على الرغم من الدعوات المتكررة من أبناء المكون المسيحي والقوى السياسية والكنائس في سهل نينوى لإنهاء نفوذ الفصائل المسلحة والتي ترتبط عسكريا بهيئة الحشد الشعبي وسياسيا بالإطار التنسيقي الحاكم، إلا أن نفوذ تلك الجهات ما يزال يتصاعد حتى بات يهيمن على المشهد السياسي والأمني والاقتصادي في المنطقة.

قوبلت تلك الدعوات المدعومة من الكنيسة الكلدانية وكنائس أخرى لها وزن في العراق بتجاهل واضح من الحكومة المركزية لغاية الآن، رغم اقتران الدعوة بسحب الفصائل المسلحة، بعودة سكان سهل نينوى إلى مناطقهم.

وتخضع مناطق سهل نينوى لسيطرة كاملة لفصيلي الشبك وبابليون والجهتين السياسيتين الداعمتين لهما، إذ تفرض تلك الجهات السيطرة على المنطقة عسكريا وأمنيا منذ العام 2017، كما تعاظم نفوذها بعد نجاح المجموعتين بالحصول على تمثيل في البرلمان العراقي ومجلس محافظة نينوى، كما تفرض سيطرتها على ملف الأملاك والعقارات والأنشطة الاقتصادية والتجارية عبر مكاتبها الاقتصادية، ووصل النفوذ إلى المناصب الإدارية في المنطقة التي انتزعت مؤخرا من الحزب الديمقراطي الكردستاني والجهات المسيحية الرافضة لوجود الفصائل.

وفي آذار الماضي دعا التحالف المسيحي الذي يضم كلاً من المجلس القومي الكلداني وحركة تجمع السريان والاتحاد الديمقراطي الكلداني والجمعية الأرمنية والرابطة الكلدانية العالمية وتيار "شلاما" والهيئة الإدارية لطائفة الأرمن الأرثوذكس، رئاسة الجمهورية والحكومة والبرلمان، للتدخل في سحب الفصائل المسلحة من مناطق سهل نينوى، وإسناد الملف الأمني إلى أبناء المكونين المسيحي والأيزيدي من سكان سهل نينوى.

وأكد التحالف تعرّض مسيحيي العراق سابقاً من سلسلة من المجازر والجرائم، والاعتداءات التي نفذتها التنظيمات الإرهابية مثل القاعدة و"داعش"، فضلا عن الفصائل المسلحة المنفلتة، ودعت إلى الحفاظ على التنوع الديني والقومي، وتعزيز قيم التعايش المشترك والسلم الأهلي، بما ينسجم مع الدستور العراقي الدائم والاتفاقيات الدولية.

ويبدو أن قبضة الفصائل المسلحة في سهل نينوى والتي ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بإيران ومشروعها في المنطقة، يغضب الولايات المتحدة الأمريكية التي باتت الراعي الأول لرسم خارطة الشرق الأوسط من جديد، والتي تشير علامتها إلى خلوها من نفوذ إيران وأذرعها وفصائلها المسلحة.

قوات القدو والكلداني

وينحصر النفوذ الأمني في منطقة سهل نينوى بفصيلين مسلحين تابعين للحشد الشعبي، الأول هو "حشد الشبك" أو ما يعرف باللواء 30 والذي يقوده النائب وعد القدو المُدرج على لائحة العقوبات الأميركية، والثاني مليشيا "بابليون"، المعروفة باللواء 50 والتي يقودها ريان الكلداني، وهو مدرج أيضاً على لائحة العقوبات الأميركية، ويعد القدو والكلداني، حليفين وثيقين لتحالف الإطار التنسيقي الحاكم، ويشاركان في اجتماعاته الدورية.

وتتكون منطقة سهل نينوى من الأراضي الممتدة شرق مدينة الموصل وجنوب وشمال شرقها باتجاه أربيل، وتشمل إلى جانب أكثر من 10 بلدات و4 أقضية إدارية وهي الحمدانية وتلكيف ومخمور والشيخان، إضافة إلى ناحية بعشيقة التابعة لمدينة الموصل، وعشرات القرى الصغيرة، فيما سكانها من الغالبية المسيحية، وتتبع منطقة سهل نينوى إدارياً محافظة نينوى ومركزها مدينة الموصل.

رسائل أمريكية تخص سهل نينوى

ومؤخرا، كشف الصحفي والحقوقي العراقي مصطفى سعدون عن رسائل أميركية إلى حكومة بغداد عبر رئيس جهاز المخابرات العراقي حميد الشطري، الذي زار الولايات المتحدة أخيراً، تضمنت الضغط لإعادة ترتيب الأوضاع العسكرية لفصائل الحشد (لواء الشبك وبابليون) في سهل نينوى.

وكتب سعدون، المقيم في الولايات المتحدة، على منصة "X"، أن "الشطري زار واشنطن حاملاً حقيبة ثقيلة من القضايا المعقّدة على رأسها ملف سهل نينوى، الحشد الشعبي، والبيشمركة، وبحث خلال لقاءات مغلقة جمعته بمسؤولين في وكالة الاستخبارات الأميركية هذه الملفات".

وبين أن "سهل نينوى كان عنواناً متكرراً على طاولة الحوار"، مضيفاً أن "الأميركيين أوصلوا رسالة واضحة مفادها أنه يجب ترتيب الوجود العسكري في سهل نينوى، خصوصاً ما يتعلق بلواء 30، التابع للشبك ولواء 50، المرتبط بريان الكلداني".

ولفت سعدون إلى أن "موضوع سهل نينوى ليس سوى جزء من صورة أكبر اسمها الحشد الشعبي، إذ يدور في الكواليس حديث جدي عن ضرورة إعادة تنظيم هذا الجسم"، مبيناً أن "الجانب الأميركي يضغط باتجاه تحويل الحشد إلى قوة خاضعة لسلطة الدولة كلياً، وهذا ما لا يبدو سهلاً في ظل التوازنات الحساسة في المشهد العراقي".

 وأشار إلى أن "الملف الآخر الذي طُرح بجدية هو تواجد قوات البيشمركة في المناطق المتنازع عليها، إذ يرى الأميركيون أن التعاون بين الجيش العراقي والبيشمركة هو ضرورة أمنية مؤقتة خصوصاً في ظل الفراغات التي خلفها انسحاب بعض التشكيلات أو ضعف التنسيق الأمني".

الفصائل ترفض الضغوط الأمريكية

بالمقابل، نفى النائب وعد القدو والمسؤول المباشر عن لواء 30 "حشد الشبك" بشكل قاطع التصريحات المتداولة بخصوص وضع الفصائل في سهل نينوى ويؤكد أنها لا أساس لها من الصحة.

وقال القدو في بيان ورد لشبكة "الساعة": إنه "أجرى اتصالًا مباشراً مع حميد الشطري رئيس جهاز المخابرات الوطني، والذي نفى بدوره صحة هذه الأنباء"، مؤكداً أنه "لا تغييرات قد طرأت على انتشار أو تمركز لواء 30، وأنه لا توجد أي نية لتحريكه من مواقعه الحالية".

وأكد القدو أن "لواء 30 يُعد صمام أمان حقيقي للمنطقة، وأن وجوده يُمثل عنصراً أساسياً في حفظ الأمن والاستقرار"، مبينا أن "القوة المنتشرة التابعة لهذا اللواء أثبتت التزامها العالي بمسؤولياتها، وتعاونها الوثيق مع الأجهزة الأمنية في حماية المواطنين وممتلكاتهم، والحفاظ على السلم المجتمعي".

وتابع أن "أي محاولة لإثارة الشائعات حول هذا اللواء أو التقليل من شأن دوره ما هي إلا محاولات مكشوفة لزعزعة الأمن وبث القلق في نفوس الأهالي، وهي مرفوضة جملةً وتفصيلًا"، بحسب ما جاء في البيان.

وشدد على أن "اللواء 30 باقٍ في مواقعهِ يؤدي واجبه الوطني على أكمل وجه وانهُ لن يتحرك من أماكنه ما دامت الحاجة الأمنية قائمة، وما دام يتلقى توجيهاته ضمن إطار الدولة وسلطاتها الشرعية".

وضع مرهون بالمفاوضات الأمريكية - الإيرانية

لكن الباحث في الشأن السياسي محمد غصوب استبعد وجود تحرك لإعادة هيكلة الفصائل أو سحبها من سهل نينوى في الوقت الحالي، ورهن ذلك بنتائج المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران.

وقال غصوب في حديث لشبكة "الساعة": إن "المعلومات تشير إلى أن زيارة رئيس جهاز المخابرات حميد الشطري إلى واشنطن ناقشت مع الجانب الأمريكي وضع الفصائل المسلحة في سهل نينوى وكذلك عموم الفصائل المسلحة في العراق"، مبيناً أن "بعض المعلومات كشفت عن ضغوط أمريكية لنزع سلاح جميع الفصائل العراقية القريبة من إيران ومنها الفصائل المنتشرة في منطقة سهل نينوى".

وأوضح غصوب أن "جميع المؤشرات لا توحي بنزع أسلحة تلك الفصائل أو إنهاء وجودها ودورها قريبا في العراق"، مؤكدا أن "هذا الأمر مرهون بنتيجة المفاوضات الأمريكية – الإيرانية وما تتوصل إليه"، منوها إلى أن "خضوع إيران للشروط الأمريكي سيكون كفيلا بإضعاف دور الفصائل ومن ثم نزع سلاحها كونه أحد الشروط الأمريكية لتجنيب إيران ضربة عسكرية في القريب العاجل".

دعوات لإخراج الفصائل من سهل نينوى

وفي وقت سابق أكد السكرتير العام للتحالف المسيحي ووزير النقل والاتصالات في إقليم كردستان آنو جوهر أن التمثيل السياسي للمسيحيين في بغداد يتعرض للاختطاف من جانب الفصائل المسلحة التي فرضت نفسها على المشهد السياسي في سهل نينوى.

وقال جوهر: إن "المسيحيين في العراق يواجهون ظلماً وإجحافاً كبيرين، رغم أنهم أحد أقدم المكونات في البلاد"، موضحاً أن "هناك قوانين لا تخدم الأقليات الدينية، بل تساهم في تهميشها وإلحاق الضرر بمصالحها".

وأضاف أن "المسيحيين يواجهون موجة هجرة واسعة، سواء عبر النزوح الداخلي أو مغادرة العراق كليا، مما يجعل الوضع غير قابل للتحمل سياسياً وإنسانياً".

وأشار إلى أنه "لم تعد هناك حاجة لوجود الفصائل المسلحة التي دخلت سهل نينوى أثناء معارك تحريره من داعش خاصة بعد إعلان العراق الانتصار العسكري على التنظيم عام 2017".

ودعا جوهر الحكومة الاتحادية إلى "سحب الفصائل المسلحة من سهل نينوى"، مشدداً على "ضرورة أن تتولى القوات الرسمية، مثل الجيش والشرطة والبيشمركة، مسؤولية الأمن، مع منح أبناء الأقليات فرصة المشاركة في حماية مناطقهم، كما طالب الولايات المتحدة بممارسة ضغوط على بغداد لضمان تنفيذ هذه المطالب".

وشدد الوزير المسيحي على "ضرورة حصر التصويت في الكوتا المسيحية على الناخبين المسيحيين فقط، لضمان تمثيل حقيقي لهم في البرلمان، مع تخصيص كوتا خاصة بالمسيحيين في جميع المحافظات العراقية لضمان حقوقهم السياسية والاجتماعية".