كشف الاتصال الأخير بين وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مع رئيس الوزراء العراقي عن توجه جديد في السياسة الأمريكية تجاه العراق، يتضمن في تفاصيله فقدان ثقة واشنطن بالجانب الحكومي العراقي في كبح جماح الفصائل المسلحة الموالية لإيران.
وشدد وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية ماركو روبيو، على ضرورة محاسبة المتورطين بالهجمات الأخيرة التي استهدفت منشآت نفطية في إقليم كردستان العراق.
ووفقا لما ذكرته المتحدثة باسم الخارجية الامريكية تامي بروس في بيان اليوم الأربعاء: إن "وزير الخارجية جدد تأكيده على دعم الولايات المتحدة لأمن واستقرار العراق، ووقوفها إلى جانب الحكومة العراقية في مواجهة التحديات الأمنية، خاصة تلك التي تستهدف المنشآت الحيوية وقطاع الطاقة".
وأضافت: أن "الوزير روبيو شدد أيضاً على ضرورة صرف رواتب موظفي إقليم كردستان واستئناف صادرات النفط عبر خط أنابيب ميناء جيهان التركي".
ووفقا للبيان، فإن "ربيو أعرب عن قلق الولايات المتحدة العميق من مشروع قانون هيئة الحشد الشعبي المطروح حالياً أمام مجلس النواب العراقي"، معتبرا أن "إقراره من شأنه أن يكرّس النفوذ الإيراني ويمنح جماعات مسلحة مكانة رسمية تقوض سيادة العراق".
وفي المقابل، ووفقا للبيان الحكومي العراقي، فإن "السوداني قال لوزير الخارجية الأميركي إن طرح قانون الحشد الشعبي أمام مجلس النواب يأتي ضمن الإصلاحات التي انتهجتها الحكومة"، ومؤكداً أن "الحشد مؤسسة عسكرية عراقية رسمية".
وذكر المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي، في بيان، أن "السوداني أوضح أن طرح قانون الحشد الشعبي أمام البرلمان يأتي ضمن مسار الإصلاح الأمني، الذي انتهجته الحكومة، وهو جزء من البرنامج الحكومي المعتمد من البرلمان، وشمل إقرار قوانين مماثلة لأجهزة أخرى ضمن قواتنا المسلحة، مثل جهازي المخابرات والأمن الوطني"، وفقاً للبيان.
وأكدت أوساط برلمانية وجود تحرك أمريكي على الأرض من أجل تفكيك الحشد الشعبي وعدم تمرير قانون الحشد في البرلمان.
وقبل أيام حذر رئيس البرلمان محمود المشهداني خلال جلسة برلمانية من التصويت على قانون الحشد الشعبي بسبب الرفض الأمريكي الكبير، الأمر قد يدخل العراق في مشاكل مع الولايات المتحدة.
وقال النائب حسين عرب في تصريحات صحفية: إن "الولايات المتحدة الأمريكية ماضية في الضغط باتجاه تفكيك هيئة الحشد الشعبي كقوة عسكرية مستقلة" مشيرًا إلى أن واشنطن أبلغت قيادات سنية وكردية وحتى شيعية بعدم قبولها لصيغة قانون الحشد الأخير.
وأوضح عرب أن "الجانب الأمريكي يعتبر التوسع في عدد مقاتلي الحشد وتسليحهم خارج إطار الدولة تهديدًا إقليميًا، ما يدفعها إلى التلويح بفرض عقوبات على شخصيات مقربة من فصائل مسلحة، أو ممولين رئيسيين لهم".
وأضاف أن "هناك مؤشرات إلى أن الإدارة الأمريكية تتابع هذه الملفات عبر لجان في الكونغرس، وتسعى لتقليص نفوذ الحشد عبر أدوات سياسية واقتصادية"، مؤكدًا أن "الأمر لم يعد متعلقًا بمواقف".
وفي السياق، أكد رئيس المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية غازي فيصل أن الموقف الأمريكي الأخير يعبر عن رفض أمريكي لاستمرار أنشطة الفصائل المسلحة والسلاح المنفلت في العراق من جهة، وعن فقدان ثقة الجانب الأمريكي بالسلطات العراقية في نزع السلاح المنفلت وتحديد نفوذ الفصائل الموالية لإيران.
وقال فيصل في حديث لشبكة "الساعة": إن "الولايات المتحدة تنظر إلى تمرير قانون الحشد الشعبي في البرلمان على أنه محاولة لاستنساخ تجربة الحرس الثوري الإيراني في العراق"، مبينا أن "الحرس الثوري الذي شكل عام 1979 كرديف للحرس للجيش الإيراني تسبب بتحويل هذه المؤسسة إلى منظمة إرهابية عالمية كما حولت إيران إلى دولة راعية للإرهاب في نظر الولايات المتحدة والدول الأوروبية".
وحذر من أن "تحويل تشريع قانون الحشد الشعبي في العراق سيؤدي أيضا إلى تحويل هذه المؤسسة إلى منظمة إرهابية وسيحول العراق إلى دولة راعية للإرهاب".
وأشار فيصل إلى "مطلب تفكيك الحشد وإنهاء نفوذ الفصائل ونزع السلاح المنفلت ليس مطلبا أمريكيا فقط، بل مطلبا عراقيا لاسيما وأن مرجعية النجف أكدت مؤخرا عليه، فضلا عن تيارات دينية وسياسية عراقية أخرى".
ونوه إلى أن "إخفاق الحكومة العراقية في تحقيق هذا المطلب وتحجيم دور الفصائل ومعالجة وضع الحشد الشعبي من شأنه أن يدفع واشنطن إلى توجيه ضربات جوية إلى الفصائل المسلحة ومقراتها وقيادتها".
كما أكد أن "الاتفاقية الأمنية الموقعة بين العراق والولايات المتحدة عام 2008 تضمنت تأمين وحماية المصالح الأمريكية مقابل دعم العراق أمنيا، لكن الجانب العراقي لم يلتزم بهذا الأمر بسبب تهديدات وانشطة الفصائل المسلحة القريبة من إيران".
وتابع فيصل: أن "الاتصال الهاتفي الأخير كشف عن فقدان ثقة الولايات المتحدة بالجانب العراقي لانها لم تحقق المطالب المتكررة لنزع سلاح الفصائل المسلحة".
من جهة أخرى، يرى الباحث في الشأن السياسي مجاشع التميمي أن ما تم الكشف عنه في اتصال روبيو والسوداني يؤكد استمرار الحوار البناء بين بغداد وواشنطن.
وقال التميمي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الاتصال الهاتفي بين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ورئيس الوزراء محمد شياع السوداني يعد مؤشراً على استمرار الحوار البناء بين بغداد وواشنطن رغم التباينات في بعض الملفات".
وأضاف أن "الاتصال تضمن تأكيداً أميركياً على أهمية حماية البنية التحتية للطاقة، وخاصة المصالح الأميركية، وهو أمر طبيعي في سياق العلاقات الثنائية"، مبينا أن إثارة ملف رواتب إقليم كردستان وخط أنابيب العراق-تركيا تعكس اهتماماً باستقرار الوضع الاقتصادي في العراق".
وتابع التميمي: أن "ما جرى في الاتصال بشأن قانون هيئة الحشد الشعبي، فإن موقف رئيس الوزراء كان متزناً، حيث طمأن الجانب الأميركي بأن أي تعديل أو تشريع سيتم ضمن إطار الإصلاح الأمني الشامل، وبما يضمن تعزيز سيادة الدولة وحصر السلاح بيدها".
وبين أن "هذا الموقف ينسجم مع ما طُرح في اللقاء الأخير مع الوفد الأميركي، ويعكس رؤية الحكومة الهادفة لإدارة توازن دقيق بين مقتضيات الأمن الوطني والحفاظ على علاقات خارجية متوازنة مع جميع الشركاء".
غير أن بعض الآراء ترى أن الموقف الأمريكي الأخير لن يؤدي إلى حل الحشد أو تفكيك الفصائل المسلحة، لكنه سيدفع باتجاه تنظيم سلاح تلك الفصائل وإخضاعه لسلطة الحكومة العراقية والقائد العام للقوات المسلحة.
وقال الباحث في الشأن السياسي، حيدر الموسوي، في حديث لشبكة "الساعة": إن "الولايات المتحدة غير قادرة على حل الفصائل المنضوية ضمن الحشد الشعبي والحكومة العراقية، وبالتالي فإن بغداد ترتبط بعلاقة إيجابية وجيدة مع واشنطن".
وأضاف أن "الولايات المتحدة ترفض أن يكون لإيران نفوذ داخل العراق يفوق النفوذ الأمريكي"، مبينًا أن "واشنطن تسعى إلى حصر السلاح بيد الدولة، وليس إلى نزعه بالكامل، وأن يكون تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة، وهي ذاتها رؤية المرجعية الدينية في النجف".
وأشار الموسوي إلى أن "الموقف الحالي معقّد، ولا يمكن التعامل معه بسهولة بسبب التوترات في المنطقة"، مؤكدًا أن "على العراق يتبع سياسات تُشعر الجانب الأمريكي بأن بغداد ليست خصمًا لواشنطن، إن لم تستطع إقناعها بأنها حليف وصديق".
لكن السياسي العراقي المقيم في الولايات المتحدة انتفاض قنبر يؤكد أن الموقف الأمريكي تجاه العراق بات أكثر وضوحا وأنه لن يقبل باستمرار نفوذ الميليشيات الموالية لإيران ولا حتى لإعطاء الشرعية للحشد الشعبي.
وقال قنبر في حديث لشبكة "الساعة": إن "الموقف الرافض لقانون الحشد واستمرار أنشطته وكذلك أنشطة الميليشيات الولائية لا يتقصر بالموقف الأمريكي، لأن تمرير قانون الحشد يصطدم بعراقيل دستورية وقانونية عراقية".
وأضاف: أن "عدم شرعية الحشد الشعبي يرتكز على أن فتوى المرجعية في النجف التي صدرت من المرجع الشيعي الأعلى، علي السيستاني حثت الشباب الشيعة على محاربة داعش أي التطوع في أجهزة الدولة الأمنية من شرطة وجيش ولم يذكر السيستاني اطلاقا تأسيس ميليشيا خارجة عن الدولة تحت مسمى الحشد الشعبي".
وأضاف قنبر: أن "تأسيس الحشد الشعبي كان وبشكل مباشر من قبل قائد قوات القدس قاسم سليماني حيث استغل (بعبع) السنة وداعش وزور فتوى السيستاني ليرضي طموحاته بتشكيل الحشد الشعبي على شاكلة الحرس الثوري الإيراني وإلحاقه بقيادته من طهران".
وبين أنه "ورغم أن قانون الحشد الشعبي تم التصويت عليه من قبل البرلمان العراقي ولكن هذا القانون يتنافى مع الدستور بوضوح كامل وبالأخص المادة 9 اولاً ب من الدستور كمايلي: ب - يحظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة ، ونوه إلى أن القانون يتنافى مع المادة 13 ثانيا من الدستور كما يلي: ثانياً والتي تنص على : لا يجوز سن قانون يتعارض مع هذا الدستور"، ويُعد باطلاً كل نص يرد في دساتير الاقاليم أو اي نص قانونيٍ آخــر يتعارض معه".
وتابع أنه "كان من المفروض أن تؤدي المحكمة الفيدرالية العليا واجبها وتلغي قانون الحشد الشعبي كما في المادة 93 من الدستور ولكن المحكمة تمت السيطرة عليها بشكل كامل من قبل الحرس الثوري الإيراني".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام