تحتل شجرة النخيل مكانة مركزية في الثقافة العراقية؛ إذ تمثل أكثر من مجرد مصدرا للغذاء وترمز إلى الحياة والخصوبة والاستقرار، كما أن العراق منذ القدم عُرف بكثافة نخيله التي جعلته يُلقب ببلاد السواد، ويُظهر التقدير العميق لهذه الشجرة في أنها لم تكن مصدرًا للغذاء فقط، بل كانت جزءًا لا يتجزأ من الدين والفن والأدب العراقي.

واختلفت الدراسات في تحديد الموطن الأصلي لأشجار النخيل، لكن المؤرخين اتفقوا على أن أقدم ما عرف عن النخيل كان في بلاد الرافدين إذ حظيت النخلة بقدسية في الحضارة العراقية، وعُدت شجرة مباركة وشرعت القوانين لحمايتها، فانتشرت بساتينها في مدن العراق وانتعشت في البصرة التي ضمت ثلثي نخل العراق قبل أن تتراجع مكانتها في إنتاج التمور.

واشتهرت البصرة منذ عقود طويلة بتعدد أصناف النخيل وجودة التمور، وضمت بساتينها -حتى اندلاع الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)-  نحو 12 مليون نخلة من أصل 33 مليون نخلة في العراق، وكان لهذه الوفرة دورها في أن يتصدر العراق الإنتاج العالمي من التمور قبل أن يغادر قائمة الدول الخمس الكبار عالميا في هذا المجال خلال العقود الأخيرة.

 

النخيل في تاريخ العراق 

 تتجلى قدسية النخيل في التشريعات القديمة كشريعة حمورابي، التي تضمنت قوانين صارمة لحماية هذه الشجرة؛ إذ تنص المادة رقم (59) على أنه "إذا قطع رجل نخلة في بستان رجل آخر من دون إذن فعليه أن يدفع غرامة قدرها 225 غرامًا من الفضة"، وتبرز أهمية النخيل في المادة (64) التي تخصص ثلث إنتاج البستان من التمر للفلاح الذي يعتني بتلقيح النخيل والعناية بها.

وفي الأدب والفن استُلهمت النخلة بشكل مكثف في الأغنية العراقية؛ إذ تظهر النخلة رمز الشموخ والوفاء، وهي محور أغاني عديدة مثل "نخل السماوة" لحسين نعمة، التي تحكي قصة الشوق والحنين الذي يرمز له النخيل.

ولا تعد أهمية النخيل محصورة على العراق فحسب، بل تتجاوزها إلى الثقافات الدينية الأخرى ففي اليهودية يُستخدم سعف النخيل في طقوس "عيد المَظَال" كرمز للفرح والسرور وفي المسيحية، فرش أنصار المسيح سعف النخيل في طريقه إلى "أورشليم" القدس كرمز للترحيب والنصر، وفي الإسلام، تُعد النخلة من الشجر المبارك وذكرت في القرآن الكريم كرمز للجنة والخير الوفير.

 

صادرات العراق من التمور

العراق الذي كان ينتج أكثر من 500 ألف طن من التمور سنويًا خلال فترة السبعينيات والثمانينيات شهد انخفاضًا حادًا في إنتاجه بسبب الحروب المتتالية والإهمال؛ حيث انخفضت الأعداد إلى نحو النصف، مما أثر على مكانة العراق كأحد المنتجين الرئيسيين للتمور على مستوى العالم.

وفقاً لإحصائيات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "فاو"، فقد بلغ متوسط صادرات العراق من التمور في عام 2020 حوالي 600 ألف طن، معظمها يُصدر إلى دول مثل تركيا، الهند، مصر، سوريا، الأردن، الإمارات، الصين، بنغلاديش، بالإضافة إلى بعض الأسواق الأوروبية والأمريكية، هذا يُظهر الطلب المتزايد على التمور العراقية في الأسواق العالمية، ما يعزز من قيمتها التصديرية ويدعم الاقتصاد المحلي.

وتتميز التمور العراقية بأنواعها المتعددة مثل الخستاوي والخضراوي والجمالي والحلاوي والساير والمكتوم والتي تُعرف بجودتها العالية وطعمها اللذيذ مما يجعلها مطلوبة بشدة في الأسواق المحلية والدولية.

وتُظهر البيانات الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن العراق لا يزال من بين الدول الرائدة في إنتاج التمور، إذ احتل المركز الرابع عالمياً في العام 2023 بإنتاج يصل إلى 735 ألف طن، وهذه الأرقام تعكس قدرة العراق على الحفاظ على مكانته الرائدة في هذا المجال رغم التحديات البيئية والاقتصادية التي واجهها خلال العقود الماضية.

ومن المثير للاهتمام أن العراق كان قد احتل المرتبة نفسها في العام السابق 2022، بإنتاج قدره 715.2 ألف طن، ما يدل على استقرار في الإنتاج على الرغم من التحديات المستمرة، ويشير عدد النخيل الذي يزيد عن 20 مليون نخلة في العراق إلى الأهمية الكبيرة التي تمثلها زراعة النخيل في الاقتصاد المحلي والغذاء الوطني.

وتعكس النسب العالية لزراعة التمور في آسيا وإفريقيا الأهمية الجغرافية والاقتصادية لهذه الثمرة في القارتين وبشكل خاص تُظهر الأرقام أن الدول العربية تستحوذ على نحو 77% من الإنتاج العالمي للتمور بإنتاج يصل إلى حوالي 6.6 ملايين طن سنوياً هذا يُبين مدى أهمية التمور في الثقافة والاقتصاد العربي، لا سيما خلال شهر رمضان؛ حيث تُستهلك التمور بكثرة لفوائدها الصحية ودورها التقليدي في الإفطار.

وبالنظر إلى الأمام، يتوقع أن يستمر العراق في الحفاظ على مكانته كأحد أبرز منتجي التمور في العالم بشرط أن تتخذ الحكومة خطوات فعّالة لحماية وتعزيز هذا القطاع خاصة من خلال التغلب على التحديات المتعلقة بتغير المناخ وإدارة الموارد المائية.