"خسارة إيران للأحواز أهون على القيادة الإيرانية من خسارة سوريا".. هذا ما أقر به وزير الخارجية الإيراني السابق حسين أمير عبد اللهيان، في تعبير واضح عن حجم الخسارة والضربة الموجعة التي تلقتها طهران جراء انتهاء نفوذها في سوريا.

وخلال كتاب استراتيجية الاحتواء المزدوج أكد وزير الخارجية الإيراني السابق أن خسارة إيران لإقليم الأحواز بكل ما يحتويه من مساحة جغرافية وموارد وثروات، ستكون أقل وطأة من خسارة سوريا.

وأشار اللهيان في كتابه إلى أن فقدان سوريا يعني نهاية المشروع الإيراني الذي أسسه الإمام الخميني بالكامل قبل أكثر من 4 عقود.

فهذا يعني أن إيران فقدت واحدة من أهم ركائز نفوذها الإقليمي بعد سقوط نظام بشار الأسد، وهو ما يراه محلّلون تهديدًا مباشرًا لمصالحها الحيوية، خاصة أن هذا السقوط يأتي في وقت شهد فيه "حزب الله"، الحليف الأبرز لطهران، تراجعًا ملحوظًا تحت وطأة الضربات العسكرية للاحتلال الإسرائيلي لتواجه بذلك تحديات داخلية وخارجية متزايدة.

لذا فإن تراجع الدور الإيراني في سوريا لا يعني فقط خسارة لحليف عسكري أو سياسي، بل يمثل ضربة استراتيجية تطال طموحات طهران في توسيع نفوذها على امتداد المنطقة، خاصة وأن إيران ترى في سوريا بوابة استراتيجية لها لارتباطها الجغرافي بلبنان، فضلاً عن دورها المحوري في نقل الأسلحة وإمداد حزب الله بالدعم اللوجستي.

وهو ما يؤكده المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، عندما يصف سوريا ومركزيتها في دعم ما يسميه "محور المقاومة"، كما تتخوف القيادة الإيرانية من أن سيطرة خصومها الإقليميين على دمشق قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المواجهة، تتجاوز حدود المعركة التقليدية مع الاحتلال الإسرائيلي.

الدعم العسكري لنظام الأسد

سارعت إيران ومنذ وقت مبكر من انطلاق الثورة السورية الشعبية لدعم نظام الأسد عسكرياً وهوه ما أكده مستشار المرشد الأعلى للشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي، قائلاً: إنه "لولا إيران لكانت الحكومة السورية سقطت خلال بضعة أسابيع".

تدخلت إيران في سوريا بقوات من الحرس الثوري، قاتلت في صفوف قوات النظام السوري في مختلف الجبهات في درعا وحمص وحلب، وغيرها من المحافظات السورية، كما شاركت في التأطير العسكري.

وعلى الرغم من نفي طهران المتكرر لتواجدها العسكري المباشر، اعترف قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري في سبتمبر 2012 بأن عناصر من فيلق القدس تعمل في سوريا لدعم النظام، حيث شاركت هذه القوات في القتال إلى جانب الجيش السوري في معارك درعا وحمص وحلب ومناطق أخرى، فضلاً دورها في تقديم التأطير والتدريب العسكري لقوات النظام.

ولم يقتصر دعمها على الحرس الثوري فقد أرسلت قوات التعبئة الشعبية (الباسيج) وهي قوات خاصة، وهو ما أكده منسق القوات البرية في الجيش الإيراني علي آراسته في نيسان/ أبريل 2016، فضلاً عن إرسال 18 ألف مقاتل من العراق ولبنان وأفغانستان وباكستان لدعم القوات السورية على الأرض.

 في حين أشارت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقرير تابعته شبكة "الساعة" إلى أن "عدد المقاتلين الذين أرسلتهم إيران للقتال في سوريا تجاوز 35 ألفًا، ينتمي أغلبهم إلى العراق ولبنان، تليهما إيران وأفغانستان".

وأوضح التقرير أن "الفصائل المسلحة التي أرسلتها طهران هي عصائب أهل الحق، وفيلق بدر، وحزب الله اللبناني، الذين خاضوا معارك في العراق قبل انتقال العديد من عناصرهم إلى سوريا تحت إشراف إيراني"، فضلاً عن تشكيلات أخرى برزت مثل ألوية أبو الفضل العباس، وكتائب سيد الشهداء، وذو الفقار، إلى جانب فرقة فاطميون الأفغانية، وزينبيون الباكستانية، وفيلق ولي الأمر".

وبين أن "عدد المجموعات والكتائب الإيرانية العاملة في سوريا تجاوزت 12 فرقة على الأقل، تعمل جميعها تحت قيادة وإشراف مباشر من الحرس الثوري الإيراني".

الدعم الاقتصادي لنظام الأسد

في الوقت الذي يعيش فيه أكثر من 60 % من الشعب الإيراني تحت خط الفقر وانهيار متتالي للعملة الإيرانية كانت طهران تنفق مليارات الدولارات لتمنع سقوط نظام بشار الأسد المرفوض مجتمعياً.

ورغم تجنب طهران الحديث حول حجم ما أنفقته في سوريا، إلا أن الرئيس السابق للجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني فلاحت بيشه قدم رقماً محدداً (ما بين 20-30 مليار دولار) حول التكاليف الإيرانية للمحافظة على نظام الأسد، ولكن هذه التصريحات لا يمكن أن تعبر بطبيعة الحال عن الخسائر الإيرانية في سوريا.

في حين كشفت مذكرة صادرة عن مكتب الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن "ديون سوريا لإيران على مدى سنوات، والمكونة من قيمة مساعدات نفطية وإمدادات عسكرية بلغت حوالي 50 مليار دولار".

وتواصل إيران دفع فاتورة تدخلها العسكري في سوريا فقد كشف رئيس مؤسسة الشهيد الإيرانية، أمير حسين قاضي زاده هاشمي أن عدد القتلى والجرحى الإيرانيين الذين سقطوا في سوريا تحت مسمى "مدافعي الحرم" بلغ 7 آلاف و308 شخصًا.

وأضاف هاشمي أن "المؤسسة ملتزمة بدفع معاشات تقاعدية لألف و567 من ذويهم، وتقديم مساعدات معيشية لألف 634 أسرة أخرى"، فضلاً عن "شراء مساكن لصالح ألف و194 عائلة آخرين".

وبحسب تقرير لموقع "إيران إنترناشيونال" وتابعته شبكة "الساعة" فإن "المبلغ الذي أنفقته السلطات الإيرانية في سوريا يعادل تقريبًا 140 شهرًا من الدعم النقدي لجميع المواطنين في البلاد".

إيران تثير الفوضى في سوريا

ويرى الباحث في مركز الإمارات للسياسات، محمد الزغول أن القيادة الإيرانية، بقيادة المرشد الأعلى علي خامنئي، تتبنى موقفًا متشددًا إزاء التطورات في سوريا، حيث يرفض خامنئي الرؤية التي ترى أن إيران خسرت سوريا ولا يمكن استعادتها.

وقال الزغلول في لقاء متلفز تابعته شبكة "الساعة" إن "خامنئي يتبنى وجه نظر مخالفة لبعض الأصوات في الحكومة ومراكز الأبحاث القريبة من صانعي القرار، التي تدعو إلى قبول الخسارة واللجوء للحلول الدبلوماسية لتقليل الأضرار"، مؤكداً أنه "يصر على أن هناك فرصة لاستعادة سوريا بالكامل تحت نفوذ طهران".

وأضاف أن "إيران بدأت بالفعل خطوات ميدانية لتحقيق هذا الهدف، من خلال تعزيز قدراتها العسكرية ودعم الفصائل المسلحة الموالية لها"، مبيناً أن "طهران أقدمت مؤخرًا على شراء مئات العربات المدرعة السريعة من طراز (سبارتاك) من موسكو، وهي مركبات تُستخدم عادة في حروب الميليشيات".

وأوضح أن "هذه التحركات تترافق مع تعزيز العلاقات مع فصائل عسكرية متعددة، من بينها فلول الفرقة الرابعة السورية المتمركزة في العراق"، فضلاً عن "تعزيز الاتصالات مع حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل، كما تحركت إيران نحو الساحل السوري، في محاولة لإعادة تشكيل المشهد العسكري بما يخدم مصالحها".

وتابع الباحث في مركز الإمارات للسياسات أن "القيادة الإيرانية ترى أن استمرار حالة الفوضى في سوريا يمكن أن يُجهض ما تعده مشروعًا أمريكيًا-إسرائيليًا يهدف للوصول إلى طهران، ومن هذا المنطلق تسعى طهران إلى قلب المعادلة على الأرض عبر دعم الجماعات المسلحة".

ويتفق مع ذلك مدير مركز شرقيات للبحوث، محمد زاهد غل، أن التحركات الإيرانية في سوريا تكشف عن ملامح مشروع يسعى لإغراق البلاد في الفوضى، في إطار صراع إقليمي مع تركيا يمتد لقرون.

وقال زاهد غل في لقاء متلفز تابعته شبكة "الساعة" أنه "على الرغم من التفاهمات الظاهرية بين أنقرة وطهران، فإن التنافس الجيوسياسي بين الطرفين داخل الساحة العربية، وخاصة في سوريا والعراق، يظل حاضرًا وبقوة".

وأضاف أن "تركيا تعتقد أن استقرار سوريا ضروري لمنع حالة الفوضى التي قد تمتد إلى حدودها، وتدفع باتجاه دعم الحلول السياسية التي تحقق نوعًا من الاستقرار والسلطة الانتقالية في دمشق، في حين تعمل إيران على تقويض هذه الجهود من خلال دعم الفصائل المسلحة والنزاعات، بهدف ترسيخ نفوذها على الأرض السورية".

وأردف مدير مركز شرقيات للبحوث أن "القلق التركي والأمريكي يتزايد من الدور الذي تلعبه إيران في هذا السياق، خاصةً في ظل تحالفات بين طهران وجناح من الحركة الكردية المرتبطة بقنديل، وهو ما يعقد المشهد السوري أكثر"، مشيراً إلى أن "أنقرة تسعى للاستفادة من هذا التوجس الأمريكي عبر التركيز على التهديد الذي تمثله هذه التحالفات، عادّةً أن إيران تستغل الأوضاع الداخلية لتعزيز نفوذها الإقليمي عبر نشر الفوضى".