أنهت فاطمة التي تنتمي إلى فئة "غير محددي الجنسية" أو ما يعرفون في الأوساط المحلية بـ"البدون"، وفضلت عدم ذكر لقبها، دراستها من كلية العلوم في جامعة الكويت، لم تكلفها تلك الدراسة أي رسوم.
كانت دراسة فاطمة بالكامل على نفقة الحكومة الكويتية، "قضيت أياماً جميلة، في أجواء من الزمالة الطلابية.. والامكانيات التعليمية المتطورة"، هكذا وصفت أيامها في الجامعة، لكنها أنهت بالقول: "لا أستطيع أن استلم شهادة التخرج (..) يجب أن اثبت جنسيتي".
ويؤكد المسؤولون في دولة الكويت، أن 1142 طالباً وطالبة من فئة "غير محددي الجنسية"، يدرسون في جامعة الكويت، أعرق أكاديميات البلاد، وأنه في العام الأخير تخرج 137 طالباً منهم، لكن تلك الإحصاءات لا تتحدث عن التحدي الذي يواجهه خريجو "غير المحددي الجنسية".
ويتولى "الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية"، إدارة ملف "غير محددي الجنسية" في دولة الكويت، وهو واحد من أعقد الملفات، التي تواجهها السلطات الكويتية، وأمسى لهذا الملف وضعاً خاصاً، بعد الغزو العراقي للكويت عام 1990، اتهام عدد من فئة "غير محددي الجنسية" بالتعاون مع الجيش العراقي آنذاك.
ويسعى هذا الجهاز، من ضمن مهامه، إلى أن يحفز فئة "غير محددي الجنسية" إلى الكشف عن جنسياتهم الأصلية، مقابل تسهيلات، تصل إلى حد منحهم إقامة مجانية لمدة خمس سنوات، ومواد غذائية مدعومة ورعاية صحية وتعليم مجانيين، وأولية في التعيين بالدوائر الحكومية.
ويقول الجهاز المركزي لمعاجلة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية، في إحصائية نشرها على موقعه الإلكتروني، أنه في الفترة الواقعة بين الأعوام 2011 - 2019 تم معالجة ملف 14042 حالة من غير محددي الجنسية، قاموا بكشف جنسياتهم الأصلية، مقابل الحصول على التسهيلات، التي أعلن عنها، وبين الجهاز أن نحو 5 آلاف شخص من هؤلاء كشف عن جنسيته العراقية.
وتقول فاطمة، في حديث مع مراسل شبكة "الساعة"، إن السلطات الكويتية مازالت تأمل في أن يقوم المزيد من فئة "غير محددي الجنسية" بالكشف عن جنسياتهم الأصلية "ولو من خلال الضغط بمنع تسليم الشهادة الجامعية إلا بالاعتراف بالجنسية الأصلية".
وتؤكد فاطمة، أنها وبالرغم من اعترافها بأصولها العراقية هي وأفراد عائلتها، لكنني "أنا بنت الجيل الرابع من عائلة تعيش في الكويت منذ أكثر من 60 عاماً.. الكويت هي وطني وإن كانت أصولي عراقية.. لا أحمل أي وثيقة إثبات عراقية.. أنا أعرف وطني جيداً وأنتظر أن يعترف الوطن بي".
وبحسب إحصائيات "الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية" عام 2012، فإن 105 آلاف من فئة "البدون" يعيشون في البلاد، ويسعى الجهاز لتقليص عددهم عبر منح من يخفي أوراقه الثبوتية تسهيلات في حال الكشف عنها والاعتراف بجنسيته الأصلية.
وكشف تقرير صحفي نشر في الكويت عام 2013، عن أن الحكومة العراقية برئاسة نوري المالكي آنذاك، زودت الكويت بمعلومات حول "غير محددي الجنسية" من حملة الوثائق العراقية، وتم إرسالها إلى الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية.
وبحسب التقرير الذي نشرته صحيفة "الوطن" الكويتية في حينها، فإن المعلومات التي قدمتها بغداد أثمرت عن التوصل إلى معرفة حقيقة أصول نحو 43 ألف من البدون العراقيين.
تؤكد فاطمة، أن أزمتها كشخص "غير محدد الجنسية" لم تبدأ بتعثر حصولها على حقها في استلام شهادتها الجامعية، "أعاني منذ اللحظات الأولى للإدراك.. معاناة في الحصول على مقعد في مدرسة أو علاج.. ووالدي بالكاد يستطيع أن يؤمن لقمة العيش".
وأشارت فاطمة، التي بدأت بالاستعداد للذهاب إلى عملها في حضانة أطفال، إلى أن خريجيين من فئتها أطباء وصيادلة وحملة شهادات ماجستير، مازالوا ينتظرون حل مشكلتهم.
ونشأت مشكلة "غير محددي الجنسية" مع بداية عمليات ترسيم الحدود بين الكويت والعراق، أواسط القرن الماضي؛ حيث لم يستوعب سكان البوادي في تلك المناطق ما هية الحدود ومقتضياتها القانونية، إلى أن وجدوا أنفسهم ملزمين بإثبات جنسياتهم فلا هم تمكنوا من الحصول على أوراق عراقية ولا مثلها من الكويت.
وأغرى هذا الوضع الآلاف من المقيمين في تلك المناطق لكي يخفوا جنسياتهم الأصلية منهم الإيرانيين والسوريين والأردنيين، طمعاً في الاستمتاع بالجنسية الكويتية التي يحظى مواطنوها بامتيازات كبيرة.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام