"الشعب العراقي فيه من الصراع القبلي والقومي والطائفي أكثر من أي بلد آخر، وليس هناك من طريق سوى تطبيق الديمقراطية، وعلى العراقيين أن يعتبروا من تجاربهم الماضية، ولو فلتت هذه الفرصة من أيدينا لضاعت منا أمدا طويلا".

قالها قبل أكثر من نصف قرن وكأنه تنبأ لما سيحصل بالعراق، وما سيجابهه من أزمات وصراعات. 

ولد علي الوردي في 23 تشرين الأول/أكتوبر 1913 في مدينة الكاظمية ببغداد، في عائلة بسيطة توارثت العمل في تقطير الورد.

ترك مقاعد الدراسة عام 1924، ليعمل بعد ذلك عند أحد العطارين لفترة وجيزة وطرده بعد ذلك لأنه كان دائم الانشغال بالقراءة والكتب، بعد ذلك فتح دكاناً صغيرة وأدارها بنفسه.

في عام 1931 قرر العودة إلى مقاعد الدراسة في الصف السادس وعمد إلى الدراسة المسائية، واستمر بذلك حتى حصل على المرتبة الثالثة في الشهادة الثانوية على مستوى العراق، ونتيجة هذا التميز تم اختياره ببعثة ليتابع دراسته الجامعية في الجامعة الأمريكية ببيروت، وتخرج منها حاصلاً على درجة الشرف.

حصل على درجة الماجستير عام 1948 في العلوم الاجتماعية، عن رسالته في "سوسيولوجيا الإسلام"، في جامعة تكساس بأمريكا، وتابع المسيرة حتى حصل على درجة الدكتوراه عام 1950 في أطروحة "نظرية المعرفة عند ابن خلدون".

ألّف علي الوردي ثمانية عشر كتاباً بالإضافة إلى مئات البحوث والمقالات التي نُشرت في الجرائد والمجلات العراقية.

انتقده الكثير نتيجة أفكاره ومنها التي برزت عند إصدار كتابه "وعاظ السلاطين"، الذي يسخر فيه من النزاعات التي حدثت حول الأفضلية بين عمر وأبي بكر وعلي والذين كانوا برأيه يمثلون اتجاهاً واحداً.

وفي عام 1951 تم تعيينه أستاذًا جامعيّاً في قسم علم الاجتماع في جامعة بغداد، واستمر العمل بهذه المهنة حتى تقاعد عام 1970؛ حيث وجّه تركيزه واهتمامه للتأليف والبحث العلمي وبدأ بإصدار مشروعه العظيم "لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث" في ستة أجزاء، جمع فيها تاريخ المجتمع العراقي من أيام العثمانيين حتى عام 1924 وبدء استقرار الدولة العراقية.

يعتبر الوردي أول مؤسسي علم الاجتماع في الوطن العربي، وتظهر عبقريته بأنه أعاد اكتشاف منطق ابن خلدون وعمد إلى استخدامه ليتحرر من أغلال الفكر الكلاسيكي، معتمداً على أهم المدارس الفلسفية و الاجتماعية.

 أسس مدرسة في البحث الاجتماعي، عمادها استنتاج مفاهيم نظرية مبنية على الاستقراء والتحليل، وبذلك بدأت ثورته على أصحاب المنطق التقليدي؛ حيث دعا إلى إنشاء علم اجتماع عربي يخضع للمنهج التجريبي بعيداً عن العواطف والوعظ المجرد.

أخذ أفكاراً من الغزالي والمعتزلة والمتصوفين، وعاصر أفكار طه حسين والعقاد، أما الأثر الأكبر فكان لابن خلدون ونظريته "صراع البداوة والحضارة" التي طورها بصياغة جديدة.

من أشهر كتبه التي ذاع صيتها "شخصية الفرد العراقي" الذي أصدره عام 1951، وفي نفس العام أصدر كتاب "خوارق اللاشعور"؛ حيث تابع أسلوبه نفسه مع بعض الجرأة والسخرية في مؤلَّف "وعاظ السلاطين" الذي نشر عام 1954.

برز إبداع علي الوردي أكثر ما يكون في كتابه "مهزلة العقل البشري" عام 1955 الذي اشتهر في أرجاء الوطن العربي، أما في عام 1956 فقد أصدر كتاب "أسطورة الأدب الرفيع"، وفي عام 1959 كان كتاب "الأحلام بين العلم والعقيدة".

صدر كتاب "منطق ابن خلدون" عام 1962 بإبداع فريد خلّد اسم علي الوردي، وآخر ما صدر له وهو على قيد الحياة كتاب "طبيعة المجتمع العراقي" عام 1965.

لم تقتصر إبداعات علي الوردي على مجال دراسته فقط، إنما أبدع في الفلسفة والعلوم التطبيقية والفيزياء، وتميّز بقدرته على تبسيط الأفكار وإيضاحها، عندما أنشأ منطق الصيرورة التاريخية، معتمداً فيه على نظرية فرويد الجنسية ونظرية هيجل الجدلية ونظرية ماركس المادية.

ساهم علي الوردي في إعادة قراءة الأحداث الإسلامية بنظرة واقعية موضوعية بعيدة عن المثالية وعن التحيّز للأحداث التي حصلت في التاريخ الإسلامي، كالصراع السني الشيعي وتداعياته التي ما زال المجتمع العربي يتجرع مرارتها، فدعا في منشوراته إلى نبذ الخلاف الطائفي لأن الزمان أكل وشرب على هذا التاريخ.

توفي علي الوردي في 13 تموز/يوليو عام 1995 إثر إصابته بمرض السرطان ولم يستطع آنذاك العلاج في العراق، فسافر إلى الأردن ليحصل على العلاج، ثم عاود العراق؛ حيث كان مأواه الأخير.