بعد هدوء حذر، وتراجع في خطابات التهديد والوعيد بين الجانب الأمريكي والفصائل العراقية القريبة من إيران خلال الفترة التي أعقبت حرب الـ 12 يوما بين "إسرائيل" وإيران، عادت واشنطن مجددا لتطلق تحذيرات تلوح فيها باستخدام القوة العسكرية تجاه الفصائل العراقية.
لكن التحذيرات الأمريكية رهنت الموقف الأمريكي بتدخل الفصائل العراقية في صراع قد تشهده المنطقة قريبا، دون الكشف عن تفاصيله وموقعه، وما إذا كان أحد أطراف الصراع هو الكيان الإسرائيلي.
وأسدل الستار عن التهديدات الأمريكية، على لسان وزير الدفاع العراقي ثابت العباسي الذي كشف عن تلقي الحكومة العراقية تحذيراً شديد اللهجة من الولايات المتحدة الأمريكية، خلال اتصال هاتفي بينه وبين وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث.
وقال العباسي في مقابلةٍ تلفزيونية تابعتها شبكة "الساعة": إن "هيغسيث، أبلغه بوجود تحركات عسكرية قريبة رجح أن تكون في سوريا، محذراً من تدخل الفصائل العراقية في تلك العمليات"، دونَ أنْ يقدّم مزيداً من التفاصيل حول طبيعتها.
وأضاف وزير الدفاع العراقي: أن "المحادثة الهاتفية تناولت ملفات التعاون في مجال الطائرات المسيرة ومذكرة التفاهم الأمني والاستخباري المقترح توقيعها بين الجانبين".
واختتم العباسي حديثه بالإشارة إلى أن نظيره الأمريكي أنهى الاتصال بعبارة تحذيرية مباشرة قال فيها، "هذا تبليغ أخير للعراق، وأنّ بغداد تعرف جيداً كيف سيكون رد الإدارة الحالية".
ولم يصدر عن الحكومة العراقية أي موقف تجاه التهديدات الأمريكية الأخيرة، فيما تنشغل أغلب القوى السياسية العراقية بالانتخابات البرلمانية والتحضير لها والتي من المقرر أن تجري في الـ 11 من تشرين الثاني الجاري.
سافيا: لن نسمح بوجود الفصائل
وتزامن مع التبليغ الأمريكي الأخير، موقف أمريكي آخر تجاه الفصائل العراقية المسلحة، إذ ارتفعت حدة التصريحات التي يطلقها المبعوث الأميركي الخاص إلى العراق مارك سافيا ضد السلاح خارج الدولة الذي يقصد من خلاله سلاح الفصائل المسلحة الحليفة لطهران، ما تسبب بجدل مبكر حول مساحة اشتغاله في العراق، وتحديات المرحلة المقبلة، لا سيما مع التوجه الأميركي لنزع سلاح الفصائل المسلحة خلال الفترة المقبلة.
وفي أول موقف رسمي لسافيا قبل مباشرته مهام عمله مبعوثاً أمريكياً إلى العراق، أكد أن أمريكا لن تسمح بوجود جماعات مسلحة خارج سلطة الدولة العراقية، مشدداً في الوقت نفسه على ضرورة التخلص من التدخلات الإيرانية في شؤون العراق.
حرب وشيكة تشارك فيها الفصائل العراقية
ويرى مراقبون للشأن العراقي أن التحذيرات الأمريكية تؤكد سعي الإدارة الأمريكية لإنهاء دور الفصائل المسلحة الحليفة لطهران في المنطقة وفي العراق، كما تشير إلى احتمالية تفجر الصراع الإسرائيلي – الإيراني من جديد بعد أن وصلت المفاوضات بشأن تخلي إيران عن المشروع النووي والصاروخي إلى طريق مسدود.
وفي هذا السياق يرى الباحث في الشأن العراقي غانم العابد أن تصريحات وزير الدفاع العراقي وما نقله من تهديدات أمريكية للفصائل تؤكد نقطتين جوهريتين، الأولى هي أن الحرب بين إيران وإسرائيل وتدخل أمريكيًا فيها باتت وشيكة.
وأشار في حديث لشبكة "الساعة" إلى أن "النقطة الثانية تتمثل بعلم الولايات المتحدة بتحرك إيران تجاه الفصائل العراقية والطلب منها الاشتراك في الحرب إن تجددت عكس ما حصل في حرب الأيام الـ 12 عندما عملت إيران على تجنيب الفصائل العراقية الدخول في الحرب".
وأوضح العابد أن "العراق سيصبح ساحة صراع لإيران وإسرائيل وأنه سيقحم في الصراع ما لم يكن هناك موقف حكومي صارم يمنع الفصائل من الدخول في هذا الصراع، كاشفا عن معلومات تفيد بأن قيادات غير معروفة في الحرس الثوري الإيراني زارت العراق قبل 3 أشهر والتقت بقادة الفصائل ولا سيما النجباء وحزب الله من أجل مشاركتهم في الصراع المقبل وتجاهل موقف الحكومة العراقية الذي يحاول ابعاد الفصائل عن الصراع".
رسائل أمريكية لإيران
من جهته، أكد الباحث والمحلل السياسي صباح العكيلي أن التحذيرات الأمريكي تأتي بمثابة رسائل أمريكية للجانب الإيراني من أجل الضغط عليها لتقديم التنازلات بشأن الملفين النووي والصاروخي والذي أكدت طهران على لسان وزير خارجيتها أنها لن تتنازل عنهما.
وقال العكيلي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الاتصال بين وزيري الدفاع العراقي والأمريكي وما كشف عنه العباسي يشير إلى وجود رغبة أمريكية في استهداف إيران أو السماح لإسرائيل بالقيام بذلك، بعد أن وصلت المفاوضات بين الجانبين إلى طريق مسدود"، ولفت إلى أن "التحذيرات الأمريكية شملت أيضا الفصائل العراقية لإبعادها عن ردود فعل قد تحصل خاصة وأنها قد هددت باستهداف المصالح الأمريكية في حال دخول واشنطن الصراع مع إيران".
جدية أمريكية بإنهاء دور الفصائل في العراق
أما السياسي العراقي المقيم في الولايات المتحدة انتفاض قنبر فيرى أنه بعيدا عن صحة ما جاء في تصريحات العباسي من عدمها، إلا أن الثابت في الموقف الأمريكي هو رغبتها بإنهاء دور الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق.
وقال قنبر لشبكة "الساعة": إن "الأمر الثابت والمعلوم أن إدارة ترامب ترفض أي وجود من الآن فصاعدا للفصائل المسلحة الموالية لإيراني في المنطقة"، مبينا أن "بقاء الفصائل العراقية بعد تجحيم دور حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن وحماس في غزة يمثل أمرا نشازا وشاذا عن الواقع الأمريكي الذي بات مفروضا اليوم في المنطقة".
وأضاف قنبر: أن "سياسية ترامب لن تسمح بوجود جماعات مسلحة في المنطقة ومنها العراق، وأن السلطات العراقية مطالبة بالإسراع في حل هذه الفصائل ومنها الحشد الشعبي قبل أن يتم حلها بالقوة العسكرية الأمريكية".
تحذيرات "إسرائيلية" من تحرك الفصائل في العراق
وجاءت التحذيرات الأمريكي بالتزامن أيضا مع تحذيرات مماثلة من خطر الفصائل العراقية، ولكنها صدرت من الجانب الإسرائيلي، إذ أشار موقع "واللا" الإخباري العبري إلى أن "الجيش الإسرائيلي وجهاز الموساد يستعدان لمواجهة تهديد متزايد مصدره العراق"، في ظل ما وصفه الموقع بتصاعد النفوذ الإيراني هناك، وتعزيز طهران لدعمها الفصائل المسلحة الموالية لها.
وبحسب ما نقله الموقع عن مصادر في قيادة المنطقة الشمالية بالجيش الإسرائيلي، فقد ادعت أن "إيران تعمل على ضخ موارد مالية وعسكرية كبيرة في الفصائل المسلحة الشيعية داخل العراق، بهدف تمكينها من مهاجمة إسرائيل جوًا وبرًا عندما يصدر القرار".
وأوضح التقرير أن "الاستعدادات الإسرائيلية تشمل احتمال إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة بعيدة المدى من الأراضي العراقية إلى جانب إمكانية تنفيذ تحرّك بري عبر سوريا وصولا إلى الحدود الأردنية".
وأشار الموقع إلى أن "قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، إسماعيل قاآني، زار العراق مؤخرًا، والتقى عددًا من قادة تلك الفصائل، في إطار ما وصفه بالتنسيق المتزايد مع طهران استعدادًا لأي مواجهة مستقبلية".
ونقل الموقع عن مصادر إسرائيلية أن "رسائل تحذير نُقلت إلى الحكومة العراقية عبر وساطات أميركية"، كما أشار إلى أن "حركة النجباء، وهي فصيل شيعي، باتت من أبرز مصادر القلق لإسرائيل بعد أن أعلنت سابقًا مسؤوليتها عن إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاهها".
وبحسب الإعلام الإسرائيلي، فإن الكيان ومواقع تابعة لجيشه في سوريا تلقى 65 ضربة بطائرات مسيرة من العراق أطلقتها الفصائل المسلحة العراقية القريبة من إيران خلال فترة الصراع الدائر عقب أحداث الـ 7 من أكتوبر.
وفي سياق التحضير لمواجهة هذا التهديد، أجرت فرقة "جلعاد 96" تدريبات تحاكي سيناريوهات هجوم محتمل من الجبهة الشرقية على طول حدود وادي الأردن، وفق ما أشار الإعلام الإسرائيلي.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام