تسود قناعة لدى غالبية العراقيين بأن مشكلة الكهرباء لا يمكن حلها أو تجاوزها قريبا أو حتى خلال عقد من الزمن، وذلك بسبب إخفاق السلطات العراقية في تحقيق أي تقدم بمجال توليد الكهرباء من الداخل أو استيرادها من الخارج طيلة العقدين الماضيين.
وخلال السنوات الماضية كانت الجهات الحكومية تعلن فترات زمنية لحل المشكلة وتأمين الحاجة الكلية للعراقيين من الكهرباء، ويذكر غالبية العراقيين تصريحات نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة حسين الشهرستاني الذي وعد العراقيين في العام 2012 بانتهاء أزمة الكهرباء والبدء بتصديره للخارج مطلع العام 2014، لكن ما حصل أن الأزمة تتفاقم يوما بعد آخر، ولذلك تتحاشى الجهات الرسمية الحديث عن مواعيد لتحقيق الاكتفاء من الكهرباء.
ومع دخول شهر تموز الجاري، بدأ التراجع في تجهيز الطاقة الكهربائية في عموم العراق، فالكهرباء كانت تؤمن بنسبة 50% فقط، ثم اتسعت المشكلة مع التوتر العسكري في المنطقة والتصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، إذ تراجع التجهيز لتصل إلى ثلث الحاجة الفعلية من الكهرباء في البلاد.
تظاهرات بسبب الأزمة
وشهدت العديد من مدن جنوب العراق تظاهرات غاضبة احتجاجا على تردي واقع الكهرباء مع ارتفاع درجات الحرارة في الصيف الحالي وارتفاعها لنحو 50 درجة في بعض المحافظات، وعمت الاحتجاجات محافظات النجف والمثنى وواسط والديوانية، استخدمت القوات الأمنية القمع لتفريق المتظاهرين.
تراجع خطير بالتجهيز
أفاد عراقيون من محافظات عدة لشبكة "الساعة" بأن تجهيز الطاقة الكهربائية بمحافظات عراقية عدة تراجع مع حلول الصيف ثم زادت ساعات القطع اليومية مع تجدد الصراع الأمريكي – الإيراني بعد تعرض إقليم كردستان لقصف إيراني وتوقف حقل خورمور عن العمل وانسحاب شركة دانة غاز ما تسبب بتراجع إنتاج الطاقة الكهربائية من محطات التوليد في الإقليم، ففي بغداد يبلغ ساعات الإطفاء 13 – 16 ساعة يوميا، وفي ذي قار تصل ساعات القطع اليومية 14 – 18 ساعة، أما في كركوك فتصل ساعات القطع إلى 16 - 18 ساعة، وفي البصرة تتراوح ساعات القطع من 12 – 16 ساعة يوميا، وفي الموصل تزيد ساعات القطع عن 14 ساعة يوميا.
الوزارة تعتذر دون حلول
وزارة الكهرباء العراقية أقرت بتفاقم أزمة الكهرباء خلال الصيف الحالي، وعزت الأزمة الحالية إلى جملة من التحديات المتزامنة، أبرزها انخفاض إمدادات الغاز بسبب الحرب الإقليمية في المنطقة ، والارتفاع الكبير في الأحمال، واستمرار التجاوزات على الشبكة الكهربائية، إلى جانب تقادم أجزاء من البنى التحتية والحاجة إلى تخصيصات مالية أكبر لتسريع مشاريع التأهيل والتوسعة، الأمر الذي أثر في حجم الطاقة المتاحة للتجهيز، ودعت الوزارة إلى ترشيد استهلاك الطاقة، والحد من الهدر، والإبلاغ عن التجاوزات على الشبكة الكهربائية والذي سينعكس على تخفيف الأحمال وتحسين ساعات التجهيز.
فجوة وعجز بالأرقام
لكن المشكلة على ما يبدو لن تحل عبر الترشيد ورفع التجاوزات، لأن المشكلة تكمن في الفجوة الكبيرة بين الكهرباء المنتجة والحاجة الفعلية منها، فالطاقة الكهربائية التي ينتجها العراق بالكامل لا تزيد عن 29 ألف ميغاواط قبل الأزمة الأخيرة الناجمة عن الحرب، بينما تزيد الحاجة الفعلية عن 60 ألف ميغاواط، وهذه المعلومات أكدها المتحدث السابق باسم وزارة الكهرباء أحمد موسى.
وقال موسى في تصريح لشبكة "الساعة": إن "الطاقة الفعلية التي يتم إنتاجها في العراق ويتم توزيعها لا تزيد عن 29 ألف ميغاواط بينما الحاجة الفعلية تقترب من 62 ألف ميغاواط بحسب الأرقام الخاصة بوزارة الكهرباء"، مبينا أن "الطاقة المنتجة في العراق والتي تبلغ 29 ألف ميغاواط تراجعت في الأسابيع الأخيرة لعدة أسباب ووصلت إلى 21 ألف ميغاواط فقط"، أي أن التوليد الفعلي حاليا لا يزيد عن ثلث حاجة العراق من الكهرباء.
وأضاف موسى: أن "الأزمة الأخيرة للكهرباء تفاقمت بسبب تراجع إمدادات الغاز من إيران بسبب الحرب، وكذلك توقف مشاريع الكهرباء التي تعاقدت معها الحكومة العراقية لتجهيز الكهرباء بسبب توقف وصول الغاز إليها بعد انسحاب شركة دانة غاز وتوقف العمل في حقل خورمور، إضافة إلى زيادة الطلب على الطاقة في فصل الصيف، مع تهالك البنية التحتية والتجاوزات".
وأوضح أن "التعاقد مع الشركات الأمريكية وإنشاء محطات لتوليد الكهرباء تعتمد على الغاز العراقي، خطوة ستساهم في تقليص الأزمة"، لكنه أشار إلى أن "ذلك يتطلب الكثير من الوقت، حيث لا يمكن إكمال هكذا مشاريع بفترة تقل عن 3 سنوات".
استدعاء وزير الكهرباء
وفي إجراء للتعامل مع الأزمة، أعلن مجلس النواب العراقي تحويل جدول أعمال جلسته المقررة أمس الخميس إلى مناقشة أزمة الكهرباء، وقرر استدعاء وزير الكهرباء والكادر المتقدم في الوزارة إلى جلسة الاثنين المقبل، للوقوف على أسباب تراجع تجهيز الطاقة في بغداد والمحافظات.
في الأثناء، دعت عضو لجنة الكهرباء والطاقة النيابية نورا الجحيشي، رئيس الوزراء علي الزيدي بإطلاق صولة على الفاسدين في وزارة الكهرباء، مؤكدة أن الفساد الكبير في الوزارة يعد سبباً في تردي الأوضاع وتذبذب التجهيز في البلاد، ولفتت إلى عدم وجود ملفات فساد على شخص وزير الكهرباء الحالي، لكن هناك فساداً لدى بعض المديرين العامين والفروع وقطاعات الصيانة والجباية.
الفساد وسوء الإدارة
وفي هذا الصدد، يرى الخبير في مجال الطاقة بلال الخليفة أن سوء الإدارة والفساد والاعتماد على المحطات الكهربائية الغازية دون أن يكون العراق منتجا للغاز شكلت أسبابا رئيسية للأزمة، إلى جانب غياب المعالجات الفعلية التي تتمثل بتفعيل الجباية وفرض ترشيد الاستهلاك وتقديم مبادرات حقيقية للتحول نحو الطاقة الشمسية.
وقال الخليفة في حديث لشبكة "الساعة": إن "أزمة الكهرباء كانت موجود قبل العام 2003 إذ كان الإنتاج لا يزيد عن 3 آلاف ميغاواط، وحينها كانت محطات الإنتاج جميعها محطات حرارية، أما بعد العام 2003، فالأزمة تفاقمت بعد استحداث المحطات الغازية وزيادة الطلب على الطاقة بشكل متسارع وكبير، فزاد معدل الطلب بشكل يفوق قدرة المحطات الجديدة على تلبية حاجة الاستهلاك"، مبينا أن "الفجوة بين المنتج وحاجة الاستهلاك ارتفعت لتصل إلى 14 ألف ميغاواط، إلى جانب وجود زيادة سنوية في الطلب تصل لـ 1000 ميغاواط وذلك يمثل تحديا كبيرا في هذا المجال أمام الحكومات ووزارات الكهرباء".
وأضاف: أن "التحدي الكبير في عمل محطات الكهرباء الجديدة أنها جميعها باستثناء محطة الزبيدية هي محطات غازية، في حين أن الغاز العراقي لا يمكنه تأمين متطلبات هذه المحطات، إذ إن تشغيل محطات جديدة لتوليد 14 ألف ميغاواط يتطلب 3 آلاف مقمق من الغاز، في حين أن إنتاج العراق من الغاز لا يزيد عن هذا الرقم".
وأوضح الخليفة أن "المشكلة الأخرى في هذا الجانب تتمثل في أن حجم الإنفاق السنوي على الكهرباء يزيد عن 10 مليارات دولار، في حين أن الإيرادات التي تأتي من قطاع الكهرباء عبر الجباية لا تغطي 10% من هذا الرقم، وهو ما يؤثر سلبا على عمل الكهرباء وإنتاجها في البلاد، بينما أن أغلب دول العالم تعتمد على الكهرباء كمصدر مهم للإيرادات المالية"، مبينا أن "خصخصة قطاع الكهرباء والجباية من شأنه تقليص الأزمة لأنه سيجبر المستهلك على ترشيد استهلاك الكهرباء".
لا توجه حقيقي نحو الطاقة الشمسية
وفي ظل الأزمة التي تواجه العراق في قطاع الكهرباء، يؤخذ على الحكومة ضعف تفاعلها مع الاعتماد على الطاقة الشمسية واستغلالها لتوليد الكهرباء، وهو ما أشار إليه الخبير في مجال الطاقة بلال الخليفة.
وأوضح الخليفة أن "غياب المبادرات الحقيقية في مجال الاعتماد على الطاقة الشمسية في توليد الكهرباء جعل الحلول لهذه المشكلة ضعيفة وغير مجدية"، ولفت إلى أن "المبادرات الموجودة التي قدمتها الحكومة غير كافية وشكلية، إذ إن الضرائب ما تزال تفرض على ألواح وأجهزة منظومات الطاقة، والقروض التي تمنح للمواطنين ما تزال غير مفعلة ولم تقدم حتى الآن لشراء منظومات الطاقة، ما يجعل الكثير من المواطنين عاجزين عن شرائها لعدم وجود القروض ولارتفاع الأسعار، فضلا عن رداءة النوعيات الموجودة بسبب حصر الموضوع بيد شركات محددة".
ونوه الخليفة إلى أن "تفعيل الاعتماد على الطاقة الشمسية عبر القروض ودعم الحكومة من شأنه تقليص الأزمة واحتوائها، موضحا أن اعتماد مؤسسات الدولة كافة على الطاقة الشمسية من شأنه أن يوفر نحو 4 آلاف ميغاواط من الكهرباء وهو ما يساهم في تقليل مشكلة الكهرباء المستعصية في العراق".
ارتفاع أسعار منظومات الطاقة الشمسية
وفي هذا الصدد يشكو مواطنون من ارتفاع أسعار ألواح وأجهزة وبطاريات الأجهزة الخاصة بتوليد الطاقة الشمسية وعدم وجود تسهيلات وقروض من المصارف العراقية لشرائها.
ويقول مواطنون لشبكة "الساعة": إن "تكلفة نصب منظومات الطاقة الشمسية الصغيرة ارتفعت من 5 ملايين دينار إلى 10 ملايين دينار وهو ما يرهق كاهلهم ويجعلهم عاجزين عن تأمين هذا المبلغ ونصب منظومات الطاقة الشمسية".
وأكد مواطنون أن "سعر اللوح الواحد ارتفع من 60 دولارا إلى 130 دولار، وكذلك جهاز توليد الكهرباء ارتفع من 500 ألف دينار إلى مليون دينار، فيما ارتفع سعر البطاريات إلى الضعف، ما يجعل تكلفة نصب المنظومة الصغيرة نحو 10 ملايين دينار، بسبب الضرائب المفروضة وبسبب تذبذب سعر صرف الدولار وغياب الرقابة على التجار الذين بالغوا برفع أسعار أجهزة منظومات الطاقة الشمسية".
ومع تباطؤ الحكومة في توفير الحلول العاجلة لمشكلة الكهرباء، عبر مضاعفة الإنتاج من الغاز وزيادة الاعتماد على الطاقة الشمسية، يبدو أن معالجة مشكلة الكهرباء في العراق باتت بعيدة في الوقت القريب، إذ ينظر غالبية العراقيين إلى الأزمة كونها أزمة أزلية سترافقهم طيلة حياتهم.
وفي تصريح سابق لشبكة "الساعة"، استبعد الخبير النفطي والاقتصادي نبيل المرسومي حل مشكلة الكهرباء في العراق حتى خلال السنوات العشر المقبلة.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام