يشرب العراقيون منذ سنوات طويلة مياه ملوثة بالنفط ومياه الصرف الصحي، وفشلت جميع الحكومات في إيجاد معالجة لمشكلة تلوث المياه التي باتت مصدراً أساسياً لأمراض عدد كبير من العراقيين، رغم الموازنات المالية الانفجارية التي أقرها مجلس النواب العراقي على مدى عقدين ماضيين.
وذكر المرصد العراقي لحقوق الإنسان في تقرير تابعته شبكة "الساعة"، اليوم الأربعاء، أن "المياه في العراق ملوثة بشكل كبير، والنفط ومياه الصرف الصحي والمخلفات الطبية، ترمى جميعها في الأنهر".
وقال طبيب عراقي يعمل في إحدى المستشفيات الحكومية خلال شهادة للمرصد إن "مياه نهري دجلة والفرات غير صالحة للشرب، وتُعد سبباً رئيسياً لمرض السرطان، خاصة في محافظة البصرة".
وأضاف الطبيب الذي يخشى ذكر اسمه من تعرضه لعقوبات وظيفية: "اطلعت على عدد كبير من حالات مرضى السرطان ووجدت أن المياه سبباً أساسياً في ذلك" مؤكداً أن "مياهنا ملوثة بنسبة كبيرة".
بدوره كشف مدير عام الدائرة الفنية في وزارة البيئة عيسى الفياض، في تصريح للوكالة الرسمية، أن "السبب الرئيس وراء تلوث المياه هو أن معظم مياه الصرف الصحي تصرف في الأنهر من دون معالجة"، مبيناً أن "طاقة محطات الصرف الصحي في بغداد مصممة لـ 3 ملايين نسمة فقط، لكن هناك ٨ ملايين نسمة في العاصمة الآن".
في عام 2018 شهدت البصرة احتجاجات شعبية إثر حالات تسمم جماعي شاع على نطاق واسع حينها أن سببها المياه، ونقل على إثرها 118 ألف شخص إلى المستشفيات المتهالكة في المدينة ولا تزال مثل هذه الحالات تسجّل بشكل فردي أو جماعي،
وأكد الناشط المدني في محافظة البصرة حسن صباح إن "المشكلة تتركز في مناطق وسط وجنوب وشرق المحافظة ولا تصلح مياه الإسالة في هذه الأحياء للاستخدام البشري أو الحيواني ولا للزراعة ولا حتى لغسيل الملابس".
وبين إن "الأمراض الناجمة عن تلوث المياه في البصرة متعددة وأكثرها شيوعاً هي الأمراض الجلدية".
تعود مشكلة تلوث المياه لسنوات عديدة ماضية ولا تقتصر على البصرة وحدها، كما أن الطبيعة، من قبيل الجفاف واللسان الملحي، ليست المتسبب الوحيد بتلوّث المياه، بل هناك أشخاص ودوائر ومنشآت حكومية بما فيها مستشفيات ومصافٍ للنفط تسهم فيها.
يراقب خبير الاستراتيجيات والسياسات المائية رمضان حمزة مشكلة تلوّث المياه عن كثب منذ سنوات طويلة. ويصنّف حمزة مشكلة التلوث المائي في العراق "كخرق خطير جداً لأمن المياه لما تسببه من أمراض قاتلة بينها السرطان بأنواعه".
تسير هذه المياه ببطء في مجرى الأنهر من دهوك وصولاً إلى البصرة وتتوزع في روافد ومنعرجات عديدة، وعلى امتداد هذه المسافة الشاسعة "ترمى الفضلات والقاذورات في مجرى، وبما أن المياه قليلة ولا تقدر على دفع الملوّثات هذه لشط العرب، فإن الفضلات تبقى وتتفاعل مع التربة وتنتج بيئة ملوّثة تترسب فيها المعادن الثقيلة وتؤثر على الأسماك والأشجار" وفقاً لحمزة.
أضاف حمزة أن "الثمر المزروع في العراق والأسماك والجواميس تحتوي، مع ما تنتجه من لحوم وألبان، على جزء من هذه الملوّثات، ولذلك تجد البنية الجسدية (لكثير من العراقيين) ضعيفة وهزيلة".
وتابع حمزة أن 85% من الأمراض التي تصيب الأطفال سببها المياه وهي أمراض تصيب الكبار أيضاً"، موضحاً أن " الأضرار الواضحة والمباشرة لتلوّث المياه أقل حدة من التي ستظهر على المدى البعيد والمتوسط".
وفي محافظة كركوك الغنية بالنفط يوجد وادٍ مملوء بالنفط يخرج من شركة نفط الشمال، التي تدار الحقول النفطية فيها، ويمتد لمسافات طويلة بمحاذاة أراضٍ زراعية.
بحسب مدير دائرة الزراعة في كركوك، زهير علي، فإن "80 ألف دونم زراعي تضررت جراء هذا النهر الأسود المعروف باسم وادي النفط".
وتابع علي أن "الأراضي الواقعة على كتفي وأطراف الوادي تكون ميتة، وتقدر خسائر المزارعين من مالكيها بنحو 450 مليون دينار عراقي سنوياً".
وليست الخسارة مادية فحسب، فهناك أمراض ناجمة عنه أيضاً فالعديد من المزارعين في القرى يعتمدون على المياه المخلوطة بمخلفات عمليات تصريف النفط، لإرواء المزروعات التي يأكلها السكان لاحقاً.
عند شارع أبي نؤاس، على ضفة النهر المقابلة للمنطقة الخضراء الحكومية، تشم في بعض الليالي رائحة كريهة، والسبب هو تصريف مياه الصرف الصحي من منطقة الكرادة في النهر.
وأوضح الناطق باسم وزارة الموارد المائية، علي راضي في تصريحات صحافية إن "سبب تلوث المياه هو رمي المخلفات داخل الأنهر وعدم تصفية المياه العائدة إليها من قبل أمانة بغداد ودوائر البلدية بسبب تهالك محطات معالجة مياه المجاري".
لم يعد العراقيون يعتمدون على مياه الإسالة للشرب، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال انتشار معامل التعبئة وتنقية المياه في عموم البلاد.
واللافت، أن هذه المعامل تعمل بشكل عشوائي ولا تخضع لرقابة حكومية يعتد بها دون أن يتطلب فتحها تخصص مهني للعاملين فيها أو لمؤسسيها.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام