في العاشر من أبريل/نيسان عام 2003، اقتحمت مجموعة من اللصوص المتحف الوطني في العاصمة العراقية بغداد، كان العاملون قد غادروا المتحف قبل يومين من دخول القوات الأمريكية إلى المدينة؛ إذ تعرض المتحف لعمليات نهب استمرت لمدة 36 ساعة.

وبعدما عاد الموظفون إلى عملهم تمكنوا من تأمين 8 آلاف و366 قطعة أثرية قبل أن يتم نهب نحو 15 ألف قطعة خلال فترة قصيرة، ورغم استرداد نحو 7 آلاف قطعة لا تزال أكثر من 8 آلاف قطعة مفقودة، وهي تشمل آثارًا قيمة تعود لآلاف السنين.

حادثة سرقة الآثار مثلت نسخة حديثة تعيد الأذهان إلى أحداث سرقة الآثار التي قامت بها القوات الأوروبية خلال حقبة الاستعمار لملء المتاحف الكبرى في أوروبا.

السنوات التي تلت الغزو الأمريكي للعراق في 2003، شهدت أيضا سرقة أعداد كبيرة من الآثار ليس فقط من المتاحف، بل شملت المواقع الأثرية بسبب الحفريات غير القانونية في ظل فوضى أمنية، وقد تفاقم الوضع بعد صعود تنظيم "داعش"، الذي دمّر وجرف مواقع أثرية مهمة مثل مدينة النمرود في نينوى، التي تعد من أهم المواقع الأثرية في المنطقة.

 

جهود الاستعادة

تستمر الحكومة العراقية في محاولات استعادة الآثار المسروقة؛ إذ أعلنت وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية مؤخرا عن نجاحها في استرداد 24 ألف قطعة أثرية خلال الأعوام الثلاثة الماضية، التي تم تهريبها من المواقع الأثرية في البلاد، بحسب ما ذكرته مروة عبد ليلو، مديرة قسم الاسترداد في الهيئة العامة للآثار والتراث، في تصريح لصحيفة الصباح.

وأوضحت ليلو أن "القسم يعمل وفق المادة 37 من قانون الآثار والتراث المرقم 55 لسنة 2002، وتتضمن مهامه متابعة المزادات واستثمار العلاقات الدبلوماسية، وإقامة الدعاوى القضائية لضمان عودة هذه القطع، التي غالباً ما تحمل أرقاماً متحفيه تسهل إثبات ملكيتها للعراق".

وفي حدث بارز، أدى حكما قضائيا أمريكيت في تموز / يوليو 2017 ضد شركة "هوبي لوبي" إلى استعادة آلاف القطع الأثرية التي صُدّرت بطريقة غير قانونية، وتعود لحقبة بلاد ما بين النهرين.

 

عوائق تعرقل استعادة جميع الآثار

يرى أحمد الملاح، الباحث والحقوقي العراقي أن "المشكلة الأساسية في معركة استرداد الآثار العراقية، هي غياب قدرة العراق وأوراقه بالضغط على الدول والمؤسسات، إضافة لعدم جاهزية البلد لاسترجاع آثاره في ظل إهمال الآثار الموجودة فعلاً في العراق".

وأضاف أن "بغداد متحف مفتوح لكن مهمل للأسف بداية من المستنصرية والقصر العباسي وعقرقوف، فكيف سنكون قادرين على الدخول في معركة استعادة الآثار، إذا لم نكن نمتلك أدوات هذه المعركة؟".

 

مسؤولية أمريكية

يعتقد العديد من العراقيين أن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية كبيرة في فقدان الكثير من تراث العراق الثقافي، حيث برز إهمالها في حماية المواقع الأثرية مثل المتحف الوطني خلال الغزو الأمريكي.

وأتهم الباحث الأثري عامر عبد الرزاق الولايات المتحدة بأن "هذا الإهمال كان متعمدًا، حيث حاصرت الدبابات الأمريكية المتحف ولم تتدخل لمنع النهب، ولم تقتصر الممارسات على ذلك فحسب، بل تحولت المواقع الأثرية الأخرى مثل مدينة أور وبابل إلى قواعد عسكرية".

وعلى الرغم من أن الجيش الأمريكي قد استجاب لاحقًا لضغوط المؤسسات الأثرية العراقية وعمل على حماية الآثار، إلا أن عبد الرزاق يؤكد أن "الجهود لم تكن كافية، وما تم استرداده من آلاف القطع الأثرية لا يزال يمثل جزءًا صغيرًا من المفقودات"، مشددا على "ضرورة بذل جهود دبلوماسية أكبر وتعاون دولي لاستعادة القطع المتبقية التي لا تزال تباع في المزادات حول العالم".