استيقظ العراقيون يوم أمس على وقع تدمير وهدم منارة وجامع السراجي وسط ابتسامة وصفت بـ "الصفراء" من محافظ البصرة أسعد العيداني، وعادت بهم الذاكرة إلى تبسم محافظ نينوى في لحظة غرق العبارة في مدينة الموصل، والتي راح ضحيتها 120 مواطنا، بحسب وصفهم.

كما قال آخرون إن "شفل العيداني" أعاد إلى الأذهان مشاهد عناصر من "داعش" يحطمون الآثار بزهو ونصر معتقدين أنهم يقدمون خدمة عظيمة بفعلهم هذا.

العيداني في تصريح سابق أكد لوسائل الإعلام، أن "منارة جامع السراجي تراث لكل أهل البصرة ولا يمكن التفريط بها مبيناً أنه سيتم نقلها بطريقة هندسية حضارية دون أن تتضرر ليتم وضعها في الجامع الجديد الذي سينشأ لاحقاً".

قرار الهدم أثار غضب العراقيين شعبا وحكومة، إذ أكد وزير الثقافة والسياحة والآثار أحمد فكّاك البدراني، رفضه لهذا الإجراء، قائلاً: نمنع ونحول دون المساس بأي بناء يحمل سمةً تراثية أو آثارية، سواء كانت دينية أو مدنية.

وأضاف البدراني، أن هذه الآثار لا تعد ملكاً لديوان أوقاف، أو وزارة، أو هيئة، أو محافظة، وإنما ملك التاريخ الحضاري والتراثي للعراق.

وفي موقف مماثل صدر من مسؤول مفتشية وآثار البصرة، مصطفى الحصيني، بين فيه أن "هدم المنارة لا يعبر عن سمات الأمم المتحضرة".

 وزاد إن "المفتشية أبلغت الجهات العليا بعزمها التحرك قانونيًا ضد الجهات المسؤولة عن الجامع وعلى رأسها الوقف السني".

 بدورها، أكدت هيئة علماء المسلمين في العراق أن "جريمة هدم جامع السراجي ومنارته التاريخية في قضاء أبي الخصيب بمحافظة البصرة تأتي في سياق الممارسات ذات الطبيعة الطائفية لمحافظ البصرة، وسعيه الحثيث لإثارة الفتن".

وأوضحت الهيئة أن "هدم منارة الجامع جرى بطريقة مهينة، وفي مشهد اجتمعت فيه صور الإذلال والاستخفاف بمشاعر أهالي البصرة ومصلي الجامع، واقترنت بالتجاوز الكامل لكل حسابات حل هذا الموضوع بالطرق التي تحفظ للجامع مكانته وهيبته، وللبصرة أثرًا من آثارها التاريخية المهمة ومنارة من أقدم المنائر فيها".

بدوره؛ أكد الكاتب كرم نعمة، وهو أحد سكان المحافظة، أنه "ليس البصرة وحدها من يسيطر عليها العقل القبوري الذي يشيّد المراقد الملفقة، ويهدم كل ما يمت بصلة لتاريخ العراق الحقيقي ليبقى العراق المزيف"، موضحا أن "كل الذرائع المتحدثة هدم جامع السراجي تتوج بسخفها".

أما غيلان نجل الشاعر العراقي الراحل بدر شاكر السياب الذي ينحدر من المنطقة نفسها قال: "كما ينتهز اللصوص الظلام ليمارسوا الجريمة في ستر عن العيون، هدمت الدولة البهية وحكومتها المحلية في البصرة أحد أقدم المساجد في المدينة وفي العراق".

وبهدف امتصاص غضب الشارع طالب محافظ البصرة، أسعد العيداني، اليوم السبت، وزارة التخطيط بتوفير تخصيصات مالية من أجل مشروع إنشاء جامع السراجي.

وبني جامع السراجي عام 1727 ميلادي، بطراز معماري مميز وتبلغ مساحته 1900 متر مربع، ويقع في محلة السراجي بقضاء أبي الخصيب، ويحوي المسجد منارة بطول 11 مترا، وتعد اليوم إحدى المنارات الأثرية في العراق.

وفي الجامع مصلى واسع، وللحرم محراب مبني من الطابوق والأسمنت وعن يمينه منبر محاط بسياج من خشب الصاج، وتحيط بالمصلى النوافذ من كل جانب، ويعتبر الجامع من أوسع مساجد البصرة مساحة قديما حيث كان يسمى بالمسجد الكبير في البصرة قبل بناء المساجد الحديثة.

وفقد العراق منذ عام 2003 حتى يومنا هذا، العديد من المعالم الأثرية المهمة على يد الاحتلال الأمريكي ومن ثم تنظيم "داعش"، حيث دمرت متفجرات التنظيم أبرز معالم محافظة نينوى خلال سيطرته عليها، ومنها جامع النبي يونس، إضافة إلى الجامع الكبير المعروف باسم جامع النوري، ومئذنته الأثرية المعروفة بالحدباء.

كما جرف "داعش" مواقع أثرية مهمة، بينها مدينة النمرود (30 كلم جنوب الموصل) والتي يعود تاريخها إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وتعد أحد أهم المواقع الأثرية في العراق والشرق الأوسط.