بينما ينشغل العالم بتفاصيل فضيحة جيفري إبستين، وما ارتبط بها من جرائم جنسية واتهامات هزّت النخب السياسية والمالية الغربية، كشفت "ملفات إبستين المسرّبة" مفاجأة عراقية غير متوقعة، بعد ورود اسم رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي أكثر من 120 مرة داخل وثائق وتقارير مرفقة ضمن الحزمة المسربة.
وبحسب ما رصدته شبكة "الساعة"، فإن ذكر المالكي في هذه الملفات لا يتعلق بأي صلة مباشرة بقضية إبستين الجنائية، بل يأتي ضمن سياق سياسي تحليلي أوسع يتناول مرحلة ما بعد 2011 في العراق، ويتضمن توصيفات غربية شديدة النقد لإدارته، وربطًا بين سياساته وبين تصاعد الانقسام الداخلي وصولًا إلى انهيارات أمنية كبرى مهّدت لتمدّد تنظيم "داعش".
وتطرح هذه الوثائق سؤالًا مختلفًا: لماذا يتكرر اسم المالكي بهذا الشكل الكثيف داخل أرشيف مرتبط بقضية جنسية عالمية؟ والإجابة التي تقدمها هذه المواد لا تذهب نحو أي علاقة مباشرة بإبستين، بل تضع المالكي في قلب ما تصفه الوثائق بـ"لحظة الانكسار العراقية"، باعتباره شخصية مركزية في سلسلة قرارات انتهت بانهيار النظام الأمني والسياسي ثم صعود تنظيم "داعش" وسيطرته على الموصل في 2014.
"رجل أضاع العراق"
تجمع مواد كثيرة ضمن الوثائق على توصيف المالكي بأنه "قائد شيعي طائفي وسلطوي عمّق الانقسام، وعمل بعد الانسحاب الأميركي على تحجيم خصومه، خصوصًا من القيادات السنية"، بطريقة ربطتها التقارير مباشرة بفكرة "تفكيك الشراكة الوطنية".
وتشير النصوص إلى أنه بعد خروج القوات الأميركية أواخر 2011، دخل العراق مسارًا مختلفًا"، إذ ورد في الوثائق أن "المالكي بدأ حملة سياسية-أمنية ضد قادة السنة، ومن أبرز الوقائع التي ذكرتها المواد، إصدار مذكرة اعتقال بحق نائب الرئيس طارق الهاشمي بتهم الإرهاب بعد يوم واحد من الانسحاب الأميركي، ثم اعتقال حراس وزير المالية رافع العيساوي، وهي أحداث تربطها النصوص باندلاع احتجاجات واسعة في الأنبار وتراكم الشعور بالتهميش.
وفي جانب آخر، تتعامل الوثائق مع الملف الأمني باعتباره محورًا خطيرًا في تجربة المالكي؛ إذ ينقل أحد التحليلات تشبيه المالكي بـستالين في تطهير الجيش، عبر استبدال قادة أكفاء بقادة موالين سياسيًا، مع الإشارة إلى سيطرته المباشرة على وزارات الدفاع والداخلية والأمن الوطني.
وتذكر مواد أخرى أن "سلوك حكومته وحزبه بدا مثل البلطجية"، وفق ما وصفته إحدى المقالات، عبر استخدام الجيش والشرطة لترهيب الخصوم وإقصاء السنة من مفاصل الدولة.
"رجل قاسم سليماني"
واحدة من أكثر النقاط تكرارًا داخل مواد ملفات إبستين تتعلق بما تصفه النصوص بـالهندسة الإيرانية لبقاء المالكي في السلطة، وتحديدًا ملف انتخابات 2010، فبحسب الوثائق، فإن قاسم سليماني كان المحرك الرئيسي للصفقة السياسية التي أبقت المالكي رئيسًا للوزراء رغم فوز إياد علاوي بأصوات أكثر، عبر الضغط على أطراف شيعية وكردية لترتيب المشهد من جديد.
وتذكر المواد أن سليماني وضع شروطًا داعمة لهذا الترتيب السياسي، من بينها بقاء جلال طالباني رئيسًا للجمهورية، وأن يصر المالكي على مغادرة جميع القوات الأميركية للعراق، وهو ما يُقدم في الوثائق بوصفه جزءًا من إعادة التموضع الإقليمي.
ولا تقف عند هذا الحد، إذ تربط النصوص بين حكومة المالكي وبين تسهيلات لإيران عبر الأجواء العراقية لنقل السلاح إلى نظام بشار الأسد في سوريا، فضلًا عن الإشارة إلى ترتيبات اقتصادية مثل مشروع خط أنابيب نفط عبر العراق وسوريا لتعزيز النفوذ الإيراني.
كما تتحدث إحدى الوثائق – ضمن سردها لدور المالكي – عن أن حكومته ساعدت إيران بالالتفاف على العقوبات الغربية عبر مخططات مالية، وتذهب إلى الإشارة لسيناريو شديد الحساسية يتعلق بتخصيص ما يعادل 200 ألف برميل نفط يوميًا لإرسال أموالها إلى سليماني لتمويل فيلق القدس، وهو اتهام ثقيل تضعه الوثائق في سياق ارتهان القرار العراقي.
الولايات المتحدة من الدعم الأعمى إلى ندم 2014
الوثائق لا تهاجم المالكي وحده، بل تهاجم أيضًا طريقة تعامل واشنطن معه إذ تتحدث النصوص عن خطأ استراتيجي بدأ من إدارة بوش التي – وفق الوثائق – ساهمت في تدمير الهيكل السني في العراق، ثم وصل إلى ذروته مع إدارة أوباما التي دعمته في 2010 رغبةً بإنجاز الانسحاب، رغم التحذيرات من ميوله السلطوية.
وتنقل مواد ضمن الوثائق عبارة منسوبة لمالكي قالها لمساعديه حين كان يسمع تحذيرات أميركية: "انظروا! الأميركيون لا يهتمون"، ثم تفيد بأن القناعة الأميركية تغيرت لاحقًا وبشكل متأخر، خصوصًا في 2014 بعد انهيار الجيش وسقوط الموصل، إذ خلصت إدارة أوباما – بحسب الوثائق – إلى أن المالكي يجب أن يرحل وأنه لا يمكن توحيد العراق بوجوده، بل تُورد بعض المقالات وصفًا مباشرًا بأن المالكي كان "اختيارًا سيئًا منذ البداية".
فساد وفشل اقتصادي
في جانب آخر، تتحدث مواد داخل وثائق إبستين عن أن سنوات المالكي لم تترجم إلى بناء دولة خدمات أو إنعاش اقتصادي، رغم الوعود وثروة النفط وتشير النصوص إلى وعود انتخابية بزيادة الإنتاج وإعادة الإعمار، مقابل استمرار البطالة المرتفعة خصوصًا في المناطق السنية، وتدهور الخدمات.
وتتهمه الوثائق باستخدام عائدات النفط ضمن نمط محسوبيات يوسع نفوذ الموالين داخل مؤسسات الدولة، مع الإشارة إلى تعيينات سياسية وملفات مرتبطة بعائلته، بينها ذكر اسم ابنه أحمد في سياقات ذات صلة بصفقات عقارية.
الموصل وصناعة "داعش"
الخلاصة الأشد قسوة في الوثائق تتعلق بربط تجربة المالكي مباشرة بسقوط الموصل وعودة "داعش"، إذ تطرح المواد فكرة أن المالكي صنع العدو عبر سياسات التهميش، ورفض دمج قوات الصحوة السنية، وقطع رواتبهم.
كما تتحدث الوثائق عن انهيار جيش أنفقت واشنطن مليارات الدولارات لتدريبه، وأن هذا الجيش فرّ من الموصل وتكريت تاركًا السلاح، وتربط ذلك بإفراغ المؤسسة العسكرية من القادة الأكفاء واستبدالهم بولاءات سياسية.
وتذهب المواد إلى أن الإجماع الدولي في منتصف 2014 – الأميركي وربما الإيراني ضمنيًا – كان يميل إلى ضرورة استبدال المالكي لتجنب انهيار العراق الكامل أو انزلاقه إلى حرب أهلية وتقسيم شامل.
ما الذي تعنيه 120 مرة؟
إعادة فتح اسم المالكي بهذه الكثافة داخل وثائق إبستين – ولو ضمن سياق سياسي – ليست تفصيلًا عابرًا فالمواد المرفقة داخل الأرشيف تحاول أن تقول إن مأساة العراق لم تكن حادثًا مفاجئًا، بل نتيجة سلسلة قرارات، وإن المالكي كان أحد أبرز رموزها.
وبينما لا تمثل هذه المواد وثائق اتهام قضائي، إلا أنها تُعد أرشيفًا سياسيًا شديد القسوة يقدّم المالكي كعنوان لفكرة واحدة، أن العراق بعد 2011 فقد توازنه، ثم دفع الثمن في 2014.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام