مدن تفكر، تتعلّم، وتتصرف دون تدخل بشري، قد تبدو هذه الجملة أقرب إلى الخيال العلمي، لكنها تعبّر اليوم عن واقعٍ يتشكل بسرعة تحت عنوان "المدن الواعية"، وهو الجيل الجديد من المدن الذكية الذي لا يكتفي بتوفير حلول رقمية بل يسعى لفهم الإنسان والتفاعل معه.

في إحدى جلسات القمة العالمية للحكومات في دبي عام 2015، قدّم البروفيسور كارلو راتي، مدير مختبر المدن الذكية في معهد "MIT"، تصورًا لمدن المستقبل، واصفًا إياها بالمدن الواعية.

ليست مجرد مدن ذكية تستخدم التكنولوجيا، بل كيانات حضرية قادرة على التعلم والتكيف واتخاذ قرارات استباقية استنادًا إلى كمّ هائل من البيانات التي تجمعها من سكانها وبيئتها.

ولفهم هذا التحوّل من المهم التوقف عند محطات تطور المدن عبر التاريخ حيث بدأت الحكاية من مدن نشأت حول مصادر المياه، مثل بابل في العراق وطيبة في مصر وأثينا في اليونان، ثم تحولت مع الثورة الصناعية إلى مراكز إنتاج تعاني من التلوث والازدحام.

لاحقًا، جاءت المدن الرقمية مع صعود الإنترنت، وتبعتها المدن الذكية التي اعتمدت على الأنظمة الرقمية والمجسّات لإدارة الخدمات، مثل تجربة مدينة نيويورك في مراقبة المرور واستهلاك المياه.

أما اليوم، فالعالم يتجه نحو مدن تدير نفسها، مثل مدينة سونغدو في كوريا الجنوبية حيث اعتمدت منذ تأسيسها عام 2005 على بنية تحتية رقمية مترابطة، السكان يعيشون في منازل ذكية، النفايات تُنقل عبر أنابيب هوائية إلى مراكز التدوير، والطرقات تراقب حركة المرور وترسل إشعارات فورية إلى الهواتف هي مدينة لا تعتمد فقط على التكنولوجيا، بل توظفها لتعلّم أنماط الحياة وتطوير الخدمات بشكل دائم.

وأوضحت دراسة في معهد "MIT" وترجمتها شبكة "الساعة" أن "الفرق الجوهري بين المدن الذكية والمدن الواعية أن الأخيرة لا تنتظر حدوث المشكلة لتقدم الحل، بل تستبقها، مثلاً فإن إشارات المرور تتغير تلقائيًا وفق الزحام، وأنظمة الطاقة توزّع الموارد حسب الحاجة، والرعاية الصحية تتحول إلى رعاية استباقية، بينما تعمل الشرطة التنبؤية على تقليل احتمالات وقوع الجرائم".

في العالم العربي، قد يبدو هذا التقدّم طموحًا، لكنه لم يعد بعيدًا، مدن مثل دبي والرياض والدوحة تبني بنية رقمية متقدمة ومشاريع كبرى مثل "نيوم" و "ذا لاين" في السعودية تُبنى من البداية على أسس الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة، ما يجعلها أقرب لنموذج المدينة الواعية.

ولكن مع كل هذه الوعود تبقى المخاوف حاضرة فمدن تعتمد على جمع وتحليل بيانات سكانها تطرح تساؤلات جدية حول الخصوصية ولهذا يوصي خبراء من مجلس البحوث العالمي بوضع قوانين واضحة لحماية البيانات وتعزيز الشفافية في أنظمة الذكاء الاصطناعي لتكون هذه المدن مساحة آمنة وذكية وواعية فعلًا.