منذ بدء موسم الأعمال الفنية لشهر رمضان الحالي، وحملة الاستهدافات للوسط الفني وللشخصيات الفنية لم تقف عند حد، حتى وصلت أخيرا إلى أبواب القضاء العراقي، فهل طالت حملات تكميم الأفواه مجال الفن أيضا؟ 

في أحدث موجة من الحملات التي استهدفت الوسط الفني، هي الحملة الأخيرة التي طالت الفنان أحمد وحيد، مؤلف وبطل العمل الكوميدي "قط أحمر" الذي يعرض يوميا في شهر رمضان الجاري.

استهداف أحمد وحيد جاء عبر سلسلة منشورات تنال منه، وكأنها تبدو حملة منظمة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ثم سرعان ما تم رفع دعوى قضائية ضده.

المحامي أحمد شهيد رفع دعوى ضد وحيد بتهمة "الإساءة" إلى القاضي الراحل محمد عريبي، الذي أصدر حكم الإعدام بحق الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، مطالبا بمحاسبة القناة التي عرضت العمل (U TV)، فضلا عن وحيد.

 

مركز النخيل: "حملة تغذيها جماعات معروفة"

وحيد قام بدور قاض عراقي في أحد مشاهد "قط أحمر"، فاعتبره أحمد شهيد ومن قادوا الماكينة التي حركت مواقع التواصل ضده، بأنه إساءة وتقليد واستنقاص من القاضي الراحل محمد عريبي.

لم تكن قضية أحمد وحيد هي الأولى، فقد سبقتها أخرى، عندما تعرض مسلسل "الكاسر" لحملة تسقيطية، بتهمة الإساءة للجنوب، الأمر الذي دفع هيئة الإعلام والاتصالات إلى إيقاف بث المسلسل بعد عرض 4 حلقات منه فقط، وللفارقة أن العمل كان يعرض على (U TV) أيضا.

هذه الحملات التي لا حد لها، جوبهت بحملات تضامنية مع من تعرضوا لها، خصوصا أحمد وحيد كون أن قضيته وصلت إلى القضاء، والسؤال، من يقف خلف هذه الحملات، وهل يراد منها استهداف الحريات وتحجيم حرية التعبير وتكميم الأفواه؟

في أول رد فعل على تلك الحملات، أعرب مركز النخيل للحقوق والحريات الصحفية في بيان له، عن أسفه لما وصفها "حملة الاستهداف والتسقيط التي يتعرض لها الفنان أحمد وحيد ضمن حملة واسعة باتت تستهدف الحريات الإعلامية والفنية والمدنية في العراق والتي تغذيها جماعات معروفة"، بحسبه.

المركز قال، إنه يحدوه الأمل بمجلس القضاء الأعلى في "حماية حرية التعبير والعمل الفني والإعلامي الذي بات مستهدفا من أوسع نطاق وبحملات ممنهجة ومنظمة". 

بيان مركز النخيل طالب أيضا، الجهات المعنية "بمتابعة جميع المنصات التي تمارس التحريض والتشهير بفنانين وصحفيين لغايات أصبحت معروفة للجميع".

 

"منهجية لتضييق حرية التعبير" 

في السياق، أكد رئيس جمعية حقوق الصحفيين، مصطفى ناصر، في حديث لشبكة "الساعة"، أن "زعامات الأحزاب السياسية السلطوية تشعر بخطر كبير منذ تشرين الأول 2019 وحتى الآن، بعد أن تهدمت الهالات القدسية التي بنوها لحصونهم بذرائع عقائدية ومذهبية، والآن يحاولون أن يعيدوا لذاتهم وجمهورهم شيئا من الاعتبار".

وأضاف أن "منهجية التسلط يمكن لمسها بوضوح في هذا الجانب، لا سيما وأن الزعامات الحالية تتفق في ضرورة التضييق على حرية التعبير والرأي، وعدم السماح بكشف كتلة الفشل التي خلفتها هذه الأحزاب خلفها طيلة العقدين الماضيين".

وتابع أن "العقلية الدكتاتورية التي تحرك بعض الزعامات تؤدي إلى تأليب جمهورها وأدواتها على اصحاب الرأي الآخر، وهذا سيعيدنا إلى لحظة الشرخ الكبرى في المجتمع العراقي، بعد أن أحدثوها بفعل العنف الموجه ضد المحتجين في العديد من مناطق العراق".

وأوضح ناصر، أنه "بما يخص إيقاف مسلسل الكاسر، من الواضح أنه حراك سياسي انتقامي، يدخل في دائرة صراع المصالح؛ لقيمة المسلسل وحجم التعاقدات الإعلانية ورعايته، فذهبوا لإيقافه بواسطة الضغط على هيئة الإعلام والاتصالات بدافع الانتقام من القناة وإدارتها وليس شيئا آخر".

 

ثنائية الترهيب والترغيب

ناصر بيّن، أن "أحزاب السلطة حاولت احتواء قطاعات وجماهير معارضة لمنهجيتها السياسية وإدارة حكمها، ولكن هذا لن ينجح مع القسم الآخر، الذي بقي ثابتا على منهجه المعارض لسوء الإدارة وعدم احترام الدستور".

وزاد أن "ثنائية الترغيب والترهيب، تحتاج إلى هكذا منهج، يؤدي لإسكات الرأي الآخر بأية طريقة ومراد ذلك بات واضحا، فصراع السلطة المستديم يولد رغبة المنتصر بالبقاء إلى أبعد فترة ممكنة".

فيما يخص الدعوى المقامة ضد الفنان أحمد وحيد، أشار ناصر، إلى أن "هذا يدخل في نفس الخانة التي تحدثت عنها، فهم يحاولون الإبقاء على هامش الحرية تحت سيطرتهم، وملاحقة النصف الآخر الذي لم يخضع لترغيبهم، وهذا يمكن اعتباره نوعا من أنواع الترهيب، لا سيما وأن بيان أحمد وحيد كان واضحا".

وتابع قائلا: "يمكن قراءة حجم الإزعاج الذي تسببت به هذه الدعوى، من محامٍ يعد أحد أدوات الفصائل المسلحة وجبهة الإطار التنسيقي في تنفيذ جزء من أجندة الترهيب بواسطة الدعاوى القضائية".

 

ما قول أحمد وحيد؟

أحمد وحيد أصدر توضيحا عبر صفحته على منصة "فيسبوك"، تضمن عدة نقاط منها قوله، إن الشخصية التي قام بأداء دورها لا علاقة لها بالقاضي الراحل محمد عريبي مطلقا.

وحيد أردف: "الأهم عندي أن الشخص متوفي، وليس من المروءة ولا من الأخلاق ان تقلد شخصا ميتا لتسيء إليه"، مضيفا: "المرحوم ينتمي لعشيرة معروفة في جنوب العراق ولها ثقلها ومكانتها (...) لذا من غير المعقول أن أكون خصما لها وأُسيء لابنها المتوفي".

شخصية القاضي بحسب توضيح أحمد وحيد، "لم تكن شخصية فاسدة أو ظالمة، بل كانت شخصية قاضٍ عادل. يحاسب المسيء وينصر المظلوم، لذلك لم تكن الشخصية تسيء لأي قاضٍ يذكر".

وحيد أشار إلى أنه، "كل ما في الموضوع أن أشخاصا وجدوا أن الشوارب التي استخدمتها في المشهد دليلا على تقليد المرحوم العريبي، وهذا خطأ، خصوصا وان منتسبي الدفاع والداخلية و السلك القضائي كثير منهم تكون شواربهم بارزة أكثر من غيرهم". 

 

مؤشرات خطرة 

رئيسة منظمة "آيسن" لحقوق الإنسان والتنمية المستدامة أنسام سلمان، قالت في تصريح خاص لشبكة "الساعة"، إن "هناك مؤشرات خطرة برزت في موسم رمضان الحالي، مثل اللجوء إلى القضاء وإيقاف بث أعمال درامية، وهي أمور تتعارض مع الحقوق والحريات".

سلمان أردفت: "من يقف وراء تلك الحملات، شخصيات لا تؤمن بحرية التعبير ولا تؤمن بحق المواطن في الحديث عن الواقع السياسي أو الواقع المجتمعي".

وأوضحت بأن "بعض الحملات كانت تسقيطية للحد من نجاح الدراما العراقية التي بدأت تتفنس في السنوات الأخيرة وتخطو بخطاها نحو النجاح".

بشأن حرية التعبير في العراق، بيّنت رئيسة منظمة "آيسن"، أن "الدستور العراقي صانها بالمادة 38، لذلك لا حق لأي شخص يريد أن يجعل سلطة من سلطات الدولة خاضعة لأهدافه".

"نحن كراصيدين للانتهاكات، لاحظنا أن حرية التعبير في العراق بدأت تتحجم في السنوات الأخيرة، سواء بحملات قضائية أو إعلامية أو دعاوة كيدية لصرف الشارع العراقي عن المطالبة بحقوقه ولتحجيم هذه الحقوق وترهيب المواطن، وهذه مؤشرات خطرة لأنها تعزّز من انتهاكات حقوق الإنسان في العراق"، قالت أنسام مُختتمةً.