أكدت مصادر مطلعة، أن وجود شبكة معقدة لتهريب زيت الوقود، تدر أكثر من مليار دولار سنويا لإيران ووكلائها، فيما أكدت أن الشبكة ازدهرت في العراق منذ تولى رئيس الوزراء محمد شياع السوداني منصبه في عام 2022.

وذكرت وكالة رويترز" عن 5 مصادر قولها، إن "الشبكة تستغل عملية التهريب سياسة حكومية يقوم العراق وفقا لها بتخصيص زيت وقود لمصانع الأسفلت بأسعار مدعومة بشدة، وتشارك فيها مجموعة من الشركات والفصائل والأفراد في العراق وإيران ودول الخليج".

وأضافت أنه "بموجب المخطط الذي تتبعه الشبكة، يتم تحويل ما بين 500 ألف إلى 750 ألف طن من زيت الوقود الثقيل، بما في ذلك زيت الوقود عالي الكبريت، وبما يعادل 3.4 مليون إلى 5 ملايين برميل من النفط، من المحطات كل شهر وتصديرها في الغالب إلى آسيا".

وأشارت إلى أنه "لم يسبق أن تطرقت أي تغطية لحجم تهريب زيت الوقود منذ تولي السوداني السلطة وتورُط جهات متعددة داخل العراق في التجارة غير المشروعة".

ووفقاً للوكالة الأمريكية فإيران تعتبر جارها وحليفها العراق بمثابة رئة اقتصادية لها وتمارس نفوذا عسكريا وسياسيا واقتصاديا كبيرا هناك من خلال الفصائل الشيعية القوية والأحزاب السياسية التي تدعمها.

ويقول مسؤولون عراقيون وأمريكيون إن "إيران تحصل أيضا على العملة الصعبة من العراق من خلال الصادرات وتلتف على العقوبات الأمريكية من خلال نظامها المصرفي".

وفي حين تعمل بغداد منذ سنوات على تحقيق توازن دقيق بين دورها كحليف لكل من واشنطن وطهران، وبينما من المتوقع أن يتخذ الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب موقفا صارما إزاء محاولات إيران الالتفاف على العقوبات الأمريكية، فمن المتوقع أن تخضع أنشطة طهران في العراق لتدقيق متزايد، بحسب "رويترز".

وقالت المصادر الـ 5 التي طلبت عدم ذكر أسمائها، إن "هناك مسارين رئيسيين يتم بهما نقل زيت الوقود من العراق، أحدهما عن طريق مزجه بمنتج مماثل من إيران وتقديمه على أنه عراقي تماما بما يساعد طهران على التهرب من العقوبات الأمريكية الصارمة على صادرات الطاقة".

وتابعت أن "المسار الآخر يتضمن تصدير زيت الوقود الذي كان مخصصا في الأصل للبرنامج المدعوم باستخدام وثائق مزورة لإخفاء أصوله، وتستفيد إيران بشكل مباشر من المسار الأول".

وأوضحت أن "إيران عادة ما تبيع وقودها بأسعار مخفضة بسبب العقوبات ولكنها تستطيع بيعه بسعر أعلى إذا تم الترويج له باعتباره عراقيا، أما المسار الثاني فتستفيد منه الفصائل المدعومة من إيران في العراق والتي تتحكم في مخطط التهريب".

وتراوحت تقديرات حجم العائدات التي يدرّها كل من المسارين استنادا إلى افتراضات تتعلق بالكميات التي يتم تداولها والأسعار المتناسبة بين مليار دولار سنويا إلى أكثر من 3 مليارات دولار.

وقالت المصادر: إن "التجارة غير المشروعة قد تجعل المؤسسات والمسؤولين العراقيين عرضة لخطر العقوبات الأمريكية لمساعدتهم إيران وإن بعض المسؤولين العراقيين يشعرون بالقلق من أن إدارة ترامب قد تستهدفهم".

ولفتت إلى أن "الزعماء العراقيين يعتمدون بشكل كبير على دعم الفصائل الشيعية ذات النفوذ المدعومة من إيران للبقاء في السلطة، مما يجعل من الصعب عليهم اتخاذ إجراءات صارمة ضد الأنشطة غير المشروعة مثل تهريب زيت الوقود".

ولم يرد مكتب السوداني على طلبات للتعليق بشأن التجارة أو احتمالات العقوبات أو محاولات الحكومة للحد من هذه الأعمال، بحسب "رويترز".

وتراقب واشنطن بالفعل عمليات التهريب المربحة وعلاقاتها بإيران وأفراد خاضعين للعقوبات الأمريكية. وذكر أحد المصادر إن "المسألة طُرحت في المناقشات بين المسؤولين الأمريكيين والسوداني عندما زار رئيس الوزراء العراقي الولايات المتحدة في سبتمبر أيلول".

وقال مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية: "بينما لا نعلق على مناقشات بعينها، يمكننا أن نؤكد أن الوزارة أكدت لنظرائنا العراقيين على أضرار التجارة غير المشروعة ودعمنا لإيصال النفط إلى السوق بشفافية".

 

العصائب محور التهريب

أوضحت المصادر الخمسة والتقارير الثلاثة، أن  "عصائب أهل الحق، وهي قوة شبه عسكرية وحزب سياسي كانت من أوائل الداعمين للسوداني ومكونا رئيسيا في الكتلة التي رشحته لمنصب رئيس الوزراء، الطرف المحوري في عملية التهريب".

وتستند النتائج التي خلصت إليها التقارير التي اطلعت عليها "رويترز" على مجموعة واسعة من المصادر في العراق ودوائره الحكومية دون أن يتم الكشف عنها.

وبينت المصادر الخمسة، أن "تهريب زيت الوقود كان موجودا قبل تولي السوداني السلطة في أكتوبر تشرين الأول 2022، لكنه زاد تعقيدا وأصبح أكثر رسمية منذ توليه المنصب".

وزادت أن "صادرات زيت الوقود العراقية تتجه لتسجيل أعلى مستوى لها على الإطلاق عند ما يزيد على 18 مليون طن هذا العام، أي أكثر من مثلي الصادرات في 2021".

ولخلق فائض من زيت الوقود للتصدير، تبالغ بعض مصانع الأسفلت المشاركة في الشبكة في تقدير احتياجاتها عند طلب مخصصات زيت الوقود الرسمية.

وتشير المصادر الخمسة وتقارير مخابراتية إلى أن "هناك مصانع أخرى موجودة بالاسم فقط، مما يعني أنه يمكن تحويل مخصصاتها بالكامل للتصدير".

ولفتت إلى أن "الشركة العامة للصناعات التعدينية، التي تدير مصانع أسفلت كمشروعات مشتركة مع شركات خاصة، من أسس المخطط، وكانت الشركة قد تأسست في الأصل لتعزيز الصناعات المحلية، مثل إنتاج الفلانكوت، وهي مادة مقاومة للماء من الأسفلت تستخدم في البناء".

وأشار أحد التقارير المخابراتية الغربية إلى "خضوع الشركة الحكومية لسيطرة صارمة من عصائب أهل الحق في عهد السوداني واستخدامها لتصدير كميات كبيرة من زيت الوقود عالي الكبريت".

وذكر التقرير المخابراتي أن "عصائب أهل الحق تستخدم مصنع الثغر للصناعات الأسفلتية، وهو أحد مشروعات شركة التعدين الحكومية بحسب موقعها الإلكتروني، موقعا لتخزين زيت الوقود".

وقال التقرير المخابراتي إن "بعض المصانع المزعوم تورطها تخضع لسيطرة عصائب أهل الحق أو كتائب حزب الله، وهي جماعة مسلحة عراقية أخرى مدعومة من الحرس الثوري الإيراني وتصنفها واشنطن منظمة إرهابية".

وأفاد اثنان من المصادر والتقرير المخابراتي، بأنه "في محاولة سابقة لتضييق الخناق على هذه التجارة، أمر مصطفى الكاظمي سلف السوداني بإجراء مراجعة للقدرة التشغيلية الفعلية لمصانع الأسفلت، وخفض المخصصات لها ورفع سعر الوقود المدعوم إلى 220 دولارا للطن من 70 دولارا".

وفي يناير كانون الثاني 2023، أي بعد بضعة أشهر من تولي السوداني منصبه، تم خفض السعر إلى ما بين 100 و150 دولارا للطن، وهو أقل بكثير من سعر الصادرات في السوق، والذي تشير التقديرات إلى أنه يتراوح بين 300 و500 دولار.

وقال أحد المصادر إن "حكومة السوداني رفعت أيضا نشاط منح تراخيص مصانع الأسفلت لتشمل 37 مشروعا جديدا، وهو ما يقرب من مضاعفة حجم القطاع خلال فترة وجيزة".

وذكرت جميع المصادر، أن "بعض المشاريع وهمية، مما يشير إلى أنها مجرد ستار للحصول على مخصصات زيت وقود للتصدير".

وقالت 3 مصادر، إن "حركة نقل الوقود تخضع لمراجعة من مركز العمليات الوطني لمكتب رئيس الوزراء ويتم الموافقة عليها بمذكرات تسمح للشاحنات بالمرور عبر نقاط تفتيش مختلفة تديرها شرطة النفط العراقية".

ولم يرد مركز العمليات الوطني لمكتب رئيس الوزراء ولا شركة توزيع المنتجات النفطية ولا شركة تسويق النفط العراقية سومو، وهي الهيئة المسؤولة عن تصدير الوقود العراقي، على طلبات للتعليق، بحسب "رويترز".

 

تزوير الوثائق

قالت المصادر الخمسة إنه "بمجرد تحويل زيت الوقود من المصانع، يأخذ أحد المسارين، وكلاهما تستخدم فيه وثائق مزورة".

وتابعت أن "بعض الوقود العراقي يتم تصديره مباشرة عبر الموانئ الجنوبية في العراق بوثائق مزورة تدرجه على أنه منتجات أخرى، مثل مخلفات التقطير الفراغي أو الفلانكوت، وكلاهما من المنتجات الثانوية للتكرير والتي يمكن شحنها بشكل قانوني".

وقال أحد التقارير المخابراتية، إن "شركة التعدين الحكومية، التي تمتلك شبكة من مرافق خلط زيت الوقود الثقيل في مناطق مختلفة بالعراق، مخول لها نقل زيت الوقود بين هذه المرافق وتصدير الفلانكوت".

وبينت أن "المسار الثاني خلط زيت الوقود غير المشروع بوقود إيراني مماثل وتقديمه على أنه عراقي تماما، وبوثائق مزورة أيضا، لمساعدة طهران على تجنب العقوبات الصارمة التي تفرضها الدول الغربية على صادراتها في قطاع الطاقة".

وقالت المصادر الخمسة، إن "مدينة البصرة في جنوب العراق صارت محور عمليات الخلط، إذ إن ميناءي خور الزبير وأم قصر من النقاط الرئيسية للتصدير غير المشروع للوقود".

وفي وقت سابق، رفعت حكومة السوداني سعر زيت الوقود المدعوم إلى 369 دولارا للطن، وأوصت بخفض مخصصات مصانع الأسفلت إلى نحو 60% من طاقتها وأمرت أيضا بمراجعة قدرتها الفعلية.