أثار اعتقال شرطي عراقي على خلفية انزاله العلم الإيراني من مواطنة إيرانية خلال الزيارة الأربعينية موجة انتقادات واسعة، وذلك عقب الجدل الذي أثاره رفع الأعلام الإيرانية داخل الأراضي العراقية خلال مناسبة إحياء ذكرى أربعينية استشهاد الإمام الحسين.

وانتشر مقطع مصور يظهر شرطيا عراقيا يتحدث مع مواطنة إيرانية ترفع العلم الإيراني مطالبا أياها بإنزاله، ثم يقوم بإنزاله بعد رفضها، وهو ما تفاعل معه طيف واسع من العراقيين الذين أكدوا رفضهم لرفع أي علم غير العلم العراقي، ووصفوا تصرف الشرطي بالشجاع والوطني المعبر عن الدفاع عن سيادة العراق، فيما عده آخرون بأنه تجاوز غير مقبول على إيران والزوار الإيرانيين، وكردة فعل أقدم عشرات المدافعين عن إيران برفع العلم الإيراني والتجول به أثناء الزيارة، باعتباره مصدر فخر واعتزاز لهم.

وعقب انتشار المقطع، أفاد النائب المعروف بقربه من نظام إيران مصطفى سند، باعتقال الشرطي الذي أنزل العلم الإيراني، فيما أشار إلى أن اعتقاله جاء بناء على توجيه من وزير الداخلية، وأن التحقيق يجري معه لمعرفة الدوافع وراء الموضوع.

وتثير حادثة العلم الإيراني التساؤلات بشأن السيادة العراقي والتدخلات الإيرانية، إذ يرى البعض أن الحادثة تعبر عن عمق النفوذ الإيراني في العراق والذي وصل لاعتقال رجل أمن بسبب إنزال العلم الإيراني.

ازدواجية المعايير

والأسبوع الماضي، اعتقلت الشرطة العراقي شخصين في محافظة كركوك كانا يتجولان في سيارتيهما ويرفعان العلم الأمريكي، الأمر الذي تفاعل معه عراقيون وأبدوا تأييدهم له لرفضهم أي علم أجنبي على الأراضي العراقية.

ولكن تعامل السلطات مع رفع العلم الأمريكي والإيراني في العراق يبدو متناقضا، فبينما تم اعتقال العراقيين الحاملين للأعلام الأمريكية، يتم اعتقال شرطي أنزل العلم الإيراني، وهو ما عبر عنه النائب الثاني لرئيس البرلمان العراقي شاخوان عبدالله.

وفي تعليق على الحادثة قال عبد الله: "إذا يتم إلقاء القبض على المواطن بسبب رفع العلم الأمريكي، فيجب أن يتم إلقاء القبض أيضاً على من يرفع العلم الإيراني".

وأضاف أن "جولة سريعة إلى مناطق طوزخورماتو كفيلة بكشف وجود أعداد كبيرة من الأعلام الإيرانية واعلام أخرى، متسائلاً عن المعايير المزدوجة في التعامل مع هذه القضايا"، وأكد نائب رئيس البرلمان، عزمه على "متابعة الملف شخصياً والتحدث مع رئيس المحكمة الاتحادية بشأنه".

في الأثناء، أشارت مصادر صحفية بأن أحد المحامين تطوع للدفاع عن الشرطي، مؤكداً أن فعله لا يدخل ضمن المخالفات القانونية.

إلى ذلك، يرى المحامي والباحث في الشأن القانوني عامر الدليمي أن اعتقال الشرطي العراقي لا يستند إلى أي دليل قانوني.

وقال الدليمي في حديث لشبكة "الساعة": إنه "لا توجد مادة قانونية تفضي إلى محاسبة العراقيين الذين يقومون بفعل إنزال العلم الأجنبي"، مبينا أن "هذا الإجراء يمكن اتخاذه فقط في حال إنزال الأعلام الأجنبية التي ترفع بطرق رسمية وقانونية كالأعلام التي ترفع فوق السفارات والقنصليات واللقاءات الرسمية وغيرها".

وأضاف أن "فعل الزوار الإيرانيين المتمثل برفع علم بلادهم يعد مخالفة قانونية، لأنهم على أراضي دولة ثانية، ولأن مشاركتهم جاءت ضمن طقوس دينية ويتوجب فيها عدم الزج بالقضايا السياسية كرفع الأعلام وإطلاق الشعارات التي تعتبر مستفزة للعراقيين".

رفع الأعلام الأجنبية يمس السيادة الوطنية

أما الباحث السياسي هلال العبيدي فيرى أن منع رفع العلم الإيراني من قبل الشرطي العراقي جاء تعبيرا عن موقف مدافع عن السيادة العراقية، واعتبر أن رفع أعلام دول أجنبية يمثل تصرفا خاطئا يجب منعه.

وقال العبيدي في حديث لشبكة "الساعة": إن "قضية اعتقال الشرطي العراقي مجحفة ليست بحق الشرطي فقط وإنما بحق السيادة الوطنية العراقية".

وأضاف أن "رفع الأعلام الأجنبية في الزيارات الدينية يتمثل تصرفات خاطئة، وأن السماح برفع العلم الإيراني يفسح المجال لرفع أعلام البحرين واليمن وباكستان وأفغانستان وغيرها من الدول"، مبينا أن "رفع الأعلام في الزيارات ستحول الزيارة الدينية إلى مناسبة سياسية لرفع الأعلام".

وأوضح العبيدي أن "تصرف الشرطي كان تصرفا صحيحا لأنها تمس سيادة البلاد ويجب أن لا يرفع غير علم الدولة باستثناء رفعها في المواقع الرسمية والسفارات الأجنبية"، فيما استبعد أن "تكون هناك وجهة قانونية لاعتقال الشرطي العراقي على فعله".

وأعرب العبيدي عن "تأييده لاعتقال الشخصين العراقيين الذين قاما برفع العلم الأمريكي في كركوك قبل أيام"، مشددا على "ضرورة رفع قيمة العلم العراقي وتجنب رفع قيمة الدول الأجنبية على حساب العراق".

ضعف الانتماء الوطني

من جهة أخرى، أكد الناشط السياسي إبراهيم الخالدي أن رفع الأعلام الأجنبية في العراق تعكس وللأسف انعدام الروح الوطنية العراقية وتبعية البعض للدول الخارجية.

وقال الخالدي في حديث لشبكة "الساعة": إن "رفع العلم الإيراني في العراق وتفاخر الكثير من العراقيين برفع هذا العلم يعكس جهل هؤلاء الأشخاص وتبعيتهم لإيران وكذلك وعدم ولائهم لوطنهم العراق"، مبينا أن "أغلب دول العالم ترفض رفع أعلام أجنبية في أماكن التجمعات الشعبية لأنه يعتبر استفزاز لهم".

ودعا الخالدي السلطات العراقية إلى "محاسبة جميع العراقيين الذين يرفعون أعلاما أجنبية"، كما دعا إلى "ضرورة تفعيل التوعية المجتمعية لتقديس العلم العراقي ورفض رفع أي علم ثاني معه فوق الأراضي العراقية"، مشيرا إلى أن "رفع العلم الإيراني في العراق يؤكد وقوف جهات سياسية موالية لطهران تدفع نحو هذا التصرف الغير مقبول".

واستشهد بحوادث إنزال العلم العراقي في إيران، والذي سبق أن تحدث عنه عراقيون خلال زيارتهم لإيران، مشددا على أن "العراقيين يجب أن يقتدوا بالإيرانيين في التعامل مع علمهم والأعلام الأجنبية".

رفض لعسكرة المراقد

وخلال الزيارة الأربعينية، انتشرت مقاطع لزائرين يؤدون حركة تشير إلى سقوط صواريخ، في إشارة إلى الضربات الإيرانية التي استهدفت إسرائيل مؤخرا، إضافة إلى مقاطع من داخل مرقد الإمام الحسين تعرض مجسمات لصواريخ يُعتقد أنها تحمل دلالات على القوة العسكرية الإيرانية، وهو ما قوبل بموجة انتقادات ودعوات لمنع زج مثل هذه الأمور في الطقوس الدينية.

وعبر زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر عن ما وصفه بـ"عسكرة المراقد"، وجاء موقف الصدر عبر رسالة قصيرة بخطه نشرتها منصات إعلامية مقربة من التيار، قال فيها: "عسكرة المراقد ممنوعة".

وشدد رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني في بيان صدر عن مكتبه، على رفض استخدام الشعارات السياسية خلال الزيارات الدينية.