يبدو أن حسم منصب رئيس البرلمان في العراق لن يكون قريبا، مع استمرار الصراع السياسي السني على المنصب وتعمد الإطار التنسيقي الشيعي تعزيز هذا الصراع لضمان تشتيت القوى العربية السنية من جهة، وبقاء منصب رئاسة البرلمان بالإنابة بيد الإطار التنسيقي أطول فترة ممكنة من جهة أخرى.

وفي ظل المعطيات الحالية، بات العرب السنة في العراق الطرف الأكثر خسارة على جميع المستحقات، فلا هم حصلوا على منصب رئاسة البرلمان الذي هو وفق العرف السياسي السائد بعد 2003 من حصتهم، ولا هم حققوا مطالبهم المتمثلة بإقرار قانون العفو وإعادة النازحين وسحب الفصائل المسلحة من المدن وإعمار المناطق المتضررة من الحرب.

ولم يتبق من عمر مجلس النواب الحالي سوى عام ونصف، بينما لم يحسم ملف انتخاب رئيسه بعد مرور 6 أشهر على إبعاد الرئيس السابق محمد الحلبوسي بقرار من المحكمة الاتحادية.

وفشل مجلس النواب العراقي السبت الماضي في انتخاب رئيس جديد له في الجولة الثانية، إذ شهدت منافسة محتدمة بين النائبين سالم العيساوي (مرشح تحالف السيادة برئاسة خميس الخنجر) ومحمود المشهداني (مرشح تحالف تقدم برئاسة محمد الحلبوسي) مما استلزم الانتقال إلى جولة ثالثة حاسمة.

ووفقاً للدائرة الإعلامية لمجلس النواب، حصل النائب سالم العيساوي على 158 صوتاً، في حين حصل النائب محمود المشهداني على 137 صوتاً، وحصل النائب عامر عبد الجبار على 3 أصوات، بينما بلغت الأصوات الباطلة 13 صوتاً.

وشهدت الجلسة الأخيرة للبرلمان حدوث توترات واشتباكات بالأيدي داخل قبة مجلس النواب العراقي، نتيجة الخلافات بين الكتل السياسية حول انتخاب رئيس جديد للبرلمان.

ودخلت القوات الأمنية إلى قاعة البرلمان للسيطرة على الوضع بعد تحول منصة الرئاسة إلى حلبة للمصارعة بين النواب، وأفادت المعلومات بوقوع اشتباك بالأيدي بين عدد من النواب ولاسيما بين النواب هيبت الحلبوسي ومثنى السامرائي وأحمد الجبوري.

وقال عضو مجلس النواب عامر عبد الجبار: إن "حزب تقدم عرقل الجولة الثالثة لانتخاب رئيس مجلس النواب"، وأشار إلى أن "نواب تقدم بدأوا بالتهجم على النائب مثنى السامرائي ثم تطور الأمر إلى اشتباك بالأيدي بين عدد من النواب، ما دفع رئاسة البرلمان إلى رفع الجلسة.

وفي جلسة صاخبة استمرت أكثر من 10 ساعات في 3 يناير (كانون الثاني) الماضي لاختيار رئيس للبرلمان، حصل مرشح تقدم في ذلك الوقت شعلان الكريم على 152 صوتاً مقابل 97 صوتاً للعيساوي، و48 صوتاً للمشهداني، و6 أصوات للنائب المستقل عامر عبد الجبار، وصوت واحد لطلال الزوبعي.

 

الخلافات والصراعات السُنية

ويحمل الإطار التنسيقي الحاكم في البلاد القوى السياسية المتصارعة فيما بينها المسؤولية عن تأخر حسم ملف رئاسة البرلمان وبقاء المنصب بالإنابة بيد محسن المندلاوي.

واستبعد النائب عن الإطار التنسيقي علي نعمة في تصريح تابعته شبكة "الساعة" عقد جلسة قريبة خلال الأسبوع الحالي أو الذي يليه لحسم ملف رئاسة البرلمان، وعزا ذلك لشدة الصراع داخل البيت السني.

وأكد نعمة على أنه "من غير الممكن المضي بجلسة انتخاب الرئيس قبل التوافق على شخصية محددة بين الكتل السياسية ومن ثم المضي بالتصويت عليها".

وأضاف النائب: أن "بقاء المندلاوي في رئاسة البرلمان بالإنابة يرجع إلى الصراع السني – السني، فهذا الصراع هو سبب بقائه"، وبين أن "الإطار ليس له أي رغبة بالهيمنة والسيطرة على المنصب"، مشددا على أن "استمرار الخلافات السنية ستدفع نحو استمرار المندلاوي في منصبه الرئاسة إلى نهاية الدورة البرلمانية الحالية".

 

مخالفة قانونية

ويؤكد رئيس مجلس النواب بالإنابة محسن المندلاوي رفضه تقديم أكثر من مرشح في الجولة الثالثة لانتخاب رئيس للبرلمان، داعيا إلى تقديم مرشح واحد للتصويت عليه بعد تحقيق توافق سياسي بشأنه.

لكن الخبير القانوني أمير الدعمي أكد أن طلب المندلاوي بشأن تقديم مرشح واحد في الجولة القادمة والثالثة لانتخاب رئيس البرلمان ليس ضمن صلاحياته.

وقال الدعمي في حديث لشبكة "الساعة": إن "ذلك الطلب ليس من صلاحيته، لأن الدستور والنظام الداخلي يسمح بتقديم أكثر من مرشح بعد فتح باب الترشيح الذي ينتهي بإغلاقه"، مبينا أن "من رشح يبقى في الترشح والمنافسة حتى يعلن رئيس للمجلس بعد حصوله على النصف زائد واحد، وذلك يعني أن وجهة النظر القانونية تؤكد على بقاء المرشحين المشهداني والعيساوي للتنافس من أجل الفوز بالمنصب، باستثناء إذا ما انسحب أحدهما من المنافسة".

 

الإطار يعزز الخلافات السنية

من جهته يرى الكاتب والصحفي العراقي عمر الجنابي أن الإطار التنسيقي هو المسؤول الأول عن تعميق الخلافات بين القوى السنية، مشيرا إلى أن الإطار يدفع باتجاه تشتيت القوى السنية من جهة والإبقاء على منصب رئاسة البرلمان بيده من جهة أخرى.

وقال الجنابي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الجهات السنية المتصارعة اليوم على منصب رئاسة البرلمان سواء جناح الحلبوسي أو الخنجر كانت في الأمس متحالفة ضمن تحالف السيادة، ولكن الانقسام الذي حصل عززه الإطار التنسيقي بشكل واضح من أجل تعميق الخلاف السني وإظهار الكتل السنية بشكل هزيل ومظهر معيب لا يليق بتمثيل المحافظات السنية".

وأضاف الجنابي: أن "القوى الإطارية تعمل اليوم على ابتزاز القوى السنية من خلال حصر التنافس على رئاسة البرلمان بشخصيات هو يريدها".

وأوضح أن "الإطار يدير رئاسة البرلمان منذ إبعاد الحلبوسي بضغط وحراك منه (الإطار) ومن المرجح أن يستمر لفترة أطول في إدارة البرلمان ولا سيما مع مصرع الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في حادثة تحطم الطائرة المروحية"، مبينا أن "المشهد السياسي العراقي قد يشهد سجالات ومفاوضات بهذا الخصوص وربما انشغال الكثير من القيادات السياسية بمراسم العزاء في إيران وذلك من شأنه تأخير حسم ملف رئاسة البرلمان".

ولفت إلى أن "حسم رئاسة البرلمان ربما يكون ولم يتبقَ من عمر مجلس النواب سوى عام واحد، وهذه الفترة لا تستحق ما يبذل من جهد وما يشهد من خلافات وصراعات بين القوى السنية".

وشدد الجنابي على أن "مشهد الخلافات بين القوى السنية وتحكم القوى الشيعية بهذا الصراع وتعزيزه يعزز فكرة عدم وجود تحالف سياسي سُني قادر على إدارة مرحلة ما بعد داعش وإدارة الملفات التي تواجه المحافظات السنية وأبرزها ملفات المغيبين والمعتقلين والنازحين وغيرها من الملفات".

 

الإطار يسعى للسيطرة على رئاسة البرلمان

من جهته يرى الناشط السياسي لازم حميد أن القوى الإطارية تسعى للسيطرة على رئاسة البرلمان لأطول فترة من خلال إدامة وتعزيز الخلافات بين القوى السنية التي أثبتت فشلها وسعيها لتحقيق المكاسب السياسية.

وقال حميد في حديث لشبكة "الساعة": إن "ما فعلته القوى السياسية السنية في الجلسة الأخيرة والتي سبقتها بشأن انتخاب رئيس البرلمان أمر معيب، يؤكد أن القوى السنية حريصة فقط على مصالحها الحزبية بعيدا عن المصلحة الوطنية أو مصلحة المكون السني".

وأضاف: أن "الإطار التنسيقي وجد في القوى السنية الساعية نحو مصالحها الشخصية هدفا سهلا وذلك عبر تعزيز الانقسام وتأخير حسم رئاسة البرلمان، وبالتالي بقاء الإطار أطول فترة ممكنة في إدارة مجلس النواب".

 

عقدة دستورية

ووفقاً للدستور العراقي، يحتاج الفوز بالمنصب إلى نسبة 50% زائد واحد، وتأجلت الجلسة لعدم حصول أي من المرشحين على العدد الكافي من الأصوات للفوز من الجولة الأولى.

ويوضح الخبير القانوني، علي التميمي، أن المادة 55 من الدستور والمادة ثالثاً/ 12 من النظام الداخلي للبرلمان رقم 1 لسنة 2022 لم تبين في حال لو أخفق البرلمان في انتخاب رئيس جديد له في حالة الخلو أو في حالة الاستقالة أو أي من الأسباب الأخرى، وهذا يعني أن في حالة عدم انتخاب رئيس جديد للبرلمان سنكون أمام جلسات جديدة لحين حصول أحد المرشحين للمنصب على نصف العدد الكلي زائد واحد (166 صوتاً)".

وقال التميمي: إن "الترشيح لن يُفتح من جديد كما قالت المحكمة الاتحادية في قرارها التفسيري 322 للمادة 55 من الدستور بإنه (لا يجوز فتح باب الترشيح من جديد)، إذاً الذي يحسم الموقف في فوز أحد المرشحين من عدمه هي التوافقات".

وعلى مدار عقدين، تنظر الأحزاب السنية إلى هذا المنصب على أنه مرجعيتهم السياسية، وموقع رمزي يضمن حضورهم في العملية السياسية منذ سقوط النظام العراقي عام 2003.

ومن المفترض أن يكون رئيس البرلمان مسؤولاً عن مسار تشريع القوانين في البلاد، لكن اقتراحها والتصويت عليها دائماً يخضعان لنفوذ القوى الشيعية التي تمتلك أغلبية في مجلس النواب.