لم يبقَ على أرض نينوى سوى أطلال حضارة عريقة كانت تتوسد هنا، بعد أن هبت عليها أعاصير الدمار، إذ احتضنت المدينة إحدى أعرق حضارات العالم "النمرود".

تعود آثار" النمرود"، جوهر الحضارة الآشورية، إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وتعتبر أشهر مواطن الآثار في بلد مهد الحضارات.

تقع المدينة التاريخية عند ضفاف نهر دجلة على مسافة 30 كلم إلى الجنوب من مدينة الموصل، كبرى مدن شمال العراق.

صمم التخطيط العام لمدينة نمرود على شكل مربع محاط بسور طوله 8 كيلومترات، ومدعم بأبراج دفاعية، وفي الزاوية الجنوبية من السور يوجد تل نمرود.

وكانت عاصمة "آشور" في العصر الآشوري الحديث، أسسها الملك "شلمنصر الأول"، ولكنها ظلت مغمورة حتى اختارها الملك "آشور ناصربال الثاني" مقرا ملكيا له وعاصمة عسكرية للدولة الآشورية.

تعاقبت عليها شعوب وشهدت ديانات وثقافات عديدة، وبدأ ذكر المدينة لدى علماء الآثار عام 1820، وتعرضت على مدار تاريخها لعمليات نهب مختلفة، منها ما كان إبان الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وفي عام 2014 سيطر "داعش" على المحافظة بالكامل، وقام بتجريف مدينة نمرود الأثرية بالآليات الثقيلة.

نمرود من المواقع الأثرية المرشحة لتدرج على لائحة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "يونيسكو"، واسمها المعتمد هو الاسم العربي للمدينة التي كانت تعرف أساسا باسم "كالح " ام "كلحو".

 

معالم تاريخية

ومن معالم نمرود الأثرية تماثيل الثيران المجنحة الشهيرة ذات الوجوه البشرية ويطلق عليها اسم "لاماسو" وتقف عند مداخل قصر "آشور ناصربال الثاني" ملك الإمبراطورية الآشورية في القرن التاسع قبل الميلاد ومعابد قريبة من الموقع.

ومن أبرز الآثار التي عثر عليها في الموقع "كنز نمرود" الذي بدأ التنقيب عنه عام 1988 وانتهى بعد أربع سنوات، وهو 613 قطعة من الأحجار الكريمة والمجوهرات المصنوعة من الذهب.

ووصف العديد من علماء الآثار هذا الاكتشاف بأنه الأهم منذ اكتشاف قبر الملك الفرعوني توت عنخ آمون في العام 1923.

ويعود تاريخ الكنز إلى نحو 2800 عام، وقد أخفته السلطات العراقية حينها بعد فترة قصيرة من العثور عليه.

يتكون الكنز من حوالي 45 كيلوغراما من المصوغات الذهبية ومجموعة من القطع الأثرية النادرة، تعود إلى ملكتين آشوريتين وأنها دفنت بعد موتهما في قبريهما بالقصر الشمالي الغربي للملك "آشور ناصربال الثاني" في "النمرود".

 

هدم وتدمير الآثار

نقل عدد من آثار "نمرود" من الموقع الأثري إلى متاحف عدة، بينها متحفا الموصل وبغداد، إضافة إلى متاحف في باريس ولندن وغيرها، لكن أبرز القطع، مثل التماثيل الآشورية الضخمة للثيران المجنحة ذات الرأس البشرية، والقطع الحجرية المنقوشة، بقيت في الموقع.

وعندما سيطر "داعش" على المدينة وبدأ عمليات التخريب والهدم لمعالمها كان لآثار النمرود النصيب الأكبر، حيث بلغت نسبة الدمار الذي تسبب بها 90 % وفق تقارير رسمية، وحتى الآن لم يتم سوى بناء سياج خارجي للموقع ومخزن من قبل مؤسسة" سميثسونيان" الأمريكية، وكرفانات للحراس.

ودمر "داعش" الموقع على مراحل، بدأها في آذار/ مارس 2015 عندما جرف بالآليات الثقيلة، زقورة معبد عشتار، والتي يبلغ ارتفاعها 17 مترا، ثم جرف المعبد، وبعدها حطم الثيران المجنحة في بوابة قصر الملك ناصربال الثاني، ومن ثم قام بوضع براميل متفجرة داخل صالة العرش والقاعات الاخرى ليحول مئات الكنوز الأثرية إلى قطع صغيرة متناثرة.

ومع كل هذه القيمة الأثرية والحضارية والتاريخية الكبيرة التي يملكها الموقع، إلا أن الإهمال هو سيد الموقف، فضلا عن عدم القيام بأية إجراءات ملموسة لإعادة مجده، أو احياءه.

 

صعوبة ترميم المعالم الأثرية

‎وذكر مدير إعلام دائرة الآثار في أربيل، كوران محمد، في تصريح تابعته شبكة "الساعة" أن "الآثار التي دمرها داعش كانت شاهدا على وجود حضارة متطورة في هذه البلاد منذ آلاف السنين، لذا يسعى التنظيم من خلال هذه الجرائم للقضاء على هذا الشاهد وطمس الحضارة الإنسانية".

من جهته كشف دريد طوبيا، المستشار القانوني لمحافظ نينوى، قائلاً: إن "الأضرار التي لحقت بآثار محافظة نينوى من تنظيم داعش لا تحصى ولا تعد، خاصة آثار (نمرود)، لأن كافة التماثيل التي جرفت بالكامل باستخدام المعدات والآليات الثقيلة، كانت تماثيل أصلية، تعود إلى 1300 سنة قبل الميلاد".

وعن كيفية إعادة الحياة إلى هذه المناطق الأثرية، قال طوبيا "نحن اجتمعنا مع وزير السياحة والآثار الاتحادي في بغداد، وطلبنا منه إعلامنا بإجراءات الوزارة في هذا المجال، ووصلنا إلى حقيقة وهي أن الآثار التي تضررت بشكل كبير لا يمكن إعادتها مرة أخرى، أما ما لحقت بها أضرار طفيفة فيمكن في مرحلة ما بعد داعش إصلاحها".

يذكر أن بعثة من منظمة "اليونسكو" زارت موقع مدينة "نمرود" الآشورية الأثرية التي تعرضت للدمار، في آذار/مارس عام 2015 وأجرت عمليات معاينة أولية للموقع، معتبرةً تدمير آثار "النمرود" الآشورية تدمير متعمد للتراث الثقافي، مؤكدةً أنه يشكل جريمة حرب.