تتعمّق أزمة السيولة المالية في العراق وسط تحذيرات من صعوبة تأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين خلال المرحلة المقبلة، بعد لجوء الحكومة إلى سحب مبالغ كبيرة من المصارف الحكومية لتغطية التزاماتها الشهرية، في خطوة تعكس ضغطاً متزايداً على التدفقات النقدية للخزينة، بحسب موقع "العربي الجديد".

وحذر الموقع، في تقرير اطلعت عليه شبكة "الساعة" نقلاً عن مصادره، من "تفاقم الضغوط على المالية العامة"، مؤكداً أن "العراق لا يواجه أزمة موارد بقدر ما يمر بأزمة سيولة نقدية تؤثر في قدرة الحكومة على إدارة التزاماتها الشهرية، وفي مقدمتها ملف الرواتب".

وأضاف أن "الاحتياطيات النقدية للبلاد مستقرة، ولا تعاني الدولة من نقص في مصادر الدخل، إلا أن الخلل يكمن في هيكل الموازنة وآلية إدارة الإنفاق، بخاصة بعد أن تحوّل العجز المخطط في موازنة السنوات الثلاث إلى عجز فعلي، مع استمرار ارتفاع النفقات التشغيلية وتراجع أسعار النفط".

وأشار إلى أن "استمرار الضغوط الحالية قد يدفع الحكومة إلى خيارات مالية صعبة"، مبيناً أن "من بين السيناريوهات المطروحة في النقاشات الاقتصادية تعديل سعر صرف الدينار، رغم حساسية هذا الخيار وتأثيره المباشر في القوة الشرائية للمواطنين".

وأوضح أن "معالجة الأزمة لا ينبغي أن تكون عبر تحميل المواطن أعباءً إضافية، سواء من خلال رفع الأسعار أو فرض ضرائب جديدة"، داعياً إلى "مراجعة جدية لبنية الإنفاق العام، بما في ذلك تقليص الامتيازات العليا والرواتب المرتفعة للدرجات الخاصة، بدلاً من المساس بالشرائح المتوسطة والفقيرة".

وبيّن أن "أزمة تأخر صرف الرواتب في العراق ترتبط بمشكلة سيولة نقدية مؤقتة، وليست مؤشراً على انهيار مالي شامل أو عجز تام في موارد الدولة".

وتابع أن "التأخير الحاصل في صرف الرواتب سببه أزمة سيولة"، موضحاً أن "الضغوط التي تواجهها المصارف الحكومية ناتجة عن ارتفاع حجم الالتزامات الشهرية مقارنة بالتدفقات النقدية المتاحة في التوقيت ذاته، ما انعكس على مواعيد الصرف خلال الفترة الماضية".

ولفت التقرير إلى أن "الأزمة المالية الحالية لا تصل إلى حد حرمان الشعب من قوت يومه أو من رواتب العاملين"، مؤكداً أن "الدولة ما زالت تمتلك موارد مالية، لكن الإشكالية تكمن في إدارة التدفقات النقدية وتوقيتها، خصوصاً مع تضخم فاتورة الرواتب والرعاية الاجتماعية التي تستنزف الحصة الأكبر من الموازنة التشغيلية".

وأكد أن "استمرار الضغوط دون معالجة هيكلية قد يفاقم أزمة الثقة بين المواطن والحكومة في حال تكرار التأخير، كما قد يضعف أوضاع المصارف الحكومية نتيجة السحب المتكرر من ودائعها لتغطية الإنفاق الجاري، ويزيد من الاعتماد على أدوات الاقتراض الداخلي، بما يضغط على السيولة المتاحة للقطاع الخاص ويؤثر في فرص التمويل والاستثمار".

وزاد أن "استمرار الاختلال بين الإنفاق الجاري والإيرادات غير النفطية قد يكرّس هشاشة المالية العامة ويجعلها أكثر عرضة للصدمات"، لافتاً أن "الحل يكمن في إصلاح مالي متدرج يقوم على ضبط الإنفاق، وتحسين إدارة السيولة، وتنويع مصادر الإيرادات لضمان استدامة الاستقرار المالي".