تتفاقم أزمة توفر البنزين في عدد من المحافظات العراقية منذ مطلع شباط/فبراير 2026، حيث تحولت محطات الوقود في البصرة وكربلاء والنجف وذي قار وديالى والقادسية إلى نقاط ازدحام يومي، مع امتداد طوابير السيارات لساعات طويلة، في مشهد أعاد إلى الواجهة تساؤلات قديمة عن إدارة ملف الطاقة في بلد يعد من أكبر منتجي النفط في العالم.

الأزمة لا تتوقف عند نقص الوقود بحد ذاته، بل تتسع لتشمل فجوة متزايدة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن وفرة الإنتاج والمخزون وبين واقع يعيشه المواطن يومياً ما جعل ملف البنزين يتحول إلى قضية ثقة عامة تتجاوز الجانب الخدمي إلى البعد الاقتصادي والسياسي.

رهانات الاكتفاء الذاتي تصطدم بالواقع

بدأت بوادر الأزمة مع توجه حكومي واضح لتقليص الاعتماد على البنزين المستورد والرهان على الإنتاج المحلي خاصة من مصفى كربلاء ووحدات التكرير الحديثة في البصرة ومنها وحدة التكسير التحفيزي للسوائل "FCC" هذا التحول كان يُنظر إليه كخطوة استراتيجية لتعزيز الاكتفاء الذاتي، إلا أن توقفات فنية وصيانات دورية في بعض الوحدات، بحسب مصادر مطلعة وخبراء اقتصاديين، خلقت فجوة مفاجئة بين الإنتاج والاستهلاك.

الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي كان قد أشار إلى أن إعلان الاكتفاء الذاتي جاء متسارعاً مقارنة بقدرات الإنتاج الفعلية، محذراً من أن توقف الاستيراد قبل وصول المصافي إلى طاقتها القصوى قد يخلق اختناقات في السوق، وهو ما انعكس لاحقاً في الطوابير الحالية وارتفاع الطلب المفاجئ بفعل التخزين والقلق الشعبي.

رواية رسمية مطمئنة ومشهد ميداني مختلف

بدورها أكدت وزارة النفط أن الإنتاج اليومي يصل إلى نحو 30 مليون لتر، مع مخزون استراتيجي يتجاوز 135 مليون لتر، مشيرة إلى أن ارتفاع الاستهلاك إلى نحو 33.5 مليون لتر يرتبط بالعطل الرسمية وزيادة حركة التنقل والزيارات الدينية.

 وشدد الناطق باسم الوزارة عبد الصاحب الحسناوي على أن تشغيل وحدات تكرير إضافية سيعزز الإمدادات قريباً، لكن مشاهد الطوابير الطويلة في عدد من المحافظات وعودة بعض السائقين بخزانات شبه فارغة بعد ساعات انتظار خلقت حالة تشكيك لدى الشارع بشأن واقعية هذه الأرقام خصوصاً مع تداول مقاطع مصورة تظهر إغلاق محطات أهلية أو محدودية التجهيز.

وتصاعدت موجة انتقادات حادة للأزمة على منصات التواصل الاجتماعي إذ عدّ مواطنون أن مشهد الطوابير في بلد نفطي يعكس خللاً إدارياً أكثر منه أزمة موارد في حين ركز بعض الناشطين الاقتصاديين على مسألة تعدد أسعار البنزين بين العادي والمحسن وعالي الأوكتان، معتبرين أن هذه السياسة السعرية تفتح الباب للتهريب والسوق السوداء وتزيد الضغط على المستهلك.

البرلمان يدخل على خط الأزمة

وفي هذا السياق، قال النائب مصطفى سند إن إعلان الاكتفاء الذاتي من البنزين لم يكن دقيقاً على المستوى الميداني.

 وأوضح سند وتابعته شبكة "الساعة" أن "الاستهلاك الفعلي في العراق يصل إلى نحو 34 ألف متر مكعب يومياً، في حين لا يتجاوز إنتاج المصافي المحلية حالياً 27 ألف متر مكعب".

وأضاف أن "هذه الفجوة، التي تقدر بنحو 7 آلاف متر مكعب يومياً، تفسر مشاهد الطوابير أمام محطات الوقود في عدد من المحافظات" مشيراً إلى "صدور توجيهات حكومية عاجلة لاستيراد شحنتين من البنزين خلال فترة قصيرة لتدارك النقص".

 وبين أن "الأزمة تعكس تراجعاً في المخزون الاستراتيجي أكثر من كونها مجرد ضغط استهلاك مؤقت أو نتيجة إشاعات"، بحسب تعبيره.

ويبقى ملف المشتقات النفطية في العراق من أكثر الملفات حساسية رغم امتلاك البلاد احتياطيات نفطية ضخمة، إذ واجهت الحكومات تحديات مستمرة في تحقيق التوازن بين الإنتاج المحلي والاستهلاك المتزايد.

ورغم تشغيل مصافٍ جديدة مثل مصفى كربلاء وتوسعات مصافي الجنوب، استمر الاعتماد جزئياً على استيراد البنزين عالي الأوكتان لتغطية الطلب ما يجعل السوق عرضة لأي خلل فني أو تأخير في الإمدادات.

وخلال السنوات الأخيرة، سعت وزارة النفط إلى تقليص الاستيراد والتوجه نحو الاكتفاء الذاتي، إلا أن خبراء الطاقة يرون أن استقرار الإنتاج المحلي يتطلب جاهزية فنية ولوجستية مستدامة لأن أي توقف أو ضغط موسمي قد يتحول سريعاً إلى أزمة وقود وأزمة ثقة بين المواطن والجهات الرسمية.