لم يكن يحمل سلاحًا أو مخدرات، بل 300 بطاقة بنكية مخفية داخل علب سجائر.
في أحد المطارات العراقية، كشف الأمن حادثة بدت عابرة لكنها فتحت الباب على واحدة من أخطر قضايا تهريب العملة التي عرفها العراق.
عبر بطاقات دفع إلكترونية، بعضها رسمي ومخصص للرواتب تدفقت من خلالها ملايين الدولارات خارج البلاد بهدوء بعيدًا عن أعين الرقابة في التفاف واضح على القيود الأميركية المفروضة على التحويلات.
المستفيدون من هذه الشبكة استخدموا ثغرات تقنية وقانونية مع صمت بعض الجهات المعنية ليتحوّل نظام الدفع الإلكتروني إلى ممرّ موازٍ لتهريب الدولار وتبييض الأموال.
كشف تحقيق نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية وترجمته "الساعة" عن "شبكة واسعة استخدمت بطاقات فيزا وماستر كارد أُصدرت من داخل العراق وسُحبت بها مبالغ ضخمة من الخارج، عبر متاجر ومراكز مالية مشبوهة، خصوصًا في الإمارات وتركيا والأردن".
التحقيق استند إلى وثائق رسمية وشهادات مسؤولين أمريكيين وعراقيين، وأشار إلى أن "أكثر من 4 مليارات دولار جرى تهريبها بهذه الطريقة خلال نحو عامين من خلال أكثر من 80 ألف بطاقة أُوقفت لاحقًا من قبل الشركات المصدّرة".
تهريبٌ بعد قيد التحويلات
وأوضح التحقيق أن "ظهور هذه الشبكة جاء في أعقاب القيود التي فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية على الحوالات المالية من العراق، ابتداءً من أواخر عام 2022، حيث أُجبر البنك المركزي العراقي على اعتماد منصة تحويل رقمية أكثر صرامة (IBMS)، تفرض التحقق من مصادر الأموال وهوية المستفيدين".
وأردف: "مع تعقيد التحويلات المصرفية التقليدية لجأت بعض الجماعات المسلحة وشبكات التهريب إلى بدائل غير خاضعة للرقابة الفعلية وكان أبرزها بطاقات الدفع الدولية".
وفي هذا السياق، حذّر، مستشار رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية والمالية، مظهر محمد صالح في تصريح من أن "عصابات الجريمة المنظمة قامت باستغلال بطاقات المسافرين التي وُضعت لتغطية احتياجات المواطنين من العملة الأجنبية، لكن جرى تحويلها إلى أدوات لتهريب الأموال".
وأشار صالح إلى أن "هذه العصابات تستخدم جوازات سفر المواطنين بطرق غير مشروعة لإصدار بطاقات مصرفية تُهرّب لاحقًا إلى الخارج، حيث تُسحب مواردها هناك بهدف خلق حوالات مالية موازية"، مضيفًا أن "هذه الأساليب تمثل جرائم غسل أموال يعاقب عليها القانون وأسهمت بوضوح في إرباك سعر صرف الدولار داخل السوق العراقية".
دورة الدولار من بغداد للخارج
ووفقًا للصحيفة الأمريكية فإن "ما بدأ كأداة تنظيمية لتحسين المعاملات البنكية، تحوّل إلى مسار تهريب منظم، تُصدر المصارف العراقية بما فيها مصارف صغيرة وحديثة، بطاقات "فيزا" و"ماستر كارد" لعملاء حقيقيين وأحيانًا وهميين، ثم تُشحن تلك البطاقات من الداخل بالدولار وفق سعر الصرف الرسمي بعد ذلك تُهرّب البطاقات إلى الخارج ليتم سحب الأموال أو إجراء عمليات شراء عبر متاجر مرتبطة بالشبكة، وتُعاد الأموال إلى العراق لتُباع في السوق الموازية، مما يدرّ أرباحًا كبيرة بسبب فرق السعر بين السعر الرسمي وسعر السوق".
وأشارت الصحيفة إلى أن "الكثير من هذه المعاملات كانت تمر من خلال واجهات تجارية تعمل كغطاء لعمليات السحب، مستفيدة من ضعف الرقابة المصرفية في الداخل، ومن تواطؤ محتمل لمراكز مالية في الخارج".
وأوضحت أن "بعض الشركات التي أُنشئت داخل العراق للحصول على تراخيص من فيزا وماستر كارد، كانت مدعومة من شخصيات سياسية أو جهات دينية نافذة، وهو ما زاد من تعقيد تتبع هذه الشبكات".
وسط تصاعد الضغوط الأميركية على القطاع المصرفي العراقي، وجّه عضو اللجنة المالية في البرلمان جمال كوجر انتقادات صريحة للبنك المركزي، محمّلاً إياه مسؤولية تفاقم الأزمة وغياب الرقابة على حركة الدولار.
وقال كوجر: إن "استمرار العقوبات الأميركية على عدد من المصارف العراقية ستكون له تداعيات خطيرة على النظام المصرفي الوطني، كما أنه سيؤثر سلباً على أسعار صرف الدولار في السوق المحلية، ويعقّد بشكل كبير من إجراءات الحوالات الخارجية سواء للاستيرادات الحكومية أو الخاصة".
وأضاف أن "البنك المركزي هو الجهة المسؤولة إشرافياً على عمل المصارف، وكان من واجبه أن يفعّل الرقابة الصارمة ويتابع النشاطات المالية لتفادي أية عمليات تهريب غير قانونية، وهو ما تدعيه وزارة الخزانة الأميركية كسبب لفرض العقوبات".
بطاقات الحشد تُستخدم خارج الحدود
في هذا السياق، برز اسم "كي كارد" باعتبارها بطاقة دفع محلية تُستخدم في توزيع رواتب المتقاعدين وموظفي الدولة، بمن فيهم مقاتلو الحشد الشعبي.
ورغم إعلان الشركة المالكة للبطاقة عن إيقاف تقديم خدماتها لبعض الجهات، إلا أن تحقيقًا نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" كشف أن "هذه البطاقات استُغلت سابقًا بشكل واسع، سواء عبر احتفاظ بعض قادة الفصائل ببطاقات عناصرهم، أو من خلال تضخيم عدد الأسماء المسجلة للحصول على بطاقات إضافية تُستخدم لاحقًا خارج البلاد".
وأبرز ما كشفه التحقيق أن "قادة بعض الفصائل المسلحة قاموا بالاستيلاء على بطاقات كي كارد الخاصة بمقاتليهم، أو ضم عناصر وهميين إلى قوائم الرواتب بغرض إصدار بطاقات إضافية تُستخدم لاحقًا خارج البلاد".
ووفقًا لمسؤولين أميركيين وعراقيين، فإن "ما يزيد على 200 ألف عنصر من الفصائل كانوا يتقاضون رواتبهم عبر كي كارد ما منح هذه الجهات موطئ قدم في نشاطات البطاقات غير المشروعة".
وأشار التحقيق إلى "ارتفاع المعاملات المالية عبر كي كارد من 10 ملايين دولار شهريًا مطلع 2023 إلى أكثر من 500 مليون دولار شهريًا مطلع 2024 في مؤشر على تضخم عمليات استخدام هذه البطاقات خارج نطاقها الطبيعي".
وأشار أحد المصرفيين العراقيين إلى أن "البطاقات استُخدمت في عمليات تحويل أموال خارجية وسُحبت من خلال شركات مشبوهة أو محال مجوهرات في مناطق التجارة الحرة، خصوصًا في دولة الإمارات، بدلًا من الوجهات المعتادة للسياح والمستهلكين".
وبلغت نسبة واحدة من كل 5 معاملات في الإمارات ببطاقات عراقية، رغم أن نسبة المسافرين العراقيين إلى تلك البلاد كانت لا تتجاوز واحدًا من كل 250 مسافرًا، في تناقض يكشف عن حجم الاختراق.
وعلى خلفية ذلك، طلبت وزارة الخزانة الأميركية من البنك المركزي العراقي اتخاذ إجراء عاجل بخصوص بطاقات "كي كارد" المخصصة لأفراد الفصائل، في محاولة للحد من تسرب الدولار خارج العراق عبر هذه القنوات.
فوضى بطاقات الدفع.. وتأخر الرد العراقي
ورغم التحذيرات الأميركية المتكررة من تنامي عمليات الاحتيال عبر بطاقات الدفع، لم تُبادر شركتا "فيزا" و"ماستر كارد" لاتخاذ خطوات فعلية إلا بعد مرور أشهر طويلة، عندما بلغت عمليات السحب الخارجي ذروتها، آنذاك اضطرت الشركتان إلى حظر عشرات آلاف البطاقات العراقية ومنع التعامل مع آلاف المتاجر، خصوصًا في الإمارات، بعد اكتشاف شبكة واسعة من المعاملات المشبوهة.
وفي آب / أغسطس 2023، أجرت "ماستركارد" مراجعة على شركة "يانا" في أربيل، وهي إحدى الشركات المزودة لبطاقات الدفع وكشفت المراجعة ضعفًا واضحًا في إجراءات التحقق من هوية العملاء، وعدم الامتثال لمتطلبات مكافحة غسل الأموال أو رصد الأنشطة المشبوهة ونتيجة لذلك تم حظر "يانا" مؤقتًا من إصدار بطاقات جديدة، قبل أن يُرفع الحظر لاحقًا بعد تصحيح الانتهاكات ذات الأولوية، بحسب الصحيفة.
وأشارت الصحيفة إلى أن "ماستر كارد سارعت الإجراءات خلال ربيع 2024 إذ أعلنت عن حظر أكثر من 100 ألف بطاقة عراقية، وأزالت 4 آلاف تاجر إماراتي من شبكتها، بينما أوقفت فيزا نحو 70 ألف بطاقة مشبوهة و5 آلاف بائع في الإمارات بعض البطاقات أُعيد تفعيلها بعد مراجعة المعاملات، فيما تم تقليص عدد الجهات المصدرة للبطاقات في العراق من 17 إلى نحو النصف".
وأضافت أن "البنك المركزي العراقي فرض سقفًا شهريًا قدره 5 آلاف دولار لكل بطاقة مع حد أقصى عام يبلغ 300 مليون دولار شهريًا للمعاملات عبر الحدود كما تعاقد مع شركة K2 الدولية لمراقبة التحويلات، وألزم الجهات المصدرة باستخدام بنوك عراقية تملك حسابات مراسلة في الولايات المتحدة".
ورغم هذه التحركات، وصف خبراء الاستجابة العراقية بأنها "متأخرة ومجزأة"، حيث اكتفى البنك المركزي بإيقاف بعض المصارف المشكوك بها دون مراجعة شاملة لآلية إصدار البطاقات أو إحكام الرقابة الفعلية.
وفي خطوة أميركية إضافية، أدرجت وزارة الخزانة 3 شركات عراقية مصدّرة للبطاقات على القائمة السوداء بسبب ارتباطها المزعوم بفصائل مسلحة، من بينها شركة "الساقي" التابعة للعتبة العباسية، والتي لا تزال تروّج على موقعها الإلكتروني لبطاقات "فيزا" رغم وقف الشراكة معها.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام