لم يستغرق التقارب العراقي-السوري وقتاً طويلاً حتى وجد نفسه أمام أول اختبار أمني حقيقي فبعد أشهر من استئناف التواصل السياسي، وفتح الموانئ السورية أمام النفط العراقي، وإعادة تنشيط المعابر الحدودية بين البلدين، أعلنت دمشق إحباط محاولة تهريب شحنة من الصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة النوعية قالت إنها دخلت من الأراضي العراقية وكانت في طريقها إلى لبنان.
وبينما سارعت بغداد إلى تشكيل لجنة للتحقيق والتنسيق مع الجانب السوري، أعادت الحادثة إلى الواجهة ملف الحدود المشتركة، ودور الجماعات المسلحة العابرة للدولة، وقدرة الحكومتين على منع استغلال الانفتاح الاقتصادي والتنسيق الأمني في أنشطة تهريب قد تنعكس على مسار العلاقات الثنائية، في وقت لا تزال فيه المنطقة تعيد رسم توازناتها الأمنية والسياسية بعد المتغيرات التي شهدتها سوريا خلال العامين الماضيين.
تفاصيل عملية التهريب
خلال الساعات الماضية، أعلنت وزارة الداخلية السورية ضبط محاولة تهريب شحنة من الأسلحة النوعية والصواريخ عبر الحدود السورية - العراقية لصالح حزب الله في لبنان، حيث جاءت عملية الضبط في منفذ التنف السوري المقابل لمعبر الوليد الحدودي العراقي.
وقالت الداخلية السورية في بيان إن "الوحدات المختصة أحبطت محاولة تهريب شحنة ضخمة من الأسلحة النوعية على الحدود السورية – العراقية، وضبطتها قبل إدخالها إلى داخل الأراضي السورية"، وأوضحت أن العملية جاءت بعد رصد مركبة متوقفة ضمن النطاق الحدودي في ظروف أثارت الاشتباه، حيث جرى إخضاعها للتفتيش وأسفر ذلك عن ضبط شحنة من الأسلحة شملت صواريخ بعيدة المدى، وصواريخ موجهة مضادة للدروع، وطائرات مسيرة.
وأكدت الداخلية السورية أن التحقيقات أثبتت استنادًا إلى الأدلة والقرائن أن الشحنة كانت معدة للعبور عبر الأراضي السورية باتجاه لبنان لصالح حزب الله.
الموقف العراقي الرسمي
في المقابل، لم ينفي العراق أو يؤكد صحة ما أعلنه الجانب السوري، لكنه أكد تشكيل لجنة عليا من الجهات ذات العلاقة والمختصين للوقوف على تفاصيل هذا الموضوع بالكامل.
وقالت خلية الإعلام الأمني التابعة لمكتب رئيس الوزراء العراقي في بيان ورد لشبكة "الساعة": إنه "وبعد إحباط عملية تهريب أسلحة وصواريخ عبر الحدود العراقية نحو الأراضي السورية، نود الإيضاح أنه بتوجيه من القائد العام للقوات المسلحة، تم تشكيل لجنة عليا من الجهات ذات العلاقة والمختصين للوقوف على تفاصيل هذا الموضوع بالكامل".
وأضافت: أن "الجانب العراقي سينسق مع الجانب السوري لمعرفة جميع التفاصيل المتعلقة بهذه العملية، ومحاسبة المقصرين بما يضمن الحفاظ على أمن واستقرار الحدود المشتركة، ومنع أي محاولات لزعزعة الأمن الوطني".
موعد الضبط وموقف حزب الله
وبحسب مصدر عسكري عراقي فإن عملية الضبط من الجانب السوري حصلت في 7 تموز الجاري، مشيرا إلى أن الجانب السوري لم يخبر العراق بالعملية، إلا بعد انتهاء التحقيقات.
بدوره، نفى حزب الله اللبناني صحة الاتهامات المتعلقة بالشحنة المضبوطة المهربة من الأراضي العراقية.
وأشارت العلاقات الإعلامية في الحزب في بيان، إلى أن حزب الله سبق أن نفى مرارا بشكل قاطع الادعاءات بشأن وجود نشاط له داخل الأراضي السورية، وأوضحت أن الحزب يؤكد أن هذه الادعاءات والاتهامات لا تعدو كونها روايات مختلقة لا أساس لها من الصحة، وتهدف إلى الإساءة لحزب الله، وتخدم "المشروع الصهيوني-الأمريكي" في المنطقة، حسب تعبيرها.
من أين انطلقت شحنة الأسلحة؟
ويبدو أن نفوذ الفصائل المسلحة في الداخل العراقي قاد إلى امتلاكه القدرة على تهريب الأسلحة من العراق إلى سوريا لغرض تمريرها لحزب الله اللبناني، كما أن تأثير الحادثة على طبيعة العلاقة بين بغداد ودمشق سيكون مرهونا بطبيعة تصرف الحكومة العراقية برئاسة الزيدي ضد الجهات التي حاولت تهريب السلاح، كما يرى ذلك الباحث في الشأن العراقي عبد القادر النايل.
يقول النايل في حديث لشبكة "الساعة": إنه "وفق لمصادر أمنية خاصة فإن حزب الله اللبناني بالتعاون مع حزب الله العراقي شكلوا لجنة خاصة لتجنيد عناصر من سائقي صهاريج النفط من أجل إدخال الطائرات المسيرة والصواريخ عبر سوريا إلى لبنان، لان حزب الله اللبناني يمر بنفاد فعلي للأسلحة في جنوب لبنان"، وأوضح أن "المعلومات تشير إلى أن الصهريج الذي تم رصده من الأمن السوري كان مراقبا من التحالف الدولي وخرج محملا بالأسلحة من ناحية جرف الصخر شمالي بابل والتي تستولي عليها الفصائل المسلحة الموالية لإيران إلى سوريا"، مبينا أن "هناك شخصية عسكرية وأخرى ادارية داخل منفذ الوليد الحدودي تعاونت لإدخال الصهريج إلى سوريا وهم يعلمون أنه محمل بالسلاح".
وأضاف النايل: أن "هذه الأفعال التي تسيء للعراق وللاقتصاد العراقي سببها الرئيسي هو بقاء جرف الصخر خارج سلطة الدولة العراقية وعدم سيطرتها عليها".
وأشار إلى أن "الجانب السوري وبتوجيه من الرئيس السوري أحمد الشرع كان قد سمح بتصدير النفط العراقي عبر الموانئ السورية بعد إغلاق الجانب الإيراني لمضيق هرمز ومنعه تصدير النفط العراقي عبره"، ولفت إلى أن "محاولة تهريب الأسلحة عبر استغلال تصدير النفط والذي جاء بتوجيه من الحرس الثوري الإيراني يؤكد أن الجهات المسلحة العراقية لا تهمها مصلحة العراق واقتصاد شعبه".
ونوه النايل إلى أن "هذه الحادثة ستؤثر على العلاقات السورية العراقية، إلا إذا أقدمت حكومة علي الزيدي على اعتقال من أدخل الصهريج من الحدود بكل شفافية وفرضت سيطرتها على جرف الصخر"، مبينا أن "ذلك من شأنه أن يبعث رسائل طمأنينة للجانب السوري ويضمن استمرار تدفق النفط، لا سيما وأن الرئيس السوري متفهم جيدا للحالة العراقية وسيتصرف بحكمة اذا وجد تعاون حقيقي لضبط الأمن وعدم استهداف سوريا".
حادثة التهريب والعلاقة بين بغداد ودمشق
من جهة أخرى، يؤكد المحلل السياسي السوري والباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان أن الفصائل المسلحة القريبة من إيران تقف وراء عملية تهريب الأسلحة والصواريخ والطائرات المسيرة إلى لبنان عبر الأراضي السورية، لكنه استبعد أن تؤثر هذه العملية على العلاقة الرسمية بين العراق وسوريا من جهة وسوريا ولبنان من جهة أخرى.
وقال علوان في حديث لشبكة "الساعة": إنه "من المتوقع وجود عمليات تهريب للأسلحة والصواريخ والطائرات من قبل الفصائل المسلحة وجماعات ما دون الدولة، بكل الطرق عبر سوريا لان سقوط نظام الأسد قطع الشريان الحيوي الذي كانت إيران تمد به مجاميعها في المنطقة عبر العراق وسوريا"، وبين أن "هذا الانقطاع أثر بشكل كبير على خط نقل السلاح والذخائر والمسيرات والأموال والمخدرات وغيرها وهو ما يدفع تلك الجهات إلى إحداث الفوضى أو الاستفادة من الفوضى في شبكات التهريب".
ورجح أن "يكون الغرض من تهريب الأسلحة عبر العراق إلى داخل سوريا هو إيصالها إلى حزب الله اللبناني، كما كشفت تحقيقات وزارة الداخلية السورية"، لكن علوان لم يستبعد أن "يكون الغرض من تهريب هذه الأسلحة هو إيصالها إلى الساحل السوري وتغذية حركات التخريب ضد الدولة السورية".
وشدد الباحث السوري على "ضرورة أن لا تؤثر هذه الحادثة على طبيعة العلاقات بين العراق وسوريا، وسوريا ولبنان، على اعتبار أن دمشق تدرك أن الجهات التي تقوم بهذه العمليات هي جهات خارجة عن الدولة، وكذلك لأن الدول الثلاث (العراق، سوريا، لبنان) تؤمن بضرورة الشراكة وتحقيق التكامل الأمني والاقتصادي والتجاري".
وفي العراق بات من الواضح أن "الجانب الرسمي الحكومي لا يمثل لوحده السلوك والممارسات العراقية على الصعيد الداخلي والخارجي، فالفصائل المسلحة التي تدين بالولاء لإيران تنتهج سلوكا بعيدا عن سلوك الدولة وفي معزل عنه، فهذه الفصائل تسعى لفرض رؤيتها على الدولة في التعامل مع دول الجوار وملفات الحرب والسلم ورسم العلاقات الخارجية مع إيران والولايات المتحدة وسوريا ودول الخليج".
ومنذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في سوريا في كانون الأول 2024 والذي يعد أحد أبرز دول المحور الإيراني والحليفة للنظام العراقي، شهدت العلاقات العراقية السورية حالة من البرود والقطيعة، واكتفى العراق بالتواصل الأمني والاستخباري مع الجانب السوري عبر زيارات متكررة لمدير جهاز المخابرات، ونهاية حزيران الماضي زار وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين دمشق في أول زيارة لمسؤول سياسي عراقي بهذا المستوى منذ سقوط نظام الأسد، وجاءت تلك الزيارة بعد التقارب العراقي السوري وفتح الموانئ السورية أمام النفط العراقي لتصديره إلى الأسواق العالمية بعد توقف حركة النقل في مضيق هرمز.
ويأتي دخول النفط العراقي إلى الأراضي السورية تنفيذا لاتفاق جرى بين البلدين قبل 3 شهور، حيث يدخل أكثر من 500 صهريج يوميا عبر المنافذ البرية المشتركة، التي تسلمتها الحكومة من قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بعد اتفاق الدمج.
ويرتبط العراق وسوريا بثلاثة معابر برية رئيسية، هي ربيعة-اليعربية، والقائم-البوكمال، والوليد-التنف، والتي أعيد افتتاحها وتفعيل نشاطها على فترات متلاحقة عقب الإطاحة بنظام الأسد.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام