كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" أن الفصائل المسلحة في العراق ما تزال تشكل جزءًا من استراتيجية إيرانية أوسع لإعادة تثبيت نفوذ حلفائها في المنطقة، في وقت تواجه فيه الحكومة العراقية تحديات متزايدة في استكمال ملف حصر السلاح بيد الدولة ودمج الفصائل ضمن المؤسسات العسكرية الرسمية.

وذكرت الصحيفة، في تقرير لها ترجمته شبكة "الساعة"، أن "واشنطن دفعت العراق باتجاه دمج الفصائل المسلحة في قواته الرسمية، إلا أن بعض الجماعات الأصغر ما تزال تقاوم هذا المسار"، مشيرة إلى أن "المشهد العراقي يضم شبكة معقدة من التشكيلات المسلحة التي نشأت وتوسعت أدوارها الأمنية والسياسية منذ عام 2003".

ونقلت "نيويورك تايمز" عن مسؤولين إيرانيين أن "قادة في الحرس الثوري الإيراني أعدوا، خلال هدنة قصيرة في الربيع، خططًا بالتنسيق مع قادة في حزب الله والحوثيين وفصائل شيعية عراقية لتوسيع نطاق الهجمات في حال صعّدت الولايات المتحدة عملياتها العسكرية ضد إيران".

وبحسب التقرير، عقد قادة من "فيلق القدس" اجتماعات افتراضية مع ممثلين عن الجماعات الحليفة، بالتزامن مع وجود مستشارين إيرانيين يعملون ميدانيًا مع بعض الفصائل، في إطار مساعٍ للحفاظ على قنوات التنسيق وتعزيز قدرة طهران على التحرك عبر حلفائها في المنطقة.

وأشارت الصحيفة إلى أن "درجة ارتباط الجماعات المسلحة بطهران تختلف من فصيل إلى آخر"، موضحة أن "الحوثيين يتمتعون بهامش استقلالية أكبر، بينما يرتبط حزب الله بتنسيق أكثر قربًا مع إيران، في حين تقع الفصائل الشيعية العراقية، في موقع متوسط من حيث طبيعة علاقتها بطهران واستعدادها للتحرك ضمن أجندة إقليمية مشتركة".

ونقلت الصحيفة عن رندا سليم، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز ستيمسون بواشنطن، قولها: إن "تحريك حزب الله والفصائل العراقية يندرج ضمن محاولة إيرانية لعرقلة الجهود الأمريكية الرامية إلى تقليص نفوذ هذه الجماعات"، مضيفة أن "طهران ووكلاءها يرون أن حضورهم آخذ في التراجع، ويسعون إلى إعادة تأكيد وجودهم ودورهم الإقليمي".

وأضاف التقرير أن "إيران تنظر إلى الفصائل الحليفة باعتبارها أداة للضغط على الولايات المتحدة وحلفائها، لكنها في الوقت ذاته تحاول تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة قد تستدعي ردًا عسكريًا واسعًا عليها".

وفي المقابل، لفتت الصحيفة إلى أنه "لكل فصيل حساباته الخاصة"، مؤكدة أن "التنسيق مع طهران لا يعني بالضرورة أن الفصيل سيتحرك نيابة عنها في كل ملف، في ظل اختلاف المصالح والحسابات السياسية والأمنية بين الجماعات المسلحة في العراق ولبنان واليمن".

ويضع هذا المشهد الحكومة العراقية أمام معادلة شديدة الحساسية، تتمثل في الموازنة بين استكمال مشروع حصر السلاح بيد الدولة، والحفاظ على القرار الأمني والعسكري العراقي، ومنع استخدام الأراضي العراقية ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

ويأتي ذلك في وقت يبرز فيه ملف مستقبل الفصائل المسلحة ودورها داخل مؤسسات الدولة كأحد أبرز الملفات الأمنية والسياسية في العراق، خصوصًا مع الضغوط الأمريكية المتزايدة بشأن إنهاء الأنشطة المسلحة خارج إطار الدولة، مقابل تمسك بعض الفصائل بمواقفها ورفضها التخلي عن السلاح أو ربطه بقرارات خارجية.

ويرى التقرير أن "مستقبل علاقة الفصائل العراقية بطهران سيبقى مرتبطًا إلى حد كبير بمسار التوتر الأمريكي الإيراني، إذ قد يؤدي أي تصعيد جديد في المنطقة إلى إعادة تفعيل أدوار الجماعات المسلحة، بينما قد تفتح التهدئة الإقليمية الباب أمام بغداد لتسريع إجراءات تنظيم السلاح وترسيخ سلطة الدولة".