يتجه العراق نحو حراك سياسي ساخن لاختيار رئيس الحكومة المقبلة عقب الانتخابات البرلمانية التي أفرزت نتائجها تقدما واضحا لقوى الإطار التنسيقي الشيعية والتي حصلت على أكثر من 175 مقعدا تشكل أكثر من نصف عدد مقاعد البرلمان البالغة 329 مقعدا.

وأعلن الإطار التنسيقي الأسبوع الماضي تشكيل أكبر كتلة نيابية، مما يمنحها الأغلبية البرلمانية لاختيار رئيس الوزراء المقبل، لكن قوى الإطار لم تقدم ولم تسمي لغاية الآن مرشحها للمنصب، ما يعكس حالة من عدم التوافق على مرشح محدد.

أسماء متداولة

ويسعى رئيس الوزراء في الحكومة الحالية محمد شياع السوداني للحصول على ولاية ثانية، لكن مساعيه تصطدم بعودة آمال رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي في الوصول للمنصب مرة ثالثة، خاصة وأن حزب الدعوة الإسلامية قد أعلن المالكي مرشحه لرئاسة الحكومة بشكل رسمي.

وتداولت وسائل إعلام عراقية أسماء عددا من المرشحين لمنصب رئيس الوزراء والذي خصص بحسب العرف السياسي السائد بعد العام 2003 للمكون الشيعي، من بينهم محمد شياع السوداني ونوري المالكي إلى جانب قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي وحميد الشطري مدير جهاز المخابرات وأسعد العيداني محافظ البصرة وعبد الأمير الشمري وزير الداخلية.

ومؤخرا، شكل الإطار التنسيقي لجنتان، الأولى تُعنى بإعداد تصور لتشكيل الحكومة، والثانية للتفاوض مع القوى السياسية الأخرى يقودها المالكي والعامري والفياض والمندلاوي، إلا أن هاتين اللجنتين لم تُحدثا تغييرًا جوهريًا في مسار النقاشات. فالأسماء المطروحة، بحسب مصادر من الإطار لن تخرج عن الدائرة التقليدية المرتبطة بالبيت السياسي الشيعي والمقبولة لدى العواصم المؤثرة على القرار العراقي، وعلى رأسها طهران.

حظوظ السوداني

برزت معارضة لافتة لتمديد ولاية السوداني من قبل عدة أطراف داخل الإطار، بينها كتلاً وشخصيات مؤثرة مثل العصائب وحقوق ودولة القانون بزعامة المالكي.

وترى هذه القوى أن السوداني خرج عن سياق الضبط الداخلي خلال ولايته، بعدما حاول اعتماد مساحة من الاستقلالية في إدارة الحكومة، خاصة في ملفات مكافحة الفساد والتعيينات العليا، وهو ما اصطدم بمصالح قوى نافذة داخل الإطار، وأثار امتعاضًا واضحًا لديها.

ومع ذلك، يرى مراقبون أن السوداني ما يزال يمتلك قاعدة دعم مهمة داخل الإطار وخارجه، فهو لمح أكثر من مرة إلى رغبته بالحصول على ولاية ثانية، معتبرًا أن الأمر استحقاق انتخابي لكتلته "الإعمار والتنمية" التي تصدرت نتائج الانتخابات الأخيرة، كما يشير داعموه إلى أنه يحظى بقبول إقليمي ودولي، وهو عامل لا يمكن تجاهله في معادلة اختيار رئيس الحكومة المقبلة، غير أن دعمه من الجانب الإيراني وكذلك الأمريكي لم يبدو واضحا لغاية الآن، كما أن واشنطن لم تتحرك نحو دعم مرشح رغم تأكيد مراقبون أن عملية تشكيل الحكومة العراقية المقبلة ستكون بمتابعة أمريكية وأن الأخيرة لن تسمح لإيران بفرض إرادتها في اختيار رئيس الوزراء والحكومة كما يحصل عند تشكيل كل حكومة.

حظوظ المالكي

وعقب ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة المقبلة من حزب الدعوة، إلا أن حظوظه بالوصول للمنصب ضعيفة، كما يشير الباحث والمحلل السياسي صباح العكيلي، الذي استبعد امكانية حصول المالكي على المنصب وفق المعطيات الحالية.

وقال العكيلي في حديث لشبكة "الساعة": إن "حزب الدعوة رشح المالكي لرئاسة الوزراء في وقت تزامن مع زيارة الأخير إلى أربيل بصفته كرئيس لدولة القانون وليس ممثلا عن كل الإطار التنسيقي"، وأوضح أن "المالكي لا يمتلك المقاعد التي تؤهله لنيل المنصب، إذ توجد كتل تمتلك مقاعد برلمانية أعلى من المقاعد التي يمتلكها المالكي، وأخرى تساويه، ولذلك فإنه من الناحية الواقعية ستكون فرص المالكي للوصول للمنصب بعيدة".

ورجح العكيلي أن "يكون ترشيح المالكي تكيك سياسي بعد تقديم السوداني نفسه لولاية ثانية، إذ أن ترشيح المالكي يمهد الطريق لاختيار مرشح تسوية كما حصل في السابق، خاصة وأنه لا يوجد اجماع على الاثنين (المالكي والسوداني)".

أسماء جديدة غير معلنة

وأشار إلى أن "النقاش الحالي في الإطار يدور حول أسماء اخرى لم تطرح في وسائل الإعلام، كما أن الإطار لم يعلن عن أسماء محددة للمنصب، وتوقع أن تكون الأسماء المسربة المفترض ترشيحها للمنصب مجرد تمويه وتكيك لإبعاد النظر عن الأسماء المرشحة فعلا لمنصب رئاسة الوزراء".

وتابع أن "الوقت الحالي مبكر لحسم مرشح رئاسة الحكومة، والجميع ينتظر الـ 9 من كانون الثاني 2026 كموعد أخير لتقديم المرشح بحسب التوقيات الدستورية"، ولفت إلى أن "الإطار ينتظر أيضا موقف القوى السنية والكردية وحسمها لتقديم مرشحيها لمنصبي رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان".

تسويات اللحظات الأخيرة

من جانبه، يرى الباحث في الشأن السياسي عائد الهلالي وجود احتمالات عدة بشأن اسم المرشح لمنصب رئيس الوزراء، خاصة وأن الأمر يتعلق في كثير من الجوانب بالتوافقات الداخلية والقبول الإقليمي والدولي، لكنه توقع أن يتم التوصل إلى اسم مرشح رئاسة الحكومة في مفاوضات وتسويات اللحظات الأخيرة.

وقال الهلالي في حديث لشبكة "الساعة": إن "القراءة الواقعية لموضوع اسم المرشح المقبل لرئاسة الوزراء، يمكن القول إن المشهد ما زال مفتوحاً على أكثر من احتمال، رغم كثافة التكهنات التي تملأ وسائل الإعلام، فالقوى الشيعية التي حصدت المقاعد الأكبر تدرك أن اختيار شخصية لرئاسة الحكومة لم يعد قراراً حزبياً خالصاً، بل هو قرار يتداخل فيه معيار القبول الداخلي، والتفاهمات البينية داخل الإطار السياسي الأكبر، إضافة إلى ضرورة ضمان قبول إقليمي ودولي يضمن استقرار المرحلة المقبلة".

وأضاف: أنه "بالنسبة للأسماء التي ستقدم، فمن المتوقع أن تنقسم القوى الشيعية بين اتجاهين: الأول يدفع نحو تجديد الثقة بشخصية مجرّبة وقادرة على إدارة التوازنات، خصوصاً في ظل استمرار الملفات الحساسة على طاولة الدولة، أما الاتجاه الثاني فيميل إلى طرح اسم جديد يحظى بدعم أوسع داخل البيت السياسي، ويستطيع أن يُعيد ضبط إيقاع العلاقة بين القوى من جهة، وبين الحكومة والشارع من جهة أخرى"، مبينا أنه "لا يمكن الجزم بأن الأسماء المتداولة حالياً هي الحاسمة، حتى وإن بدت قوية في التداول الإعلامي".

وتابع الهلالي: أن "ما يُنشر في وسائل الإعلام من أسماء مرشحين، فغالب الظن أنه يدخل ضمن إطار التكتيك السياسي والمناورات المقصودة لاختبار ردود الأفعال، سواء داخل التحالفات أو لدى الرأي العام"، مشيرا إلى أن "تجربة السنوات الماضية أثبتت أن الاسم النهائي غالباً ما يخرج من دوائر ضيقة بعيداً عن ضجيج الإعلام، ويُعلن عادة بعد سلسلة تفاهمات دقيقة لا يُكشف عنها مسبقاً".

وخلص الهلالي بالقول: أنه "من غير المستبعد أن نشهد طرح أسماء جديدة في الأيام المقبلة، قد لا تكون مطروحة حالياً في الإعلام، لكنها ستكون نتاج تسويات اللحظة الأخيرة والبحث عن صيغة تضمن استقرار الحكومة الجديدة وقدرتها على العمل ضمن توازنات معقدة".