ذكر موقع "ذا ديلي سيغنال" الأمريكي، أن الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب نجحت أخيراً في إعلان ما وصفه بـ"الوفاة الفعلية لمتلازمة العراق"، وهي الحالة التي شلّت السياسة الخارجية الأمريكية لسنوات طويلة، انطلاقاً من الاعتقاد بأن أي تدخل عسكري خارجي سيتحوّل حتماً إلى مستنقع مكلف.
وأوضح الموقع، في تقرير ترجمته شبكة "الساعة"، أن "تحركات وتصرفات ترامب، ولا سيما في فنزويلا ومناطق أخرى، تعكس تحولات حاسمة في السياسة الخارجية الأمريكية، وتمثل نهاية موضوعية لما بات يُعرف بـ (متلازمة العراق)، التي وصفها التقرير بأنها عقلية مشلولة شوّهت السياسة الخارجية الأمريكية لأكثر من عقدين".
وأشار التقرير إلى أن "متلازمة العراق نشأت عقب فشل حرب العراق والاحتلال الطويل والمكلف الذي أعقبها، حيث ترسخت في الوعي الأمريكي باعتبارها اختصاراً لخوف أوسع من أي استخدام للقوة العسكرية خارجياً، على أساس أن أي تدخل من هذا النوع سيتحول حتماً إلى مستنقع".
ولفت إلى أن "تجربة العراق لم تكن المرة الأولى التي تتجذر فيها هذه العقلية"، موضحاً أن "فهم هذه المتلازمة يتطلب العودة إلى حرب فيتنام، حين دخلت مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية في حالة من الفوضى".
وأردف أن "الفكرة التي ترسخت بين النخب الأمريكية آنذاك كانت تقوم على أن الولايات المتحدة لم تخسر الحرب بسبب استراتيجية سيئة أو اضطرابات داخلية، بل لأنها لم يكن ينبغي لها خوض الحرب من الأساس، وبناءً على هذا الاستنتاج، تشكلت قناعة أوسع مفادها أن على الولايات المتحدة إعادة النظر جذرياً في دورها العالمي، وفق رؤية أصبحت تُعرف بـ (متلازمة فيتنام)، والتي دعت إلى التخلي عن السياسة الخارجية الحازمة لصالح ضبط النفس أو الانسحاب الصريح، خشية الوقوع في كوارث إضافية".
وبحسب التقرير، فقد استند هذا الموقف المعادي للتدخل الأمريكي إلى "اعتقاد بأن الولايات المتحدة ليست قوة للخير، وأن وجودها على الساحة الدولية شرير بطبيعته، وأن أمريكا مذنبة، وبالتالي فإن الرد المناسب يتمثل في التراجع والانكفاء".
غير أن التقرير أشار إلى أن "هذا التراجع كانت له كلفة باهظة، إذ إن العالم من دون قيادة أمريكية قوية كان أسوأ بكثير مما توقعه منتقدو التدخل"، مبينا أن "الشلل الذي فرضته واشنطن على نفسها ساهم في تسهيل الإبادة الجماعية في كمبوديا، والغزو السوفيتي لأفغانستان، وصعود إيران الإسلامية".
وزاد أن "الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان قرر، مع حلول منتصف ثمانينيات القرن الماضي، أن الوقت قد حان لتجاوز (متلازمة فيتنام)".
وذكّر بأن "الولايات المتحدة تدخلت عام 1983 في غرينادا وأسقطت حكومة ماركسية في عملية سريعة كلفت القليل من الأرواح الأمريكية وأعادت الديمقراطية إلى الجزيرة، وبعد ذلك بوقت قصير، وضع وزير الدفاع آنذاك كاسبار واينبرغر ستة معايير للتدخل العسكري، شملت: وجود مصلحة حيوية، والالتزام بتحقيق النصر، وتحديد أهداف سياسية وعسكرية واضحة، وإجراء إعادة تقييم استراتيجي مستمر، وتوافر دعم عام مستدام، واستنفاد الخيارات غير العسكرية".
وبين أن "إدارتي ريغان وجورج بوش الأب طبقتا هذه المبادئ في عملية بنما وخلال عملية (عاصفة الصحراء) ضد العراق، وبحلول عام 1989 كانت (متلازمة فيتنام) قد انتهت فعلياً، إلا أن أزمتي أفغانستان والعراق أعادتا إحياء هذه العقلية، حيث تم إسقاط النظامين بسرعة، لكن ما تلا ذلك من خطط واسعة لبناء الأمة وبكلف هائلة في الأرواح والأموال، أدى في نهاية المطاف إلى إحياء الشلل القديم، الذي أُعيدت تسميته لاحقاً بـ (متلازمة العراق)".
وأوضح أن "الأمر لم يعد مقتصراً على التشكيك المنطقي في إخفاقات الاستخبارات أو خطط بناء الدولة، بل تطور إلى استعادة كاملة لمنطق (متلازمة فيتنام)، والافتراض مجدداً أن أي تدخل أمريكي سيؤدي حتماً إلى تكرار سيناريو العراق أو أفغانستان، وهو اعتقاد ترسخ لدى اليسار واليمين على حد سواء".
وأضاف أن "متلازمة العراق قادت، كما كان متوقعاً، إلى نتائج مشابهة لسابقتها"، مشيراً إلى أنه "في عهد الرئيسين السابقين باراك أوباما وجو بايدن أصبح التراجع الأمريكي سياسة رسمية، وأسهم الانسحاب من العراق في صعود تنظيم داعش، كما توسعت ظاهرة وكلاء إيران في أنحاء الشرق الأوسط، وبلغت ذروتها في تشرين الأول/أكتوبر 2023، كذلك أدى انسحاب بايدن الكارثي من أفغانستان إلى مقتل 13 جندياً أمريكياً، وكشف عن ضعف أمريكي شجّع روسيا على غزو أوكرانيا، وعزز الطموحات العالمية للصين".
وعد التقرير أن "نهاية المرحلة التي اتسمت بـ (متلازمة العراق) حملت معها تحولاً جذرياً"، لافتا إلى أن "ترامب، كما فعل ريغان سابقاً، وضع حداً لحالة الشلل السائدة".
وذكر أن "ترامب حقق ذلك من خلال ما يمكن تسميته بـ (عقيدة ترامب)، التي تقوم على مبادئ واضحة تشمل: أولوية مصالح أمريكا؛ ومواءمة هذه المصالح مع حجم الاستثمار المطلوب؛ وبقاء جميع الأدوات، من الدبلوماسية إلى القوة العسكرية، مطروحة على الطاولة؛ إضافة إلى ضرورة أن تكون التهديدات صريحة وواضحة، لأن الردع يكون أكثر فاعلية عندما يكون علنياً وغير ملتبس".
وبحسب التقرير، فإن "ترامب طبّق هذه العقيدة مرتين خلال العام الماضي، الأولى عبر الهجوم الذي نُفذ في 22 حزيران/يونيو 2025 ضد منشأة فوردو النووية الإيرانية، والذي أعاد ترسيخ الردع الأمريكي في الشرق الأوسط وأعاد تشكيل الجغرافيا السياسية الإقليمية، والثانية من خلال الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو".
وأشار التقرير إلى أنه "في كلتا الحالتين حذّر النقاد من اندلاع حرب عالمية ثالثة، وهو تحذير اعتبره انعكاساً جديداً لعقلية (متلازمة العراق)، إلا أن هذه المخاوف، بحسب التقرير، ثبت مجدداً أنها غير صحيحة، إذ استعادت هذه الإجراءات الردع الأمريكي من دون جر الولايات المتحدة إلى مستنقعات عسكرية أو مشاريع بناء دولة مفتوحة النهاية".
وخلص التقرير إلى أن "أعداء أمريكا باتوا يدركون الآن الرسالة الأساسية التي مفادها أن الأفعال لها عواقب"، مؤكداً أن "ذهنية (متلازمة العراق) ينبغي أن تكون قد انتهت، وإذا كانت قد انتهت بالفعل، فإن الفضل في ذلك يعود، وفق التقرير، إلى ترامب، الذي أعاد للولايات المتحدة هيبتها على الساحة العالمية، في تحول وُصف بغير العادي قياساً بالموقع الذي كانت عليه البلاد قبل عام واحد فقط، عندما صوّت أنصار شعار (اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى في العالم)".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام