تتجه أنظار العراقيين إلى طريق التنمية الذي من المؤمل أن يحول العراق إلى مركز نقل إقليمي يربط أوروبا والخليج العربي، فضلا عن كونه حجر الأساس لتطوير البنية التحية للسكك الحديدية والطرق في العراق.

وأعلن رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، عن مشروع "طريق التنمية" لربط ميناء الفاو الكبير بتركيا وصولا إلى أوروبا، خلال مؤتمر في بغداد مع مسؤولي النقل من دول الجوار.

ويشهد المشروع مشاركة 10 دول إقليمية، وهي: السعودية وتركيا وسوريا والأردن والكويت والبحرين وقطر والإمارات والبحرين وإيران.

وقال السوداني إن المشروع البالغ طوله 1200 كيلومتر، والذي يمتد من الحدود مع تركيا في الشمال إلى الخليج في الجنوب، سيكون حجر الزاوية لاقتصاد مستدام لا يعتمد على النفط، ويساهم في التكامل الإقليمي.

ويعد طريق التنمية بالعراق من أهم المشاريع الإستراتيجية في البلاد، إذ أكد مستشار رئيس الوزراء لشؤون النقل ناصر صالح الأسدي إنه سيوفر 100 ألف فرصة عمل كمرحلة أولى، ومليون فرصة بعد إكماله وإنجازه، كما أشار إلى أن المشروع سيتضمن خطوطا للسكك الحديدية للقطارات السريعة وطرقا برية سريعة، وسيمر بـ13 محافظة عراقية.

وقال الأسدي إن مشروع طريق التنمية يعد العصب الجديد للاقتصاد العراقي، مبينا أن المشروع سيتضمن موانئ ومدنا صناعية وسكنية جديدة، إضافة إلى المطارات، وأن تنفيذه سيكون باتجاه الصحراء بهدف استصلاح الأراضي للزراعة والصناعة والتجارة، وفق قوله.

بدوره، أكد وزير النقل رزاق محيبس، أن طريق التنمية سيشكل المسار التنموي للمنطقة والعالم.

وأضاف إن "طريق التنمية مشروع يصب لصالح دول المنطقة"، مبيناً أن "وزارة النقل أنهيت الجدوى الاقتصادية لمشروع طريق التنمية".

وبين أن "الوزارة عازمة على إنهاء طريق التنمية لكونه يشكل انتقاله نوعية للنقل"، لافتاً إلى أن "طريق التنمية يحتاج تكتل اقتصادي كبير".

وأشار إلى أن "طريق التنمية سيحقق مكاسب اقتصادية كبيرة كما سيشكل المسار التنموي للمنطقة والعالم".

وأردف أن "الحكومة تعتزم تشغيل المرحلة الأولى من مشروع الفاو منتصف العام الحالي"، مؤكداً أن "نسب الإنجاز المتحققة في ميناء الفاو بلغت أكثر من 50 %".

أما المتحدث باسم الحكومة العراقية باسم العوادي فأشار إلى أن الخط الإستراتيجي الأساسي سيكون طريق السكة الحديدية بطول 1175 كيلومترا، بالإضافة إلى الطريق البري بطول 1190 كيلومترا، مبينا أنه سيكون للطريقين مساران مختلفان في جنوب البلاد، إلا أنهما سيلتقيان في شمال محافظة كربلاء (جنوب بغداد)، وبعدها سيسير الطريقان جنبا إلى جنب حتى وصولهما إلى منطقة فيشخابور قرب الحدود العراقية السورية التركية.

وعن مهمة الطريق الجديد، أوضح العوادي أنها تتلخص في نقل البضائع بمختلف أنواعها من أوروبا إلى تركيا عبر العراق وإلى الخليج جنوبا، في الوقت الذي سينقل الطريق السلع والموارد الخليجية من دول الخليج عبر العراق إلى كل من تركيا وأوروبا، مبينا أن الطريق البري سيشهد عبور آلاف الشاحنات المقبلة من 25 دولة، وفق تعبيره.

كما لفت إلى أن الحكومة العراقية ستضمن أن تكون جميع البنى التحتية المتعلقة بالعراق "سيادية"، وأن بلاده ستحافظ على كل المساحات التي تعد سيادية لكي يبقى هذا الطريق عراقيا، وفق قوله. مختتما بأن مدة إنجاز المشروع ستبدأ عام 2024 وتنتهي عام 2028، بمدة إنجاز قياسية خلال 4 سنوات فقط.

وتقول عضو لجنة الاستثمار والتنمية النيابية العراقية فيان عبد العزيز عبد الرحمن إن طريق التنمية الجديد سيشكل أساسا مهما لتطوير القطاع الخاص، نظرا لما يوفره من فرص عمل، ومدة إنجاز المشروع (القناة الجافة) ستكون بين 4 و5 سنوات بعوائد اقتصادية كبيرة للعراق ودول المنطقة.

وأوضحت النائبة أن المشروع سيكون استثماريا، بما يعني إمكانية مشاركة الدول المساهمة في جزء من المشروع، مبينة أن آلية الاستثمار ستناقش خلال اجتماعات مفصلة بعد المؤتمر، ووفق آليات يُتفق عليها لاحقا، وفق قولها.

أما عضو اللجنة المالية النيابية جمال كوجر، أوضح أن طريق التنمية سيكلف نحو 17 مليار دولار، وأن هناك إمكانية كبيرة لتنفيذه، لا سيما أن العراق لن ينفق في المشروع أي أموال، وأن إنشاءه سيكون عن طريق الاستثمار المباشر، خاصة من قبل كل من الإمارات والسعودية وقطر وتركيا، التي تعد أكثر الدول حرصا على المشاركة في المشروع.

وعن الدول التي قد تتضرر من المشروع، أوضح أن المشروع سيرتكز على ميناء الفاو الكبير الذي سيحد من مزايا ميناء خور عبد الله الكويتي، كما سيحد من امتيازات ميناء جبل علي في الإمارات، فضلا عن تضرر خط عبادان الإيراني من المشروع، وبالتالي تحرص هذه الدول على المساهمة في المشروع.

 وأوضح كوجر أن الحكومة العراقية الحالية يُنظر إليها بصورة إيجابية دوليا، وبالتالي هناك مطلب دولي لإحياء هذا الطريق لما سيوفره من تقليص فترة الشحن والنقل من آسيا إلى أوروبا والعكس، فضلا عن إسهامه في تقليص كلفة الشحن الدولي.

وعن أهمية المشروع يرى أستاذ الاقتصاد في الجامعة العربية عبد الرحمن المشهداني أن هذا المشروع يعد إحياء لمشروع "البصرة-برلين" الذي كان قد اتفق عليه الإمبراطور الألماني

يوضح المشهداني أن أكبر مكسب للاقتصاد العراقي من هذا المشروع هو تطوير قطاع النقل المتهالك، والذي سيجلب معه نهضة في قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة وغيرها من القطاعات التي عانت خلال الأربعين سنة الماضية.

وتابع: "ستُبنى مدن صناعية قريبة من هذا الطريق، ومدن سكنية جديدة تبعد عن مراكز المدن الكبرى من 10 إلى 20 كيلومترا على الأقل، تستوعب عددا كبيرا من السكان في ظل الكثافة السكانية التي أدت إلى أزمة سكنية في العراق".

إلى جانب الانتعاش التجاري، إذ سيوفر هذا الطريق آلاف فرص العمل، لاسيما بعد أن تتحول الفاو إلى مدينة صناعية كبيرة قد تُنقل إليها بعض المصانع الدولية.

وتخطط الحكومة العراقية لإنشاء قطارات عالية السرعة لنقل البضائع بسرعة تبلغ 140 كيلومترا في الساعة، في حين تُقدر السرعة القصوى لنقل الركاب بـ 300 كيلومتر (186.41 ميلاً) في الساعة.

ويقارن المشهداني بين هذه السرعة وسرعة الخطوط الحالية في العراق، التي تتراوح بين 60 إلى 70 كيلومترا في الساعة، حيث يقطع القطار مسافة أقل من 600 كيلومتر في أكثر من 12 ساعة.

وقال: "كانت خطوط سكة الحديد تبعد عن مراكز المدن العامة، لكن مع الضغط السكاني أضحت داخل المدن، ما عرقل عمل القطار وأدى إلى بطء حركته".

ويوضح أن الخط الحالي الذي يربط العاصمة بمدينة البصرة حيث يوجد ميناء الفاو الكبير، هو خط واحد وصفه بالمتهالك، ينطلق من بغداد ويمر بمحطات رئيسية معينة قبل أن يصل إلى البصرة، ليعود مرة أخرى إلى العاصمة.

وتُقدر التكلفة الأولية لمشروع "طريق التنمية" بـ17 عشر مليار دولار، ويقول المشهداني إن المؤتمر الحالي شهد ثلاث سيناريوهات تمويلية.

أول هذه السيناريوهات يدور حول التمويل الحكومي، لكن المحلل الاقتصادي يستبعد قدرة الحكومة على تحقيق ذلك في ظل العجز الكبير في الموازنة العامة.

الخيار الثاني هو الشراكات بين الحكومة والقطاع الخاص، والذي يواجه كذلك تحدي توفير المال اللازم في ظل إدارة حكومية.

"السيناريو الثالث يقترح التمويل من خلال استثمار مجموعة من الشركات العالمية مع شراكات محلية، وهو الحل الأكثر منطقية لتنفيذ المشروع خلال سنوات قليلة" .

ويتوقع المشهداني أن تشهد الخطوة التالية تعاقدات مع شركات استثمارية، وأن يحظى المشروع بتمويل من تركيا والسعودية والإمارات وقطر.

ومن المخطط أن تنتهي المرحلة الأولى من هذا المشروع بحلول عام 2028، على أن تنتهي المرحلة الثانية بعدها بعشر سنوات، إذ تزداد معها الطاقة الاستيعابية للنقل إلى 400 ألف حاوية، وصولا إلى المرحلة النهائية المقررة عام 2050.

لاشك في أن الفائدة الأولى لطريق التنمية ستعود على العراق، الذي سيحصل على عوائد "الترانزيت" وعوائد تصدير بعض السلع المحلية التي يعتزم العراق تنشيطها.

ويرى مدير المركز العالمي للدراسات التنموية صادق ركابي، أهمية دولية كبيرة للطريق الذي سيربط جنوب العراق بالجانب الأوروبي؛ من حيث تقليل تكلفة نقل البضائع بين أوروبا وآسيا وصولا إلى الهند والصين.

وأضاف: "تعول الصين والهند على هذا المشروع في زيادة صادراتها إلى أوروبا عبر الموانئ في العراق وتركيا، كما تعول عليه تركيا أيضا التي تريد أن تزيد من ميزانها التجاري مع العراق".

وبشكل عام، سيلعب المشروع دورا محوريا في تنشيط الحركة التجارية، وزيادة العلاقات بين أوروبا والشرق، إلى جانب تحقيق الاستقرار والأمن في المنطقة؛ في ظل احتياج الطرق الجديدة إلى التأمين.

إن تحويل العراق إلى مركز عبور يختصر زمن السفر بين آسيا وأوروبا، قد ينظر إليه البعض على أنه محاولة لمنافسة قناة السويس، وهو ما تحدثت عنه بالفعل بعض التقارير الإعلامية.

ومع ذلك، فإن مدير المركز العالمي للدراسات التنموية، قلل من تأثير الطريق الجديدة على قناة السويس المصرية، وأكد: "لن يكون طريق التنمية بديلا عن قناة السويس".

وأضاف الركابي أن الضمانات وعنصر الأمان الموجود في قناة السويس أكبر من ذلك الموجود في طريق التنمية، الذي قد يكون عرضة لبعض المخاطر مثل تلك التي قد يمثلها تنظيم "بي كا كا" شمال العراق، أو مخاطر الحدود بين تركيا وأوروبا.

وأكد أن مشروع العراق لن يكون ذا تأثير سلبي أو كبير في الوقت الحالي أو في المستقبل، فالنشاط التجاري الجديد سيكون داعما للقناة المصرية.

بالمقابل هناك من يرى أن مشروع طريق التنمية الذي يحاول تنفيذه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني هو أكبر من قدرة السوداني على تحقيقه، بسبب وجود العديد من المخاطر التي تهدد الطريق مستقبلا.

يقول الخبير الاستراتيجي فراس إلياس إن "السوداني يحاول أن يضع بصمة خاصة به بكونه رئيس وزراء صاحب مشروع، ولا يختلف عن مصطفى  الكاظمي الذي طرح فكرة مشروع الشام الجديدة، رغم إدراك وقناعة الاثنين، أن هذه المشاريع أكبر من قدرة كل منهما على تحقيقها".

وأضاف: أنه "من سوء حظ السوداني أن مشروع طريق التنمية سيكون المتضرر الأول منه إيران، لأنه سيفقدها ميزة استخدامها لطريق الربط بين الشمال والجنوب عبر ميناء الإمام الخميني وحتى بحر قزوين، إلى جانب كونه يتقاطع مع الطريق البري الذي يربط إيران بالبحر الأبيض المتوسط".

وأوضح أن السوداني يحاول أن يتجاوز فكرة أن الممر الجغرافي الذي يمر به مشروع طريق التنمية، معقد أمنيا، وتحديدا من الحدود التركية وحتى الموصل، حيث تتواجد عشرات الجماعات والتنظيمات المسلحة، إلى جانب ضعف سيطرة الدولة، وتساءل: كيف سيتمكن من حماية طرق التجارة الدولية، وتحديدا نحو أوروبا؟

‏وأشار الخبير الاستراتيجي إلى أن الطريق يمر في جزء كبير منه في مناطق إقليم كردستان، وتحديدا المتنازع عليها، وهذا يعني أن الطريق مهدد من تنظيم "بي كا كا"، مبينا أن المشروع بالأساس يوفر مصلحة تركية أكثر من كونه عراقية، لأنه سيوفر لتركيا الوصول لمياه الخليج بطريقة سهلة وقصيرة، إلى جانب استبدال نفوذها العسكري في شمال العراق بنفوذ اقتصادي أوسع، كما سيجبر الحكومة العراقية على إنهاء تواجد "ي كا كا" والجماعات المسلحة، مقابل تدفق المزيد من السلع والخدمات للعراق، وهي مهمة ليست سهلة، حسب تأكيده.