في سابقة هي الأولى من نوعها، تواجه دولة الاحتلال الإسرائيلي محاكمة بموجب اتفاقية الأمم المتحدة للإبادة الجماعية، بعد دعوى قدمتها جنوب أفريقيا ضد "إسرائيل" لدى محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب جرائم الإبادة في قطاع غزة، الذي يشهد منذ 7 تشرين أول الماضي عمليات عسكرية وصفت بالأعنف منذ الحرب العالمية الثانية، وذلك ردا على هجوم للمقاومة الفلسطينية استهدف مناطق غلاف غزة المحتلة.
ومع انعقاد جلسات المحاكمة، يأمل الملايين في فلسطين والعالم العربي ودول العالم، أن تنجح محكمة العدل الدولية في وقف العدوان والحرب المدمرة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على غزة، لاسيما بعد فشل مجلس الأمن الدولي في تحقيق هذه المهمة نتيجة للموقف الأمريكي الداعم لإسرائيل في أكثر من مناسبة عبر استخدام حق النقض (الفيتو).
ووجهت حركة حماس لمحكمة العدل الدولية رسالة طالبتها فيها بعدم الرضوخ للضغوط الأمريكية التي من شأنها عرقلة صدور قرارات صالح وقف العدوان الإسرائيلي واعتبارها جرائم إبادة جماعية في غزة.
محكمة العدل
يقع مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي بهولندا، وقد تم إنشاؤها في يونيو 1945 بموجب ميثاق الأمم المتحدة، وتتولى العدل الدولية مسؤولية محاكمة الحكومات بينما تحاكم المحكمة الجنائية الدولية، في لاهاي أيضًا الأفراد.
ولا تعترف "إسرائيل" بالمحكمة الجنائية الدولية وبالتالي فإن المحكمة لا تتمتع بسلطة النظر في القضية، لكنها من الدول الموقعة على اتفاقية الإبادة الجماعية، التي تمنح محكمة العدل الدولية الاختصاص القضائي للفصل فيها.
ويمكن للدول الأعضاء في الأمم المتحدة وتلك التي قبلت اختصاص محكمة العدل الدولية تقديم القضايا.
وتتألف محكمة العدل الدولية من 15 قاضياً يخدمون لمدة 9 سنوات، والقضاء الحاليون هم من الولايات المتحدة وروسيا والصين وسلوفاكيا والمغرب ولبنان والهند وفرنسا والصومال وجامايكا واليابان وألمانيا، وأستراليا وأوغندا والبرازيل.
ويتم طرح 5 مقاعد للانتخابات كل 3 سنوات، مع عدم وجود حد لعدد الولايات المتتالية، وسيشغل 4 قضاة جدد مقاعدهم في فبراير/شباط، أحدهم هو ديري تلادي من جنوب إفريقيا.
ويمكن تعيين قاض خاص من قبل كل طرف في القضايا الخلافية (بين دولتين)، ففي الدعوة الحالية سيتم تعيين قاضيين أحدهما من إسرائيل والثاني من جنوب إفريقيا - وبذلك يصل عدد القضاة في هذه القضية إلى 17.
وقد عينت جنوب إفريقيا ديكجانج موسينيكي، النائب السابق لرئيس المحكمة العليا في البلاد. وعينت إسرائيل أهارون باراك الرئيس السابق للمحكمة العليا لديها.
ماذا تضمنت دعوى جنوب إفريقيا؟
تقاضي جنوب إفريقيا "إسرائيل" أمام محكمة العدل الدولية، بتهمة ارتكابها إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في غزة وفشلها في منع الإبادة الجماعية.
وقالت جنوب إفريقيا في ملفها المكون من 84 صفحة والمقدم إلى المحكمة: إن "الأمر الأخطر من ذلك هو أن (إسرائيل") انخرطت وتخاطر بالتورط في المزيد من أعمال الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني في غزة".
وتؤكد جنوب إفريقيا أن "أعمال (إسرائيل) في غزة هي إبادة جماعية، لأنها تهدف إلى تدمير جزء كبير من المجموعة الوطنية والعرقية والإثنية الفلسطينية".
وجاء في الملف المقدم: "تشمل الأفعال المعنية قتل الفلسطينيين في غزة، والتسبب في أذى جسدي وعقلي خطير لهم، وفرض ظروف معيشية عليهم تهدف إلى تدميرهم جسديًا".
وقُتل أكثر من 23 ألف شخص في غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، وفقاً لوزارة الصحة في قطاع غزة.
في 8 صفحات، يعرض الملف المقدم إلى محكمة العدل الدولية تفاصيل عن نية الإبادة الجماعية من قبل القادة الإسرائيليين، بما في ذلك رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وأعضاء حكومته.
كما طلبت جنوب إفريقيا من المحكمة إصدار إجراءات مؤقتة تأمر إسرائيل بوقف حربها في غزة، والتي قالت إنها ضرورية في هذه القضية للحماية من المزيد من الضرر الشديد وغير القابل للإصلاح لحقوق الشعب الفلسطيني.
وتطالب جنوب أفريقيا "إسرائيل" بوقف عملياتها العسكرية في قطاع غزة فورا مقدمة مجموعة من المؤشرات بشأن هذه العمليات وكيف أنها ترقى لإبادة جماعية.
وقال الفريق القانوني لجنوب أفريقيا إن "إسرئيل تكثف جرائمها ضد الفلسطينيين منذ عام 1948، وإنها تخضع الفلسطينيين لنظام فصل عنصري، وإن المجتمع الدولي فشل في منع الإبادة الجماعية في غزة".
وأشار إلى أن "أفعال إسرائيل في حرب غزة تشير إلى نية ارتكاب إبادة، وإن مئات من العائلات في غزة قتلت بالكامل ولم يبق منها أي فرد على قيد الحياة".
وأضاف الفريق القانوني لجنوب أفريقيا أن "إسرائيل تتعمد خلق ظروف تحرم الفلسطينيين من المأوى والمياه النظيفة، كما أنها فرضت عن عمد ظروفا في غزة لعدم السماح بالعيش والتدمير الجسدي للفلسطينيين".
وقال وزير العدل في جنوب أفريقيا إن "الفلسطينيين يتعرضون إلى قصف لا يتوقف أينما يذهبون، ويقتلون في كل مكان يلجؤون إليه"، مؤكدا أن "إسرائيل شنت هجوما كبيرا على غزة وانتهكت اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية".
"إسرائيل" الأولى في جرائم الإبادة
رغم أن محكمة العدل الدولية أصدرت أحكاما ضد "إسرائيل" في الماضي، إلا أنها فعلت ذلك من خلال "آراء استشارية" غير ملزمة تطلبها هيئات الأمم المتحدة مثل الجمعية العامة.
هذه هي المرة الأولى التي تتم فيها مقاضاة إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية فيما يعرف باسم "القضية الخلافية"، حيث ترفع الدول قضايا مباشرة ضد بعضها البعض.
وفي عام 2004، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيًا استشاريًا تعلن فيه أن الجدار العازل الذي تبنيه إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة ينتهك القانون الدولي، ودعت إلى هدمه. وتجاهلت إسرائيل هذا القرار.
وقال خبراء إنه إذا حكمت محكمة العدل الدولية في نهاية المطاف بأن إسرائيل مسؤولة بشكل مباشر عن الإبادة الجماعية، فستكون هذه هي المرة الأولى التي تجد فيها أن دولة ما ارتكبت إبادة جماعية.
وفي حين لم تثبت المحكمة أن أي دولة مسؤولة مباشرة عن الإبادة الجماعية، فقد واجهت كل من ميانمار وروسيا إجراءات مؤقتة في قضايا إبادة جماعية في السنوات الأخيرة.
وفيما تعد أحكام محكمة العدل الدولية نهائية وغير قابلة للاستئناف وملزمة، إلا أنها لا يمكنها ضمان الامتثال، كما حدث في مارس/آذار 2022، عندما أمرت المحكمة روسيا بوقف حملتها العسكرية في أوكرانيا على الفور لكن موسكو لم تمتثل.
ماذا سيحدث؟
من المقرر أن تمتثل "إسرائيل" في جلسات استماع علنية أمام المحكمة اليوم الجمعة للطعن في اتهامات جنوب إفريقيا بالإبادة الجماعية.
قد يستغرق قرار الحكم بشأن الإبادة الجماعية سنوات، لكن الأمر القضائي بشأن حرب غزة الذي طلبته بريتوريا (عاصمة جنوب أفريقيا) من محكمة العدل الدولية قد يأتي في وقت أقرب بكثير.
يقول دانييل ماتشوفر، المحامي وخبير العدالة الدولية إن "الإجراء المؤقت يجب أن يكون قرارًا سريعًا يتم اتخاذه قبل صدور حكم نهائي بشأن الإبادة الجماعية".
وأضاف أن "جنوب أفريقيا تحتاج فقط إلى إثبات أن لديها القدرة على رفع القضية، وأنها تصرفت على أساس واجبها في منع الإبادة الجماعية، وأن هناك حجة قانونية معقولة بأن انتهاكات اتفاقية الإبادة الجماعية حدثت أو تحدث، وأن هناك خطرًا حقيقيًا ووشيكًا من حدوث ضرر لا يمكن إصلاحه لسكان غزة قبل أن تصدر المحكمة قرارها النهائي، بحيث يتعين على المحكمة أن تأمر (إسرائيل) بوقف الحرب".
أما فرانسيس بويل، محامي حقوق الإنسان الأمريكي الذي فاز بطلبين أمام محكمة العدل الدولية بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية ضد يوغوسلافيا نيابة عن البوسنة والهرسك، فيقول: إنه "بناءً على مراجعته للوثائق المقدمة من جنوب إفريقيا، فإنه يعتقد أن بريتوريا ستفوز بالفعل بأمر ضد (إسرائيل) لوقف والكف عن ارتكاب كافة أعمال الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين".
وأضاف بويل: أنه "استنادا إلى خبرته في القضية البوسنية، إن الأمر قد يصدر في غضون أسبوع من جلسة الاستماع هذا الأسبوع".
لكن أستاذ القانون الدولي في جامعة تل أبيب إلياف ليبليتش، يشكك في امتثال "إسرائيل" لقرار محكمة العدل الدولية بشكل تام وكامل.
وقال ليبليتش: إن "إسرائيل لن توقف القتال تماماً إذا أصدرت المحكمة أمراً قضائياً بشأن الحرب، وبدلا من ذلك، يمكن أن تهاجم شرعية المحكمة وقضاتها، على اعتبار أن بعضهم ينتمون إلى دول لا تعترف بإسرائيل".
وأضاف: أن "عواقب عدم الامتثال قد تتراوح بين الإضرار بالسمعة والضغوط السياسية والعقوبات وغيرها من التدابير التي تتخذها دول ثالثة أو قرارات أخرى في الأمم المتحدة"، وأشار إلى أن "المفتاح بالنسبة لإسرائيل هو كيفية تصرف حلفائها الرئيسيين في مثل هذه الحالة"، حسب تعبيره.
كيف سيؤثر الحكم على حلفاء "إسرائيل"؟
تداعيات حكم محكمة العدل الدولية يمكن أن تمتد إلى خارج "إسرائيل"، وفقا للخبراء، ولن يؤدي ذلك إلى إحراج أقرب حلفاء دولة الاحتلال وفي مقدمتهم الولايات المتحدة فحسب، بل قد يعتبر واشنطن أيضًا متواطئة في الانتهاك المزعوم لاتفاقية الإبادة الجماعية.
وكتب جون ميرشايمر، عالم السياسة الأمريكي: "على الرغم من أن طلب جنوب إفريقيا يركز على (إسرائيل)، إلا أن له آثارا ضخمة على الولايات المتحدة، وخاصة الرئيس جو بايدن ومساعديه الرئيسيين"، وأضاف: "لماذا؟ لأنه "ليس هناك شك في أن إدارة بايدن متواطئة في حرب إسرائيل".
وكتب ميرشايمر: "بصرف النظر عن الآثار القانونية لسلوكه، فإن اسم بايدن - واسم أمريكا - سيرتبطان إلى الأبد بما من المرجح أن يصبح إحدى الحالات النموذجية لمحاولات الإبادة الجماعية".
وقال دانييل ماتشوفر، المحامي وخبير العدالة الدولية إنه "حتى لو تجاهلت (إسرائيل) أمر محكمة العدل الدولية، فسيكون هناك التزام قانوني بين الموقعين الآخرين بالامتثال.
وأضاف: أن "أي شخص يساعد (إسرائيل) في تلك المرحلة سيكون بمثابة خرق لهذا الأمر"، وتابع قائلا: "من الممكن أن يتم رفع دعوى قضائية في جميع أنحاء العالم إذا لم تتوقف الدول عن مساعدة إسرائيل، وستكون هناك تداعيات قانونية في جميع أنحاء العالم".
ورأى ماتشوفر أن "القضية يمكن أن يكون لها أيضا تأثير على الجمهور الإسرائيلي. فهو يعتقد أن عدداً كبيراً من الإسرائيليين "لم ينظروا في المرآة" ويفتقرون إلى الوعي بالتأثير الحقيقي للحرب على الفلسطينيين في غزة".
ماذا بعد إدانة "إسرائيل"؟
تسود قناعة داخل أروقة محكمة العدل الدولية بأن قرار المحكمة سيكون له أثر كبير جدا على "إسرائيل" وسيمتد لعقود، كما هو الحال بالنسبة لقرارات مجلس الأمن الدولي الخاصة بالقضية الفلسطينية.
ووفق ما أكده أحد القضاة داخل محكمة العدل الدولية، وكذلك حقوقيون وقانونيون، فإن "إدانة قرار المحكمة لإسرائيل يعني ملاحقها، وسيكون أمامها وأمام حلفائها خيار من اثنين، إما أن تقبل تنفيذ القرار، وتلتزم بوقف القتال أو بتوصيل المساعدات وتجنب استهداف المدنيين في غزة، أو أن تلجأ المحكمة -في حال عدم القبول بالقرار- إلى مجلس الأمن الذي لا يعول عليه طبعا بسبب الدعم الأميركي لإسرائيل".
لكن قرار إدانة إسرائيل بجرائم الإبادة سيكون له وزن بمجرد صدوره من أعلى هيئة قضائية دولية، وإذا صدر القرار من محكمة العدل الدولية، فسيشكل ذلك ضغطا على محكمة الجنايات لتتحرك "اسميا"، أي تعلن عن أسماء المسؤولين الإسرائيليين الذين يرتكبون الجرائم في غزة، وتوجه لهم استدعاءات ومحاكمات.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام