قفزت أسعار العقارات في العاصمة بغداد إلى الحد غير المعقول، ووصفت بأنها غير مسبوقة، حتى أصبحت تضاهي العقارات في العاصمات الأوربية، ما اعتبرها البعض غير منطقية، حيث تتزامن مع تراجع القدرة الشرائية للمواطنين ما يؤكد ارتباطها بعمليات غسيل أموال.

وبحسب تقرير نشرته وكالة أنباء عراقية، لشركة عقارات رائدة في المجال بالعاصمة بغداد، اطلعت عليه شبكة "الساعة"، فإن "أسعار العقارات في بعض المناطق وصلت إلى 20 ألف دولار للمتر الواحد وفي مناطق أخرى تتراوح ما بين 3500 إلى 14 ألف دولار للمتر الواحد كحد أدنى"

وأوضح التقرير: "أسعار المتر الواحد في بعض أحياء العاصمة، حيث بلغ سعر المتر الواحد في حي اليرموك ما بين 4000 و20000 دولار، بينما في حي الحارثية المجاورة، تراوح بين 3500 و14000 دولار، وفي القادسية بين 3200 ولغاية 14000 دولار، بينما تراوح في المنصور وزيونة والجادرية بين 3300 و13000 دولار، وفي حي الجامعة بين 2500 ولغاية 11000 دولار، بينما تقل القيمة كلما كانت المنطقة باتجاه أطراف العاصمة".

وفي السياق، يقول عاملون في قطاع العقارات إن "أدنى سعر للمتر في بغداد بلغ ألف دولار وهو في مدينة الصدر شرقي العاصمة، وهناك أراض مُصنفة على أنها زراعية وليست سكنية، إذ يجري البناء عليها بشكل مخالف، لكن يأمل أصحابها فرض الأمر الواقع على الحكومة بعد تحولها لأحياء سكنية كاملة في تغيير جنس الأرض من زراعية إلى سكنية".

ويؤكد فيه خبراء اقتصاد وعقارات على ضرورة وجود رقابة حقيقية من الدولة على قطاع العقارات والأراضي ليس ببغداد فقط، بل في مختلف المحافظات التي تشهد هي الأخرى ارتفاعا مماثلا.

وحدد الباحث الاقتصادي، لؤي الخطيب، في حديث تابعته شبكة "الساعة" أسبابا عملت على ازدياد الطلب على أسعار العقار في العراق منها، "أنها استثمار آمن من قبل أصحاب الأموال المهربة الذين استقرت مدخراتهم في العراق بعد أن عادت من ملذاتها السابقة في لبنان وتركيا وسوريا وإيران خصوصا بعد انهيار العملة المحلية في تلك الدول".

 وأشار إلى "احتمالية فرض العقوبات الأمريكية على الأفراد والشركات العراقية الهاربة من دول الخليج والأردن وأوربا لضخ استثماراتها في العراق بقيم مضاعفة".

 ويضيف الخطيب، "ازدياد الضغوط على أصحاب الأموال المحلية من إخراج العملة الصعبة خارج العراق، مثال ذلك قضية أموال الضريبة وفضيحة الثلاثة مليارات التي ذهبت لشراء العقارات".

 ويؤكد الخبير الاقتصادي، أن "هذه العوامل تمثل أهم الأسباب التي رفعت الأسعار بمستويات جنونية وضاعفت الطلب بصورة وهمية".

ومن جهته أكد عضو لجنة النزاهة في البرلمان العراقي هادي السلامي، في تصريح له لصحيفة " العربي الجديد" تابعته شبكة "الساعة"، أن "هناك ارتفاعا مخيفا في أسعار العقارات في بغداد وكذلك محافظات أخرى، وهذا بسبب أن التجارة بتلك العقارات أصبحت وسيلة جديد لغسل الأموال من قبل أصحاب الأموال المشبوهة".

وأوضح السلامي أن "وزارة العدل أنشأت قبل أكثر من ثمانية أشهر شعبة في دائرة التسجيل العقاري، وهي (شعبة غسل الأموال) ومهمتها متابعة عملية بيع وشراء العقارات ذات المبالغ الخيالية، والتي وصل بعضها الى ملايين الدولارات، وهذا ما يؤكد ان هناك عمليات غسل أموال عبر هذه التجارة".

وبين أن "عمل شعبة غسل الأموال في دائرة التسجيل العقاري، لم يتبين بشكل واضح، ولم تكشف هذه الشعبة عن نشاطاتها وعملها طيلة الأشهر الماضية وما حققته من ضبط عمليات غسل الأموال عبر بيع وشراء العقارات، ولهذا نخشى أن يكون الضغط السياسي أقوى من تمكين هذه الشعبة من ممارسة عملها بالشكل الصحيح".

وقال المختص في الشأن الاقتصادي ناصر الكناني، إن "ارتفاع أسعار العقارات في بغداد بشكل جنوني سببه استغلال مال الفساد والمال السياسي لشراء تلك العقارات ضمن عمليات غسل الأموال، وتسجيل تلك العقارات بأسماء مختلفة، وقضية (سرقة القرن) كشفت هذا بشكل أوضح، حيث إن المتهم الأول بهذه القضية (نور زهير) أغلب أموال السرقة اشترى بها عقارات في مناطق محددة في بغداد، وهذا حال باقي الفاسدين، دون أي شك".

وأضاف أن "هناك فقدانا للسيطرة الحكومية على سوق العقارات، إضافة إلى عدم امتلاك الدولة أي أرقاما رسمية عن عدد العقارات في كل محافظة، كما لا يتم توزيع قطع أراض بشكل منتظم للمستحقين ما ساعد أيضا برفع أسعار العقارات، وهذا أثر على زيادة أزمة السكن بشكل كبير، فكيف لموظف راتبه لا يتجاوز 700 دولار أن يشتري عقارا قيمة المتر الواحد فيه تتجاوز 4000 دولار كأدنى حد".

وبسبب الفساد المستشري في البلد وهيمنته عليه بات على المواطن العراقي، خاصة أصحاب الدخل المحدود، التخلي عن فكرة امتلاك منزل خاص، لذا ظهرت عمليات بناء مجمعات سكنية بمنازل مساحتها بسيطة، ويتم تقسيط قيمتها على نحو 5 سنوات، بعد تقديم دفعة أولى.

ويأتي العراق في المقدمة للدول الأكثر فساداً في العالم، في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، إذ جاء بالمرتبة السابعة عربياً والـ 157 عالمياً من بين 180 دولة مدرجة على قائمة المنظمة.

ووعد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني فور تسلمه منصبه في تشرين الأول/ أكتوبر من العام قبل الماضي، بأن مكافحة الفساد على رأس أولويات برنامجه الحكومي وباشر بالتقدم خطوات باتجاه تقديم الفاسدين إلى القضاء، إلا أن الفساد ما زال يتمدد ويأخذ أشكالاً عديدة، ومنها غسل الأموال عبر سوق العقارات والمطاعم وغيرها.