطورات عن هشاشة نموذج اقتصادي يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية في تمويل الموازنة، ما يجعل أي تعطل في قنوات التصدير ينعكس سريعًا على الموارد المالية للدولة.

 منافذ التصدير وتأثيرها على الاعتمادات المالية 

يعتمد العراق بصورة رئيسية على المنافذ الجنوبية في تصدير النفط الخام، إذ كانت تستحوذ قبل الأزمة على نحو 97.7% من إجمالي الصادرات، ما جعل الاقتصاد العراقي شديد الارتباط بحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي كانت تمر عبره نحو 93 مليون برميل شهريًا.

ومع اندلاع الأزمة الإقليمية بين إيران وأمريكا و"إسرائيل"، تعطلت حركة الملاحة عبر المضيق، لتنخفض الكميات المصدرة من خلاله إلى نحو 10 ملايين برميل في نيسان/أبريل 2026، أي بتراجع يقارب 89%. وأدى ذلك إلى انخفاض الإنتاج إلى نحو 1.4 مليون برميل يوميًا، نتيجة امتلاء مرافق التخزين، في حين بلغ الفاقد الشهري من التصدير نحو 83 مليون برميل، ما يعني عجز العراق عن تصدير نحو 2.77 مليون برميل يوميًا بسبب صعوبة تصريف النفط.

وفي ظل ذلك، شكّل خط أنابيب جيهان التركي منفذًا بديلًا، إلا أن قدرته بقيت محدودة، إذ لم تتجاوز الصادرات عبره 200 ألف برميل يوميًا خلال أيار/مايو 2026، في وقت ظل فيه النقل البري إلى الأردن محدودًا.

وزاد الاعتماد الكبير على منفذ تصدير واحد من تعرض الإيرادات النفطية العراقية لمخاطر اضطرابات الملاحة وارتفاع تكاليف التأمين، فضلًا عن مخاطر أي إغلاق محتمل لمضيق هرمز. ويختلف هذا الوضع عن بعض الدول الخليجية التي تمتلك خطوط أنابيب بديلة تتجاوز المضيق باتجاه البحر الأحمر أو خليج عُمان، ما يمنحها مرونة أكبر في الحفاظ على صادراتها.

ومع تراجع الإيرادات وتدهور القدرة على التصدير، اعتمد العراق على احتياطياته الأجنبية التي بلغت 93.67 مليار دولار في أيار/مايو 2026 بوصفها وسادة مالية لدعم الاستقرار، بالتزامن مع ارتفاع الدين الداخلي إلى 103.18 تريليونات دينار واتساع فجوة التمويل. وبلغت النفقات الفعلية حتى أيار/مايو 2026 نحو 46.70 تريليون دينار، متجاوزة الإيرادات بنحو 12.95 تريليون دينار.


تراجع وسائد الحماية مقابل ارتفاع الدين (2023 - 2026)

انخفضت الاحتياطيات الأجنبية الرسمية لدى البنك المركزي من 111.74 مليار دولار في نهاية 2023 إلى 93.67 ملياراً في نهاية أيار/مايو 2026، أي بتراجع بلغ 18.06 مليار دولار ما يعادل 16.2%. 

في الوقت ذاته ارتفع الدين العام الداخلي من 70.56 تريليون دينار إلى 103.18 تريليونات، بزيادة بلغ 46.2%، مقابل ارتفعت مطالبات وزارة المالية لصالح البنك المركزي من 43.90 إلى 63.20 تريليون دينار. 

تكشف هذه المؤشرات والتي لا تعني أن الاحتياطيات صُرفت مباشرة على الرواتب، تضيق هامش الحماية المالية والنقدية مع اتساع الاعتماد على التمويل الداخلي. 

 

ما الذي تستطيع المنافذ البديلة تعويضه؟

أُعيد تشغيل صادرات كركوك عبر ميناء جيهان التركي في آذار/مارس 2026 بمعدل أولي بلغ 170 ألف برميل يوميًا، مع قدرة أولية معلنة تصل إلى 250 ألف برميل يوميًا. وفي أيار/مايو، قال وزير النفط العراقي، باسم محمد خضير العبادي، إن التدفق عبر خط جيهان بلغ نحو 200 ألف برميل يوميًا، مع خطة لرفع الكمية إلى 500 ألف برميل يوميًا.

وفي ظل الأزمة الحالية، فإن تصدير 500 ألف برميل يوميًا لا يصل إلى سدس المستوى الطبيعي لصادرات النفط العراقية، بينما لا يتجاوز النقل البري إلى الأردن، في الظروف المعتادة، نحو 10 آلاف برميل يوميًا، ما يجعله منفذًا محدودًا ولا يمثل بديلًا لحركة الناقلات عبر مضيق هرمز.


خارطة تحول النفط إلى دينار عراقي

تبدأ دورة الإيرادات النفطية العراقية من استخراج الخام في الحقول، ثم تمر بسلسلة مترابطة من العمليات الفنية والتجارية والمالية، تشمل الإنتاج والقياس والنقل والخزن والتسويق والبيع، قبل أن تنتهي بتحويل قيمة الصادرات بالدولار إلى موارد مالية تستخدمها الدولة في تمويل الموازنة العامة.

وتتولى شركات الاستخراج الوطنية، بالتعاون مع الشركات الأجنبية المتعاقدة في بعض الحقول، عمليات إنتاج النفط الخام وقياس الكميات المستخرجة. وينتقل الخام بعد ذلك عبر شبكة الأنابيب إلى مستودعات التجميع والخزن، قبل توجيهه إما إلى المصافي المحلية لتغطية جزء من الاستهلاك الداخلي، أو إلى موانئ التصدير وخطوط الأنابيب الخارجية.

وتتولى شركة تسويق النفط العراقية "سومو" مسؤولية تسويق وبيع النفط المخصص للتصدير، بما يشمل تحديد الكميات المعروضة والمشترين والأسعار ومواعيد التحميل وشروط التسليم، استنادًا إلى نوع الخام والأسعار العالمية والفروقات المرتبطة بالجودة وتكاليف النقل.

وبعد تحميل النفط على الناقلات البحرية أو ضخه عبر خطوط الأنابيب، تُثبت الكمية النهائية وقيمة الشحنة، ثم يحوّل المشتري قيمة النفط بالدولار إلى الحسابات الخارجية المعتمدة للعراق، وعند هذه المرحلة يتحول النفط المصدر إلى إيراد مالي فعلي.

وبما أن النفقات الحكومية داخل العراق، بما فيها الرواتب والتقاعد والخدمات، تُدفع بالدينار العراقي، تقوم وزارة المالية بتحويل جزء من إيراداتها النفطية بالدولار إلى البنك المركزي العراقي، وتحصل في المقابل على رصيد بالدينار وفق الآلية وسعر الصرف الرسمي المعتمدين.

وتدخل هذه الأموال بعد ذلك في حسابات الخزينة العامة، لتُستخدم في تمويل الوزارات والمؤسسات الحكومية والمصارف، وصولًا إلى تغطية الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية والنفقات التشغيلية والمشاريع الاستثمارية.


سيناريوهات تراجع صادرات النفط وانعكاسها على الإيرادات

تُظهر السيناريوهات المحتملة لتراجع صادرات النفط حجم الخسارة التي قد تتحملها الخزينة العراقية مقارنة بمستوى التصدير الطبيعي، ففي حال استمرار الصادرات عند نحو 3.43 ملايين برميل يوميًا، يبلغ الإيراد الشهري التقديري نحو 8.23 مليارات دولار، أي ما يعادل 10.70 تريليونات دينار.

 أما إذا تمكن العراق من تصدير 750 ألف برميل يوميًا عبر البدائل المتاحة، فإن الإيرادات الشهرية ستنخفض إلى نحو 1.80 مليار دولار، أو 2.34 تريليون دينار، بفارق يبلغ نحو 8.36 تريليونات دينار عن الوضع الطبيعي.

وفي سيناريو تصدير 500 ألف برميل يوميًا، يتراجع الإيراد إلى نحو 1.20 مليار دولار، بما يعادل 1.56 تريليون دينار، لتصل الخسارة الشهرية إلى نحو 9.14 تريليونات دينار، أما في حال انخفضت الصادرات إلى 200 ألف برميل يوميًا، فلن يتجاوز الإيراد الشهري نحو 480 مليون دولار، أو 624 مليار دينار، فيما يرتفع الفاقد إلى نحو 10.08 تريليونات دينار شهريًا مقارنة بمستوى التصدير الطبيعي.

الفجوة المالية سبقت تداعيات أزمة إغلاق مضيق هرمز

تُظهر النشرة الإحصائية للبنك المركزي العراقي أن الإيرادات العامة الفعلية حتى نهاية أيار/مايو 2026 بلغت 33.75 تريليون دينار، مقابل نفقات وصلت إلى 46.70 تريليون دينار، ما أسفر عن عجز مالي يقارب 12.95 تريليون دينار. 

وتكشف هيكلية الإنفاق عن هيمنة النفقات الجارية، التي بلغت 45.07 تريليون دينار، أي ما يعادل 96.5% من إجمالي الإنفاق، في حين لم تتجاوز النفقات الاستثمارية 1.63 تريليون دينار، ويشير هذا التوزيع إلى أن قدرة الحكومة على خفض الإنفاق تتركز أساسًا في تأجيل أو تقليص المشاريع الاستثمارية. 

بينما تبقى النفقات الجارية، وفي مقدمتها الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية، التزامات يصعب المساس بها على المدى القصير، الأمر الذي يحد من مرونة السياسة المالية في مواجهة الأزمات.

هل تهدد الأزمة تمويل الرواتب؟

لا يؤدي توقف الصادرات النفطية أو انخفاضها خلال شهر واحد إلى توقف صرف الرواتب بصورة مباشرة، إذ تمتلك الحكومة أدوات تمويل مؤقتة تشمل استخدام الأرصدة والودائع، وإصدار الحوالات والسندات، والاقتراض من المصارف الحكومية، إلى جانب إمكانية تأجيل بعض النفقات الاستثمارية ومستحقات المقاولين.

وتبلغ تعويضات الموظفين وفق بيانات عام 2024 نحو 60 تريليون دينار سنويًا، أي ما يقارب 5 تريليونات دينار شهريًا. وفي حال استمرار الصادرات عند مستوى 200 ألف برميل يوميًا، يُقدَّر الفاقد الشهري في الإيرادات النفطية بنحو 10.1 تريليونات دينار. ويعادل هذا المبلغ نحو ضعفي قيمة تعويضات الموظفين الشهرية، ما يعني أن استمرار انخفاض الصادرات يتطلب اللجوء إلى مصادر تمويل أخرى لتغطية النفقات الجارية، بما في ذلك الرواتب.

ملاحظة: تُحتسب التقديرات على أساس الفارق بين مستوى التصدير الطبيعي وسيناريو تصدير 200 ألف برميل يوميًا، وفق سعر 80 دولارًا للبرميل، ولا تشمل التغيرات في الأسعار أو تكاليف التصدير.


انتقال الأزمة إلى الناس

لا تقتصر آثار أزمة مضيق هرمز على الرواتب، بل تمتد إلى مختلف مفاصل الحياة اليومية؛ إذ يؤدي ارتفاع مخاطر الملاحة والتأمين إلى زيادة كلفة السلع المستوردة، في وقت يفرض فيه تراجع تدفق الدولار النفطي ضغوطًا إضافية على تمويل التجارة الخارجية.

وتنتقل آثار الأزمة عبر سلسلة مترابطة تبدأ بتراجع الصادرات وانخفاض تدفقات الدولار، ثم زيادة الحاجة إلى تمويل العجز، وتراجع الإنفاق على المشاريع، وصولًا إلى ارتفاع كلفة الاستيراد وما يرافق ذلك من ضغوط على الأسعار وسعر الصرف.


مؤشرات تحدد اقتراب الأزمة

تعتمد سرعة انتقال الأزمة المالية إلى أزمة أوسع على مجموعة من المؤشرات التي تعكس قدرة الدولة على الاستمرار في تمويل التزاماتها. ويُعد مستوى الصادرات النفطية اليومية المؤشر الأبرز، إذ إن استمرارها دون مليون برميل يوميًا لفترة طويلة يعني فقدان جزء كبير من الإيرادات النفطية.

كما يعكس استمرار محدودية التصدير عبر خط كركوك-جيهان ضعف البدائل المتاحة، في حين يشكل اتساع الفجوة بين الإيرادات والنفقات، وارتفاع الدين الداخلي، وتراجع الاحتياطيات الأجنبية مؤشرات مباشرة على تصاعد الضغوط المالية.

وعلى المستوى الاقتصادي، فإن اتساع الفارق بين سعر الصرف الرسمي والموازي، وظهور تأخير أو تجزئة في تمويل الرواتب، إلى جانب الارتفاع الواسع في أسعار الغذاء والنقل، تمثل مؤشرات على انتقال آثار الأزمة من المالية العامة إلى الاقتصاد والمواطنين.

النتيجة

يواجه العراق تحديًا في إيصال نفطه إلى الأسواق العالمية، إذ كشف تعطّل الملاحة عبر مضيق هرمز أن امتلاك احتياطيات وإنتاج نفطي كبيرين لا يوفر حماية كافية للمالية العامة عندما تتركز الصادرات في منفذ واحد، في ظل محدودية الخطوط البديلة القادرة على استمرار التصدير. وتظهر المقارنات أن المسارات المتاحة عبر تركيا والأردن لا تستطيع تعويض حجم الصادرات التي تمر عبر الموانئ الجنوبية.

ولا يبدو خطر توقف الرواتب فوريًا، إذ تستطيع الدولة مؤقتًا حماية الإنفاق الأساسي بالاعتماد على الأرصدة والاقتراض وتأجيل بعض المشاريع. لكن استمرار التصدير عند مستويات منخفضة لمدة ثلاثة إلى ستة أشهر قد يرفع الفجوة المالية إلى عشرات التريليونات من الدنانير، في وقت كانت فيه النفقات تتجاوز الإيرادات، والدين الداخلي يتزايد، فيما تتراجع الاحتياطيات والودائع. وبذلك تصبح الضغوط أكثر حدة عندما يجتمع طول فترة التعطل مع محدودية البدائل واتساع العجز وصعوبة الحصول على التمويل، وليس بمجرد توقف الملاحة لعدة أيام.

وتتلخص هشاشة الاقتصاد العراقي في ارتفاع الاعتماد على تصدير النفط، بالتزامن مع الاعتماد شبه الكامل على الموانئ الجنوبية وغياب بدائل تصدير قادرة على استيعاب الكميات المعتادة. وتتطلب حماية الإيرادات على المدى الطويل تحويل خطوط الأنابيب الشمالية والغربية من مسارات احتياطية إلى منافذ تشغيلية فعلية، بالتوازي مع تنمية الإيرادات غير النفطية وتقليل اعتماد الإنفاق العام على مورد واحد ومسار تصدير واحد.

منهجية الحساب والمصادر 

1- اعتمد التقرير على بيانات النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي العراقي المرفقة، وبيانات ميزان المدفوعات والمؤشرات الاقتصادية حتى أيار 2026، وإعلانات وزارة النفط العراقية، وتصريحات وزير النفط وتقارير رويترز بشأن صادرات نيسان 2026 واستئناف خط كركوك-جيهان. حُسبت سيناريوهات الإيراد على أساس 30 يوماً، وسعر 80 دولاراً للبرميل، وسعر صرف 1,300 دينار للدولار. الأرقام السيناريوية توضيحية ولا تشمل كلف الإنتاج والنقل أو تغير سعر الخام العراقي.

2- البنك المركزي العراقي، النشرة الإحصائية الشهرية والمؤشرات الاقتصادية حتى 31 أيار 2026، والملف الإحصائي المرفق بالتقرير.

3- وزارة النفط العراقية، الإحصائية النهائية للصادرات والإيرادات لشهري أيار وحزيران 2026، وإعلان خلية الأزمة بشأن استمرار توقف التصدير عبر الموانئ الجنوبية.

4- Reuters، 16 أيار 2026: Iraq exported 10 million barrels of oil through Strait of Hormuz in April.

5- Reuters، 17 آذار 2026: Iraq resumes Kirkuk crude exports via Ceyhan after Baghdad-KRG deal.

6- Reuters Graphics، آذار 2026: Gulf oil producers scramble to bypass Hormuz as Iran locks down the strait.