تشهد الساحة السياسية العراقية العديد من المفاجئات مع اقتراب الانتخابات البرلمانية المقرر اجراؤها في الـ 11 من تشرين الثاني المقبل، آخر تلك المفاجئات ما أعلن عن موقف زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر بشأن إمكانية دعم بعض الجهات التي تسعى لترسيخ مبدأ الدولة وتعزيز مؤسساتها وتنادي بحصر السلاح بيدها عبر الانتخابات رغم تبني الصدر موقفا ثابتا من مقاطعتها.

وخلال الساعات الماضية، كشف صالح محمد العراقي، المقرّب من زعيم التيار الصدري والذي يعرف باسم "وزير الصدر" عن ملامح النقاشات الجارية في الحنانة بشأن الموقف من الانتخابات المقبلة، مشيرًا إلى أن الصدر وضع شروطًا واضحة لدعم أي كتلة سياسية مرشحة.

وقال صالح محمد العراقي في تغريدة عبر منصبة "X" وتابعتها شبكة "الساعة": "أكتب كلماتي هذه خلال الاجتماع مع السيد الصدر في الحنانة.. يسألنا: مَنْ مِن الكتل المرشحة للإنتخابات برأيكم.. يمكن أن يكون برنامجها: الاستقلال بلا تبعية.. وحصر الســلاح بيد الدولة.. وتقوية الجيش والشرطة.. وحلّ المليــشيات.. ودمج الحشــد الشعبي في القوات الأمنية أو تنظيمه.. والتمسّك بحبّ الوطن.. وكشف الفاســدين والسعي للإصلاح؟ وما هي الضمانات التي يمكن أن تؤخذ منها مقابل إعطائها أصوات الشرفاء؟".

ويأتي موقف الصدر الأخير عقب رفض صريح لدعوته بحصر السلاح بيد الدولة وحل الحشد الشعبي ودمجه بمؤسسات الدولة الأمنية من بعض قوى الإطار التنسيقي والفصائل المسلحة ولاسيما حزب الله والنجباء والتي ما تزال تصر على موقفها بالتمسك بالسلاح وعدم التخلي عنه وعدم القبول بفكرة حل الحشد الشعبي.

كما أن موقف الصدر هذا جاء بعد أشهر من قرار زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر مقاطعة الانتخابات، إذ تشير غالبية التوقعات إلى عدم عدول الصدر عن قراره بسبب ما يصفه هيمنة الفاسدين على القرار في البلاد.

ولم تفلح محاولات بعض القوى السياسية التي تمتلك علاقة إيجابية بالصدر عن إقناع الأخير بالمشاركة في الانتخابات، ولعل رئيس الوزراء محمد شياع السوداني كان أبرز تلك الجهات التي دعت في أكثر من مناسبة لإنهاء مقاطعة التيار الصدري لكن دون جدوى.

وأكد السوداني توجيه رسائل مباشرة إلى قيادة التيار، للتأكيد على أهمية مشاركتهم في الانتخابات، لما للتيار من حضور شعبي ودور أساسي في المشهد الوطني، وأشار في تصريح صحفي تابعته "الساعة" إلى أن "مشاركة الصدريين كانت ستعزز التوازن السياسي، لكن يبدو أن لقيادة التيار رأيًا آخر في هذه المرحلة، فيما لفت إلى بقاء أبواب الحوار مفتوحة مع الصدريين خلال الفترة المقبلة".

وألمح الصدر في وقت سابق إلى أن مقاطعته للانتخابات لا تتنافى مع إمكانية دعم بعض القوى الوطنية في الانتخابات البرلمانية وهو ما يقلق بعض القوى الإطارية التي كانت تعتبر مقاطعة الصدر فرصة لها لتحقيق الأغلبية في الشارع الشيعي، في حال تمكنت من تقليل فرص رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في تحقيق تلك الأغلبية.

وتكشف فرصة دعم الجمهور الصدري لبعض القوى الغاية من إصرار التيار الصدري على تحديث سجلات وبيانات ناخبيه وحثهم المستمر على ذلك، فعدم دخول التيار بالانتخابات لا يعني بالضرورة عدم دعم جمهوره لبعض القوى التي يراها تنسجم مع أهدافه.

الصدر يفاجئ الجميع ويقلب الموازين

وبهذا الصدد، يرى الباحث والمحلل السياسي مجاشع التميمي أن الموقف الأخير للصدر يعكس مفاجئات غير تقليدية من شانها قلب الموازين السياسية رأسا على عقب.

وقال التميمي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الاجتماع الذي كشف عنه صالح محمد العراقي في الحنانة يعكس حرص مقتدى الصدر على مستقبل العراق، والتزامه بمسؤولية تاريخية تجاه من وصفهم (الشرفاء) من أبناء الشعب"، وبين أن  "سؤاله عن الكتل المرشحة والضمانات المطلوبة منها ليس مجرد نقاش سياسي، بل هو رسالة واضحة مفادها أن الصوت الصدري لا يُمنح إلا لمن يستحقه، ولمن يضمن الإصلاح ويحافظ على السيادة ويقف بوجه الفساد والمحاصصة".

وأضاف التميمي: أن "الصدر ورغم انسحابه من العملية السياسية، لا يزال اللاعب الأكثر تأثيراً، وخصومه يعلمون أن تحركاته السياسية لا تأتي عبثاً"، مشيرا إلى أن "الحديث عن الضمانات يأتي تمهيداً لخطة انتخابية قد تقلب كل التوقعات رأساً على عقب، ومنوها إلى أن الصدر لن يدخل الانتخابات لمجرد المشاركة، بل بخطاب تغييري شامل، وقد يفاجئ الجميع بتحالفات غير تقليدية أو خيارات ميدانية خارج المألوف".

وتابع التميمي: أن "ما قاله الصدر سابقاً في ذكرى استشهاد والده سأكون موجوداً، لكن ليس بالضرورة عبر الانتخابات”، يفتح الباب لتكتيك جديد قد لا يتوقعه الخصوم ولا حتى الحلفاء، وشدد بالقول: إن "الصدر حاضر وإن الحنانة تتحرك بصمت ولكن بثقل".

السوداني الأقرب من دعم الصدر لكن بشروط

من جانبه يؤكد استاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية عصام الفيلي أن موقف زعيم التيار الصدري الأخير سيفتح شهية القوى الوطنية القريبة منه من أجل الحصول على دعم جمهور التيار في الانتخابات البرلمانية المقبلة، وفيما توقع أن السوداني هو الأقرب والأكثر فرصة بدعم الصدر، إلا أنه رهن هذا الموضوع بطبيعة التفاهمات التي ستجري خلال المرحلة المقبلة.

وقال الفيلي في تصريح لشبكة "الساعة": إن "رسالة وزير الصدر كانت واضحة وتعكس وتؤكد أن الصدر يتخذ قراراته بالتشاور مع فريقه السياسي الخاص والقوى الوطنية والكفاءات العلمية وذلك خلال الاجتماعات التي تجري وأن الصدر لا يتخذ قرارات بناء على رأيه الشخصي".

وأضاف أن "الموقف الأخير يؤكد أن الصدر مصر على مشروعه الخاص بالإصلاح ودعم خيار الدولة وحصر السلاح بيدها وكذلك دمج الحشد الشعبي ضمن مؤسسات الدولة وكشف الفاسدين"، مبينا أن "ذلك يعطي انطباعا بأن الصدر وإن لم يشارك في الانتخابات إلا أنه الداعم الأول لاستقلال واستقرار العراق واستقرار العملية السياسية".

ولفت الفيلي إلى أن "فرصة منح أصوات الصدريين في الانتخابات لبعض القوى، من شأنها أن تفتح شهية القوى التي تطرح مشروعا مقاربا للمشروع الصدري، وذلك من أجل الحصول على دعم الصدر المباشر في الانتخابات".

أما عن الجهة الأقرب إلى دعم الصدريين، توقع الفيلي أن "يكون السوداني هو الأكثر حظا بذلك، لكنه يبقى واحدا من بين خيارات أخرى"، مؤكدا أن "توفير الدعم في الانتخابات يتوقف على طبيعة التفاهمات التي ستجري سواء بين الصدر والسوداني أو بين الصدر وبعض القوى الأخرى".

 وشدد على أن "الصدر هو العنصر المؤثر الأول في المشهد السياسي وإن لم يشترك وهذا ما يجعل جميع القوى السياسية تمد جسور التفاهم معه خلال المرحلة القادمة لأن الجميع يعلم بأن أصوات الصدريين قادرة تحقيق الانتقال بأي كتلة إلى جانب الأغلبية السياسية".

الإطار الخاسر الأكبر من موقف الصدر الأخير

كما توقع الفيلي أن "دعم التيار الصدري لأي كتلة من شأنه أن يقلل من فرص قوى الإطار التقليدية في تحقيق الأغلبية البرلمانية التي تمكنها من تشكيل الحكومة المقبلة، وبين أن ما تبقى من الإطار بعد الانسحابات أثر على وجود القوى الإطارية وتماسك تحالفهم خاصة بعد انسحاب السوداني وتشكيل كتلة جديدة من 53 نائبا".

 وبين أن "الإطار التنسيقي لم يعد إطارا متماسكا لأنه ولد أساسا ميتا إذ أنه تشكل ليس بصفة تحالف سياسية وإنما بصفة إطار تم تشكيله لمواجهة التيار الصدري ومشروعه الذي تم طرحه عقب انتخابات 2021 البرلمانية".

ولفت الفيلي إلى أن "الدليل على عدم تماسك قوى الإطار التنسيقي هو الخلافات والتقاطعات التي سيطرت على المشهد داخل الإطار منذ تشكيله ولغاية اليوم".